آخر الأخبار

تدخلات رقمية «غير مباشرة» تؤثر في قرارات أسرية مصيرية

شارك

تلعب خوارزميات المنصات الرقمية دوراً متزايداً في توجيه المحتوى المعروض على المستخدمين، من خلال أنظمة توصية تعزز مواد عالية التفاعل، الأمر الذي قد يؤثر في توازن الصورة المقدمة عن القضايا الاجتماعية عبر تضخيمها وتراجع زوايا أخرى من الواقع.

وأكد مختصون في الصحة النفسية وعلم البيانات والسلوك الرقمي لـ«الإمارات اليوم» أن الخوارزميات لم تعد تقتصر على اقتراح محتوى متوافق مع الاهتمامات الظاهرة، بل تعمل على إعادة إنتاج الرسائل ذاتها بصورة مكثفة، ما يضع المستخدم في بيئة رقمية ضيقة تُعرف بـ«غرفة الصدى» حيث تتكرر الأفكار المتشابهة.

وتواصلت «الإمارات اليوم» مع أشخاص أفادوا بتأثرهم المباشر بخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي، وانعكاس ذلك على حياتهم النفسية والأسرية.

وتفصيلاً، قالت مواطنة، فضلت عدم ذكر اسمها، إنها متزوجة منذ سبع سنوات، وقد بدأت بمشاهدة مقاطع قصيرة تتناول الخلافات الزوجية بدافع الفضول، إلا أن الخوارزمية سرعان ما أغرقتها بمحتوى متكرر عن الشك والانفصال، مؤكدة أن ذلك زرع لديها قلقاً غير مبرر، ودفعها إلى إعادة تفسير مواقف يومية عادية داخل الأسرة على أنها مؤشرات سلبية، ما تسبب في توتر علاقتها بزوجها حيناً من الزمن.

وفي حالة أخرى، ذكر المواطن أحمد البلوشي (موظف في الثلاثينات من عمره)، أن خوارزميات برنامج «تيك توك» ركزت بشكل مكثف على محتوى يتناول فشل العلاقات الزوجية، عقب تفاعله مع مقطع واحد خلال خلاف عابر مع زوجته، موضحاً أن تكرار الرسائل نفسها جعله يشعر بأن الاستمرار في العلاقة خيار غير منطقي، قبل أن يدرك لاحقاً أن ما يراه لا يمثل الواقع، بل هو نمط رقمي ضيق.

وأفادت «أم روان»، وهي أم لطفلين، بأن المحتوى المقترح عليها انتقل من نصائح أسرية عامة إلى مقاطع تُقدَّم تحت عناوين تنمية بشرية، لكنها تتضمن رسائل مشحونة تشجع على قرارات قطيعة أو مواقف متشددة، ما سبب لها ضغطاً نفسياً متزايداً، وأربك قدرتها على الفصل بين مشكلاتها الفعلية وما يضخم رقمياً.

السلوك لا العقل

وقال محاضر العلوم النفسية في مركز تمكين للتدريب واستشاري الصحة النفسية، محمد يحيى نصار، إن الخوارزميات «تتبع السلوك لا العقل»، لكنها حين ترصد توقف المستخدم عند نوع محدد من المحتوى، تبدأ بتكثيفه تدريجياً، ما يحول اهتماماً عابراً إلى إحاطة شبه كاملة، ويخلق شعوراً زائفاً بأن هذا المحتوى يمثل الواقع كله.

وأوضح أن هذا النمط يؤدي إلى ضغط نفسي متراكم، حيث يتعرض الفرد لسيل متشابه من الرسائل التي تضخم المخاوف وتثير القلق، «فيجد نفسه يفكر في قرارات لم يكن مستعداً لها أصلاً، لا نتيجة توجيه مباشر، بل بفعل تكرار الرسالة».

وأشار نصار إلى أن من أخطر الأمثلة على ذلك تكرار مقاطع الشكوك الزوجية، موضحاً أن شخصاً يمر بفتور عاطفي أو شك عابر قد يتوقف عند فيديو أو اثنين، فتفسر الخوارزمية ذلك كاهتمام، وتبدأ بعرض عشرات القصص المشابهة ومع الوقت، لا يعود المحتوى مجرد سرد قصصي، بل يتحول إلى رسالة ضمنية مفادها أن «الشكوك منتشرة ومتوقعة»، ما يضعف الشعور بالأمان داخل العلاقة الزوجية.

وبين أن الضغط الذي يشعر به الشخص هنا «غير صريح»، إذ لا يطلب من المستخدم اتخاذ قرار بعينه، لكنه يتعرض لضغط نفسي مشحون يوحي بأن القرار أصبح حتمياً، أو أن الاستمرار في العلاقة نوع من السذاجة، الأمر الذي قد يدفع بعض الأشخاص إلى الانسحاب أو اتخاذ قرارات مصيرية بعيداً عن التفكير الهادئ والحوار الأسري الواعي.

وأضاف أن الخوارزميات تميل إلى إبراز المحتوى السلبي عالي الجذب، مثل الخلافات والفشل والإهمال، ما يوجه الانتباه إلى مراقبة المشكلات بدل العمل على حلها، ويسهم في تضخيمها مع تجاهل الإيجابيات.

و لفت إلى أن كثيراً من المقاطع تروج «حلولاً سريعة» جذابة عاطفياً، كالدعوة إلى القطيعة أو الانسحاب الفوري، وهي حلول «غير واقعية» في سياق أسري تحكمه مسؤوليات وأطفال وتاريخ مشترك.

وأكد نصار أن الانشغال بهذه الحلول الافتراضية الجاهزة يبعد الأفراد عن البدائل الفعالة، مثل الحوار والاستشارة المتخصصة ومحاولة إعادة بناء الثقة، أو إتاحة الوقت لتهدئة المشاعر، محذراً من تحول الهاتف من أداة ترفيه إلى «غرفة صدى» تضخم القلق وتعيد إنتاجه.

وأضاف أن الوعي المطلوب لا يتمثل في إغلاق التطبيقات، بل في إدراك أن ما يعرض «ليس صورة كاملة عن الواقع»، وأن القرارات الأسرية ينبغي ألا تُتخذ تحت ضغط التكرار أو المحتوى العاطفي العابر، بل عبر تفكير متزن وحوار حقيقي وحلول تنبع من داخل الأسرة، لا من خوارزمية.

«محرك انفعالي»

وقالت الاختصاصية الاجتماعية عائشة راشد سعيد الكندي إن خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي أضعفت بشكل متزايد قدرة الأسر على ضبط السلوكيات داخل البيت، مشيرة إلى أن كثيراً من الآباء باتوا يشعرون بأن زمام التأثير لم يعد بأيديهم، سواء في توجيه الأبناء أو في حماية العلاقة بين الزوجين من التدخلات الرقمية غير المباشرة.

وأوضحت أن الزوجين حين يتعرضان باستمرار لتجارب الآخرين المعروضة عبر المقاطع القصيرة، تبدأ السرديات بالتسلل إلى حياتهما المشتركة، فتؤثر في نظرتهما للعلاقة وفي مستوى الرضا والاستقرار، مؤكدة أن الخوارزميات تعمل كـ«محرك انفعالي» يعيد تضخيم مشاعر الشك والقلق، ويضع الأفراد في حالة عدم اتزان نفسي وسلوكي، أشبه بحالة إدمان رقمي يعاد خلالها برمجة التفكير دون وعي.

وأضافت الكندي أن المحتوى الرقمي المتكرر يحل تدريجياً محل الحوار الأسري، ما يؤدي إلى تراجع التواصل داخل الأسرة، ويفتح الباب أمام ما وصفته بـ«الطلاق العاطفي» الذي قد يتطور لاحقاً إلى تفكك أسري فعلي، لافتة إلى أن الشك والحيرة يصبحان حالة يومية، خصوصاً لدى الزوجة، نتيجة إسقاط واقع رقمي مشوه على علاقة واقعية مختلفة في طبيعتها ومسؤولياتها.

وأشارت إلى أن أثر هذه الخوارزميات لا يقتصر على البالغين، بل يمتد إلى الأطفال، حيث بدأت تظهر تساؤلات لدى أعمار صغيرة تفوق مستوى نضجهم، متأثرة بمحتوى رقمي مضلل وبعيد عن القيم والعادات الاجتماعية الأصيلة، مثل التساؤل عن الطلاق أو تفضيل الحياة دون أسرة، وهو ما يعكس خللاً في تشكيل الوعي والهوية.

وأكدت الكندي أن ترك الأبناء والعلاقات الأسرية تحت تأثير هذا الفضاء الرقمي دون وعي أو توجيه حقيقي قد يؤدي إلى فقدان المرجعية القيمية والاجتماعية، مشددة على أن مواجهة هذه المتغيرات تتطلب وعياً خوارزمياً، وتعزيزاً للحوار الأسري، وعدم تسليم تشكيل الوعي النفسي والسلوكي للأفراد لخوارزميات صممت لتعظيم التفاعل، لا لحماية الأسرة أو استقرار.

«قوة التفاعل»

وذكر عالم البيانات، محمد الشحي، أن خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي لا تتعامل مع المستخدم كونه فرداً له سياق اجتماعي أو نفسي، بل كونه سلسلة بيانات قابلة للتحليل والتوقع، مشيراً إلى أن كل تفاعل مهما بدا بسيطاً يسجّل ويقاس ويستخدم لاحقاً في إعادة تشكيل المحتوى المعروض.

وقال الشحي إن التوقف لثوانٍ إضافية عند مقطع معين، أو إعادة مشاهدته، أو حتى التمرير البطيء، تعد إشارات قوية لدى الخوارزمية، تفسّر فوراً على أنها اهتمام حقيقي، ما يدفع النظام إلى ضخ محتوى مشابه بكثافة أعلى، بغض النظر عن أثره النفسي أو الاجتماعي.

وأضاف أن الخوارزميات لا تقيم «جودة التأثير»، بل «قوة التفاعل»، موضحاً أن المحتوى الذي يثير الخوف، أو الصدمة، أو الغضب، غالباً ما يحقق معدلات تفاعل أعلى، «ولهذا يتم تفضيله خوارزمياً، حتى إن كان مشوهاً للواقع أو مضخماً للمشكلات».

وأشار إلى أن هذا النمط يؤدي إلى ما يعرف بـ«فقاعة التوصية»، حيث يحاصر المستخدم بسردية واحدة، وزاوية واحدة، ورسائل متكررة، «فيبدأ العقل البشري بطبيعته في التعامل مع هذا التكرار على أنه حقيقة إحصائية، لا مجرد محتوى عابر».

وبين أن الخطر الحقيقي يظهر عند تداخل التكرار مع لحظات ضعف إنساني، كالأزمات الأسرية أو الضغوط النفسية أو فقدان الثقة، موضحاً أن الخوارزمية «لا تعرف أنك تمر بمرحلة حساسة، لكنها تعرف أنك تتفاعل أكثر، فتضاعف الجرعة».

وأوضح أن ما يحدث عملياً هو «تهيئة نفسية غير مرئية»، إذ لا يطلب من المستخدم اتخاذ قرار محدد، لكن البيئة الرقمية المحيطة به تجعله يشعر بأن خياراً واحداً هو المنطقي أو السائد، سواء كان الانسحاب من علاقة، أو فقدان الثقة، أو تبني سلوكيات متطرفة في التفكير أو الحكم.

وأكد أن هذا التأثير لا يقتصر على الأفراد، بل يمتد إلى تشكيل المزاج العام، واتجاهات الرأي، وحتى أنماط النقاش داخل الأسرة والمجتمع، مشيراً إلى أن الخوارزميات قادرة على تضخيم الاستثناءات وتحويلها إلى قاعدة ذهنية.

ودعا الشحي إلى تعزيز مفهوم «الوعي الخوارزمي»، معتبراً أن المستخدم الواعي هو من يدرك أن المحتوى المقترح «ليس انعكاساً محايداً للواقع»، بل نتيجة معادلات تهدف إلى إبقائه متفاعلاً لأطول وقت ممكن، لافتاً إلى أهمية تنويع مصادر المحتوى، وعدم الاستسلام للتوصيات المتكررة، واستخدام أدوات كتم أو إخفاء المحتوى المزعج أو الضاغط.

وبين أن الحل لا يكمن في مقاطعة التكنولوجيا، بل في إعادة ضبط العلاقة معها، فالخوارزميات أدوات قوية، ويمكن أن تكون مفيدة أو مؤذية، والفارق الحقيقي يبدأ من وعي المستخدم، ومن إدراكه أن قراراته الحياتية يجب ألا تُتخذ داخل دائرة توصية مغلقة.

تسلسل المحتوى

وأوضحت مدربة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتسويق الرقمي، خلود الحبسي، أنه من منظور تقني بحت، تعمل خوارزميات منصات التواصل عبر نماذج تحليل وتوقّع تبني افتراضاتها اعتماداً على تكرار الإشارات الرقمية، مثل توقيت الاستخدام، وتسلسل المحتوى، ومدى التفاعل معه، وأن هذه النماذج لا تملك أي قدرة على قراءة السياق الإنساني أو فهم طبيعة العلاقة، بل تكتفي بتحويل السلوك إلى أنماط قابلة للتصنيف والمعالجة.

وتابعت أنه عندما يقوم النظام بتصنيف المستخدم ضمن شريحة اهتمام محددة، يبدأ في تعزيز هذا التصنيف تلقائياً بمحتوى متقارب، ما قد يجعل التجربة الرقمية تبدو متماسكة ومنسجمة، لكنها في الواقع مبنية على جزء محدود من السلوك، لا على الصورة الكاملة للواقع أو للحالة النفسية والاجتماعية للمستخدم، مشيرة إلى أنه في ظل هذا الواقع، يصبح من الضروري التعامل مع المحتوى الرقمي بوصفه مخرجات حسابية لا أدوات تشخيص أو حكم، فما يظهر على الشاشة ليس بالضرورة انعكاسا دقيقاً للعلاقات أو للواقع الأسري، بل نتيجة نمذجة رقمية هدفها الاستجابة للسلوك، لا فهم الإنسان.

وأكدت أن الوعي بهذه الآلية يمنح المستخدم قدرة كبرى على الفصل بين التجربة الرقمية والواقع الفعلي، ويحد من تأثير المحتوى المقترح في القرارات الشخصية والأسرية، فالعلاقات الإنسانية، بتعقيدها ومسؤولياتها، لا يمكن اختزالها في نمط تفاعل، وينبغي ألا تدار بمنطق خوارزمي صُمّم لتعظيم التفاعل، لا لقياس عمق الروابط أو استقرارها.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا