آخر الأخبار

تحت شجرة في فلوريدا رجل يعلم تاريخ العنصرية المنسي في ولاية "حروب المناهج"

شارك

في الأول من أبريل/نيسان 2025، جلس نحو ثلاثين شخصًا على الأرض تحت شجرة في حرم جامعة فلوريدا الدولية.

لم يكن درسًا رسميًا، ولم تكن ثمة قاعة أو سبورة أو كاميرات. كان الرجل الواقف أمامهم يبلغ الخامسة والثمانين، يحمل في يده كتابًا محظورًا ويُحدّثهم عن قرية أُحرقت قبل مئة عام، ولم يُحاكَم أحد على حرقها.

الرجل هو مارفن دون، المؤرخ والناشط المولود في حظيرة بستان برتقال بمدينة ديلاند الفلوريدية، والأستاذ المتقاعد الذي اختار بعد أربعة وثلاثين عامًا من التدريس أن يُكمل فصله الدراسي في الهواء الطلق – لأن القانون بات يُضيّق على الفصول المسقوفة.

شجرة الحقيقة في مواجهة الجدران

قال دون إنه لم يطلب إذنًا من إدارة الجامعة. وحين سُئل لماذا اختار شجرة بالذات، أجاب: "في أفريقيا كان الحكماء يجتمعون تحت الأشجار لنقل التاريخ الشفهي. وأنا أستدعي ذلك الإرث" الجملة لا تبدو بطولية حين تُقرأ منفردةً، لكنها تصبح كذلك حين تعرف السياق الذي نُطقت فيه.

مصدر الصورة المؤرخ الأمريكي مارفن دون المصدر موقع المؤلف الشخصي

فلوريدا تتصدر "حروب المناهج"

فلوريدا اليوم ليست ولاية عادية على خريطة حروب المناهج الدراسية الأمريكية. تصدّرت في العام الدراسي 2023-2024 قائمة الولايات الأكثر حظرًا للكتب بـ4,561 حالة – ما يقارب نصف إجمالي الحظر في البلاد بأسرها. أُزيلت من مكتباتها المدرسية أعمال مايا أنجلو وتوني موريسون. أُقرّت مناهج تقول إن بعض المستعبَدين "طوّروا مهارات يمكن تطبيقها لمصلحتهم الشخصية"، وهو ما وصفته نائبة الرئيس الأمريكي آنذاك كامالا هاريس بـ"التاريخ المُراجَع" و"الإهانة الصريحة."

هذا كله يسبق الأوامر التنفيذية التي أصدرها الرئيس ترامب في يناير/كانون الثاني 2025، والتي أنهت مكاتب التنوع والمساواة والشمول (DEI) في الحكومة الفيدرالية، وهدّدت بقطع التمويل عن المدارس التي لا تمتثل.

بحلول مارس 2025 كانت أكثر من خمسين جامعة قيد التحقيق. وفي هذا المناخ تحديدًا، يجلس مارفن دون تحت شجرة ويُوزّع كتابًا حُظر داخل الفصول.

مارفن دون: من قطف الفاكهة إلى "محارب التاريخ"

وُلد دون عام 1940 في أسرة عمالية مهاجرة كانت تتنقل بين فلوريدا ونيويورك موسميًا لقطف الخضار والفاكهة. والده عامل في البساتين، وأمه طاهية في بيوت البيض.

إعلان

لم يكن في سيرته ما يُنبئ بأنه سيُصبح الصوت الأعلى في مواجهة ما يُسميه "المحو المنهجي" لتاريخ السود في ولايته. التحق بكلية مورهاوس الشهيرة عبر برنامج قبول مبكر ممول من مؤسسة فورد، وكان بين زملائه ماينارد جاكسون الذي سيصبح أول عمدة أسود لأتلانتا. أمضى أربعًا وثلاثين سنة أستاذًا لعلم النفس في جامعة فلوريدا الدولية، وبعد تقاعده عام 2006 لم يرحل – بل تحوّل من أكاديمي يُدرّس إلى مؤرخ شعبي يُحارب.

حين يصبح التاريخ الأكاديمي "تمرداً" سياسياً

مؤلفاته تحكي ما لا تحكيه المناهج: "أعمال شغب ميامي 1980″، و"ميامي السوداء في القرن العشرين"، و"الوحشية في فلوريدا: تاريخ العنف ضد السود."

هذا الأخير هو الكتاب الذي يقول دون صراحةً إنه "غير مسموح بمناقشته في مدارس فلوريدا" بموجب قانون "أوقفوا الووك" (Stop WOKE Act). الطرافة المرّة أن الكتاب موثّق وأكاديمي، صادر عن مطبعة جامعة فلوريدا نفسها.

وحتى سنوات قليلة مضت، كانت كلمة "Woke" (معناها الحرفي "استيقظت") تعني أن تكون متيقظا للظلم والتمييز العنصريين، وكان يستخدمها بصورة حصرية الأميركيون السود. ومع ذلك، وبسبب ما تعرفه أميركا من حرب ثقافية ضروس، واستقطاب حاد غير مسبوق فيها، تطور استخدام الكلمة لتصبح سلاحا في يد المحافظين، يوجهون بها سهاما ساخرة وإهانات مباشرة إلى سياسات النخبة الليبرالية ومواقفها وفكرها.

كتابه الجديد الموجّه لتلاميذ المرحلة الإعدادية، "تاريخ الأمريكيين الأفارقة في فلوريدا" الواقع في 244 صفحة، يبدأ من عام 1513 حين وصلت مجموعة من الرجال السود إلى ما يُعرف اليوم بفلوريدا مع المستكشف الإسباني خوان بونس دي ليون – قبل أن تطأ أقدام المستعمرين البريطانيين هذه الأرض بعقود.

يمضي الكتاب عبر العبودية والحرب الأهلية وقوانين الفصل العنصري وحركة الحقوق المدنية، ليصل إلى شخصيات كالقاضية كيتانجي براون جاكسون أول امرأة سوداء في المحكمة العليا، والسيناتورة الراحلة كاري ميك أول امرأة سوداء تمثّل فلوريدا في الكونغرس. تضمّن الكتاب أيضًا سيرًا لرائدة الفضاء ماي جيمسون والكاتبة زورا نيل هيرستون.

لكن دون أقرّ بأنه أغفل بعض القصص الأكثر دموية – كمذبحة روزوود وإعدام ويلي جيمس هوارد – معتبرًا أنها ليست مناسبة لأعمار المرحلة الإعدادية، مع تأكيده أنه "لا يريد إخفاء أي شيء يتعلق بالأذى الذي لحق بالسود." ثمة توتر حقيقي في هذا الموقف، يعكس مأزق كل من يُريد تعليم الحقيقة لأطفال دون التحويل التعليمي إلى صدمة نفسية.

مصدر الصورة أسس دون وآخرون مركز ميامي للعدالة العرقية عقب مقتل جورج فلويد. (وكالة الأنباء الألمانية)

روزوود: وقوف على أرض المذبحة

روزوود – التي يتجنّبها الكتاب لعمر قرّائه – يحملها دون في قلبه كجرح مفتوح. في يناير 1923، دمّر حشد أبيض يُقدّر بالمئات بلدة روزوود المزدهرة ذات الأغلبية السوداء في غرب فلوريدا. كانت مجتمعًا حقيقيًا: عائلات تمتلك منازل وأراضي تصل إلى ثلاثمئة فدان، وثلاث كنائس ومدرسة.

الشرارة كانت اتهامًا كاذبًا من امرأة بيضاء أرادت إخفاء علاقة مع رجل ضربها. في أسبوع واحد قُتل عشرات السود، أُحرقت البلدة بالكامل، ولم يُحاكَم أحد قط. لم تُعدّل فلوريدا هذا السجل إلا عام 1994 حين أقرّت بتعويضات بلغت 2.1 مليون دولار – وهي المرة الأولى في التاريخ الأمريكي التي تقدّم فيها هيئة تشريعية تعويضات لسود – لتسعة ناجين أحياء ومئة وثلاثة وأربعين من أحفادهم.

إعلان

يملك دون اليوم أكثر من خمسة أفدنة في روزوود، اشتراها عام 2008 بثلاثين ألف دولار، وهو المالك الأسود الوحيد للأرض هناك. ويأخذ طلابه إليها في جولاته الميدانية.

ويلي جيمس هوارد.. قصة الفتى الذي غرق مرتين

قصة ويلي جيمس هوارد أشد وطأةً في تفاصيلها. في يناير 1944، أرسل هذا الفتى الخامس عشر رسالة عيد ميلاد لزميلته البيضاء في المتجر الذي كان يعمل فيه. الرسالة كانت رقيقة، وفيها عبارة: "لا أستطيع منع ما وضعه الله في قلبي."

حين اكتشف والد الفتاة الرسالة – وكان مشرّعًا سابقًا في الولاية – جاء مع رجلين مسلحَين، اختطفوا ويلي، ربطوا يديه وقدميه على ضفاف نهر سواني، وخيّروه: "اقفز أو تلقّ رصاصة." قفز. أُجبر والده على المشاهدة. لم يُحاكَم أحد. ظلّ قبره بلا شاهدة لستين عامًا حتى وُضعت لوحة تذكارية عام 2005 كتبت عليها: "قُتل على يد ثلاثة عنصريين."

تولّى ثيرغود مارشال القضية عبر NAACP آنذاك، ولم يُفضِ ذلك إلى شيء. يأخذ دون الطلاب إلى قبر ويلي وإلى النهر الذي غرق فيه. هذا ما تعنيه "جولات تدريس الحقيقة": ليس خطابات في قاعات، بل وقوف على الأرض ذاتها.

"أوقفوا الووك": مواجهة وزارة الحقيقة

حين صدر قانون "أوقفوا الووك" عام 2022، لم ينتظر دون المحاكم. أطلق جولاته الميدانية في يناير 2023 بالتزامن مع الذكرى المئوية لمذبحة روزوود، عبر مركز ميامي للعدالة العرقية الذي أسّسه عام 2021. الجولات تمتد يومين كاملين، بالحافلة، إلى مواقع لم يزرها أغلب سكان فلوريدا قط. المصاريف مدفوعة بالكامل. وفي 2024 منحت مؤسسة ميلون المركز 1.5 مليون دولار لتوسيع الجولات إلى جورجيا وألاباما وميسيسيبي.

القاضي الفيدرالي مارك ووكر وصف القانون عام 2022 بأنه "بائس بشكل إيجابي" وأنه ينشئ "وزارة حقيقة." محكمة الاستئناف علّقت بعض أحكامه. لكن ما يخصّ مدارس الصف الثاني عشر (K-12) لا يزال نافذًا إلى حدٍّ بعيد، ويُضاف إليه الآن موجة الأوامر الفيدرالية التي تهدد تمويل أي مؤسسة لا تمتثل. الحصن التشريعي متماسك، ويُقابله رجل يُدرّس تحت شجرة.

سُئل دون عمّا يريده من الأطفال الذين يُعلّمهم. أجاب: "أريدهم فقط أن يفهموا مجرى هذا التاريخ. لا أريد أن يشعر أحد بالذنب. لكن الحقيقة حق لهم."

بسيطة في ظاهرها. لكنها تحمل ثقلًا هائلًا في سياق ولاية قضت عقودًا تمرّر من تاريخها ما يناسبها وتدفن ما يُحرج. الأستاذ الخامس والثمانون لا يملك قوة تشريعية، ولا ميزانية وزارة. ما يملكه هو الوقت الذي بقي له، ومعرفة بالغة بما يجب أن لا يُنسى، وشجرة في حرم جامعة لم تطرده بعد.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار