أفاد متعاملون مع مراكز وجهات خدمية، بأنهم يواجهون إلحاحاً وضغطاً نفسياً من موظفي خدمة العملاء لتقييم أدائهم عقب كل تجربة هاتفية، و«استجداء» بعضهم اختيار أعلى درجة.
وطالبوا بإلزام موظفي هذه الجهات بترك حرية المشاركة للعميل، وتطوير أدوات قياس تعكس أداء الموظف الفعلي، خصوصاً أنه في كثير من الحالات يُطلب من العميل إعطاء تقييم عالٍ على الرغم من عدم حل مشكلته، الأمر الذي يعد تزييفاً للواقع.
وأكد مستشار الابتكار المؤسسي، أحمد شحروج، أن الإلحاح على العميل للمشاركة في التقييم، ومطالبته بشكل مباشر باختيار أعلى درجة، يكشفان عن خلل في فلسفة القياس نفسها، مطالباً الجهات الذكية بتحسين الخدمة وابتكار إجراءات جديدة لقياس أداء موظفيها.
وتفصيلاً، رصد متعاملون مع جهات ومراكز خدمية مختلفة، تنامي ظاهرة «الإلحاح» التي يمارسها بعض موظفي خدمة العملاء للحصول على تقييمات مرتفعة عقب كل تجربة هاتفية.
وتُعرف هذه الظاهرة باسم «التسول في الاستبيانات» أو «التلاعب بالنظام».
وهي انعكاس لثقافة مؤسسية «معيبة»، ترتبط فيها المكافأة أو الأمان الوظيفي ارتباطاً مباشراً بأعلى الدرجات.
وقالت عايدة خالد: «مع نهاية كل مكالمة مع خدمة العملاء، أواجه دائماً مطالبة من الموظف بالمشاركة في تقييم أدائه، وهو أمر يمكن إجراؤه بسهولة عبر إرسال رسالة نصية أو البريد الإلكتروني، لكن هناك ظاهرة بدأت تنتشر بصورة كبيرة خلال الفترة الأخيرة، هي الإلحاح في طلب المشاركة في التقييم واختيار أعلى درجة، بدعوى دعم ومساعدة الموظف، وهو مؤشر سلبي في التعامل مع الجهات الخدمية».
وقال عبدالله محمد إنه يفاجأ في حالات عدة، بطلب موظفين اختيار أعلى تقييم لأدائه، على الرغم من أن مشكلته، التي اتصل من أجلها، لم تُحل، مضيفاً أنه يعطي تقييماً عالياً للموظف من باب المجاملة، وتعاطفاً معه، لأن أحدهم أكد له أن حصوله على تقييم متدنٍّ من شأنه التأثير سلباً في راتبه أو مكافأة الأداء.
وشدد «أبوهزاع» على أهمية أن يكون تقييم أداء الموظف مقترناً بمدى قدرته على حل المشكلة، وليس الرد على العميل. واقترح أن تتدخل الجهات المعنية لوضع معايير وضوابط صارمة تعكس أداءهم الفعلي.
وقال مستشار الابتكار المؤسسي، أحمد شحروج، لـ«الإمارات اليوم»، إن المشكلة في بعض مراكز الخدمة لم تعد مقتصرة على إلحاح الموظف على المتعامل للمشاركة في التقييم، أو مطالبته بشكل مباشر باختيار أعلى درجة، بل أصبحت تكشف عن خلل أعمق في فلسفة القياس نفسها.
وأوضح أنه عندما يتحول التقييم إلى أداة ضغط نفسي على العميل، أو إلى وسيلة يحاول بها الموظف حماية راتبه من الخصم، فإننا لا نكون أمام نظام يقيس جودة الخدمة، بل أمام نظام يدفع الجميع إلى إنتاج رقم مرتفع لا يعكس الحقيقة.
وتابع: «في هذه الحالة لا تخسر الجهة فقط صدقية المؤشرات، بل تخسر أيضاً فرصة فهم الخلل الحقيقي في التجربة ومعالجته من جذوره».
وذكر أن «الإشارات القديمة»، المتعلقة بالرضا، لم تعد تُقرأ بالطريقة نفسها في البيئة الجديدة المتأثرة بوسائل التواصل الاجتماعي والتحولات السلوكية، ما يستدعي إعادة النظر في كيفية استخدامها.
وأكد أن الدراسات الحديثة لا تقول فقط إن بعض الممارسات الحالية مزعجة للمتعامل، بل تشير أيضاً إلى أن الاكتفاء بمؤشر رضا واحد أو بدرجة تقييم بعد المكالمة لم يعد كافياً ولا دقيقاً، ففي تقرير مؤسسة (Qualtrics XM Institute ) لعام 2025، بقيت مستويات الرضا الإجمالية مستقرة نسبياً، بينما تراجعت مؤشرات الولاء، وهو ما يعني أن ارتفاع أو ثبات «الرضا» لا يكشف وحده الصورة الحقيقية لعلاقة العميل بالجهة.
وبعبارة أخرى قد تحصل المؤسسة على تقييم جيد في نهاية المكالمة، بينما يكون المتعامل في الواقع أقل ثقة، وأقل رغبة في التوصية، وأقل استعداداً للاستمرار معها، وهذا يوضح أن بعض الجهات مازالت تلاحق رقماً مريحاً إدارياً، لكنه لم يعد كافياً لفهم التجربة كما ينبغي.
وأكد أن الجهات الذكية مطالبة بابتكار إجراءات جديدة لقياس الأداء، ولا يعني ذلك تعقيد المؤشرات، بل الانتقال من قياس «ما الذي قاله العميل تحت الضغط؟» إلى قياس «هل حُلّت المشكلة فعلاً؟ وكم بذل العميل من جهد؟ وما السبب الجذري للتعثر؟ وما الأثر العاطفي الذي تركته التجربة؟».ورأى أن هذا التحول أصبح أكثر إلحاحاً، لأن الأدبيات الحديثة في مجال رضا العملاء باتت تتجه نحو موضوعات أوسع مثل الرفاه، والخدمة التحويلية، والذكاء الاصطناعي، بدل الاكتفاء بالنماذج التقليدية المبسطة.
وأكد أن هناك بدائل أكثر نفعاً من تعليق مصير الموظف على «أعلى تقييم»، وأول هذه البدائل مؤشر الحل من «أول تواصل»، لأن البيانات الحديثة تشير إلى أن العملاء الذين تُحل مشكلاتهم من أول مرة يصبحون تقريباً أكثر قابلية للثقة والتوصية والشراء بمعدل يقارب الضعف.
والثاني، مؤشر «جهد المتعامل»، الذي يقيس مدى سهولة حصول العميل على الخدمة أو الحل، وهو أكثر فائدة من سؤال انطباعي سريع في نهاية المكالمة.
والثالث، «تحليل الأسباب» لانخفاض الرضا أو المشاعر السلبية عبر الذكاء الاصطناعي، وتحليل المكالمات والنصوص، بحيث لا تقف الجهة عند الدرجة، بل تعرف لماذا انخفضت وأين بالضبط حدث التعثر.
ولفت أيضاً إلى أن الاتجاهات الحديثة تدعو إلى قياس الأثر العاطفي للتجربة، لأن التحليلات التي أجريت على مئات من العلامات أظهرت أن العاطفة تتنبأ بالولاء بدرجة أفضل من مقاييس النجاح الوظيفي أو الجهد وحدها. ولذلك فالمعالجة الحقيقية للظاهرة لا تكون بتوجيه الموظفين إلى طلب التقييم بطريقة ألطف، بل بإعادة تصميم نظام القياس برمته.
وأكد أن المطلوب هو أن تفصل الجهة بين تقييم الموظف الفردي وبين الإخفاقات الناتجة عن تعقيد الإجراءات، أو بطء الأنظمة، أو تضارب الصلاحيات، وأن تجعل المؤشرات متعددة الأبعاد حلاً فعلياً للمشكلة. عندها فقط يصبح التقييم أداة تحسين حقيقية، لا أداة استجداء، ويصبح الابتكار في الإجراءات جزءاً من العدالة للموظف، وصدقاً أكبر مع المتعامل، ونضجاً أعلى في إدارة تجربة الخدمة.
المصدر:
الإمارات اليوم