أكد تربويون ومعلمون وأولياء أمور أن من أبرز المشاهد المثيرة للقلق والتساؤل في الأسبوع الأول من الدراسة، تلك المقاعد الفارغة التي تركها بعض الطلبة، ليس بدافع المرض أو لظرف قاهر، وإنما لأن بعض الأسر فضّلت تمديد عطلاتها أو أن تبدأها مع انطلاقة العام الدراسي، وهناك من حددوا موعد عودتهم بعد اسبوع من بدء الدراسة لتفادي ارتفاع أسعار تذاكر الطيران في هذه الفترة، وهكذا غاب بعض الطلبة عن المشهد التعليمي في لحظة البداية، تاركين فراغا ملحوظا في الصفوف. وقالوا لـ«الإمارات اليوم» إن قرار الآباء تمديد الإجازة يتضمن رسالة تربوية بالغة الخطورة، تُرسَّخ في وعي الطفل أن الالتزام أمر ثانوي، وأن تجاوز النظام ممكن متى تعارض مع الرغبات الشخصية.
وقال التربويون وليد فؤاد لافي وخالد عبدالحميد وفاتن سعيد لـ«الإمارات اليوم»، إن «الغياب في الأسبوع الأول يعني فقدان فرصة ذهبية للتربية والانضباط».
وأضافوا أن «التعليم لا يبدأ من الكتاب فقط، بل من ثقافة الالتزام والانضباط التي يتعلمها الأبناء في تفاصيل صغيرة، كحضور أول يوم دراسة، ومن هنا يبدأ الفرق بين من يستهين بالمسؤوليات، وآخر يعرف أن النجاح يصنع من أول لحظة».
وشرحوا أن «غياب الطلبة في الأسبوع الأول لا يتوقف عند فقدان المعلومات، بل يمتد إلى ضعف الانضباط الذاتي، إذ يتعلم الطالب أن الالتزام مسألة نسبية، كما أنه يتسبب في تراجع الدافعية للتعلم، لأن البداية الباهتة تُفقد الطالب الحماس للعام كله. وتمتد الآثار إلى إضعاف الروابط الاجتماعية، إذ يفتقد فرص الاندماج في اللحظات الأولى، فيظل معزولاً عن المجموعات الطلابية».
وأكّد المعلمون ريبال غسان العطا وسارة عبدالله وهاني حمزة، أن الأسبوع الأول من الدراسة يمثل القاعدة الأساسية للعملية التعليمية، حيث يتعرّف الطالب إلى النظام المدرسي، ويتعود الانضباط، ويبدأ في بناء العلاقة مع معلميه وزملائه، موضحين أن «الغياب في هذه الفترة يخلق فجوة تربوية يصعب سدّها لاحقاً، لأنه يُفقد الطالب الانسجام مع إيقاع المدرسة، ويزرع فيه شعوراً بأن الالتزام أمر ثانوي، لذلك يجب أن يكون الحضور منذ اليوم الأول إلزامياً ومتابَعاً من الأسرة والمدرسة معاً».
وقال آباء لم يلتزم أبناؤهم بالدوام في الأسبوع الأول، (فضلوا عدم ذكر أسمائهم)، إن ظروف الإجازة العائلية جعلتهم يمددون سفرهم لأيام قليلة.
وأضافوا: «ظننا أن الأسبوع الأول مجرد تهيئة، وأن الغياب لن يؤثر كثيراً، لكن أمام حالة الارتباك التي أصابت أبناءنا لعدم إلمامهم بجداول الدراسة والمعلمين الجدد، أدركنا متأخراً أن حضور البداية لا يقل أهمية عن أي اختبار، بل هو مفتاح الاستقرار الدراسي طوال العام».
وأوضح أولياء الأمور إيهاب ذكي وميادة حسن وعلياء منصور ومروان علي، أن قرارهم بتمديد إجازة أبنائهم وعدم عودتهم إلى المدارس في الموعد المحدد لم يكن مرتبطاً بالترفيه، بل جاء لتفادي الارتفاع الكبير في أسعار تذاكر الطيران خلال هذه الفترة، الأمر الذي دفعهم إلى تأجيل عودتهم لأسبوع إضافي. وأشاروا إلى أن الظروف الاستثنائية المرتبطة بتكاليف السفر قد تؤثر أحياناً في خطط الأسر، لكنها لا تعكس بأي حال من الأحوال تقليلاً من أهمية الالتزام بالعام الدراسي. وأكدوا حرصهم على انتظام أبنائهم في الدراسة فور عودتهم، معربين عن قناعتهم بأن الوجود المبكر في الفصول الدراسية يعزّز دافعية الطلاب، ويدعم قدرتهم على مواكبة الدروس دون أي تأخير.
في المقابل، قال أولياء الأمور حسن حدادي وسعيد حارب وعيسى الرضوان ورباب محمد ومنيرة العباسي: «حرصنا على أن يعود أبناؤنا من الإجازة قبل بداية الدراسة، لأننا نؤمن أن أول يوم يُشكل رسالة في الانضباط، كما أن ما نغرسه فيهم اليوم سنجني ثماره غداً».
وأضافوا: «أردنا أن يعيش أبناؤنا فرحة العودة إلى المدرسة مع زملائهم، ويشعروا بأنهم جزء من الانطلاقة الجماعية، والحضور منذ البداية يعزّز حماسهم وثقتهم، ويعلّمهم أن الالتزام قيمة لا تتجزأ، تبدأ من أول يوم وتنتهي بآخر يوم في العام الدراسي».
وأكدت مستشارة الصحة النفسية الدكتورة إيمان محمد، أن البدايات تترك أثراً عميقاً في وجدان الطفل «فالعودة إلى المدرسة ليست مجرد التزام، بل هي حدث نفسي اجتماعي يعزّز شعوره بالانتماء». وأضافت: «حين يتأخر الطالب في الانضمام إلى زملائه، يشعر بالعزلة والارتباك، وربما يتولد لديه نوع من القلق أو فقدان الحافز الدراسي. لذلك، فإن الغياب في الأسبوع الأول لا يؤثر في التحصيل فقط، بل يضعف استقرار الطالب وثقته بنفسه».
وقال استشاري العلاقات الأسرية، الدكتور شريف عبدالرحمن، إن «الأسرة تُعد القدوة الأولى للطالب، فإذا وجد الأبناء أن والديهم يقدّمون الترفيه على الدراسة، فسوف يترسّخ لديهم هذا السلوك في مختلف مجالات حياتهم، وعندما يسمح الآباء أو الأمهات بتأجيل الدراسة لأجل إجازة، فإنهم يبعثون رسالة غير مباشرة أن الالتزام يمكن تجاوزه، وهذا يضعف ثقافة الانضباط داخل البيت، وينعكس لاحقاً على التزام الأبناء في الجامعة والعمل والحياة العامة».
خبير أسري:
• الأسرة تُعد القدوة الأولى للطالب.. وبوصلة الانضباط في يد الوالدين.