آخر الأخبار

البيت الذي عبر إلى العالم الآخر.. سر "مساكن الروح" في مصر القديمة

شارك

في الطابق العلوي من المتحف المصري الكبير بالقاهرة، قد تمر سريعا أمام مجموعة صغيرة من نماذج طينية لبيوت مصغرة. لكنها ليست مجرد قطع أثرية، إنها مفاتيح لفهم واحدة من أعمق أفكار المصري القديم عن الموت والخلود.

هنا يظهر ما يعرف بـ"مساكن الروح" (Soul Houses) وهي بيوت لم تبن للأحياء، بل خصصت لروح المتوفى كي تواصل حياتها بعد الرحيل وكأن البيت ظل قائما حتى بعد الموت. هذه القطع تحكي قصة إنسان لم يشأ أن تنقطع صلته ببيته، بالهواء والماء والظل والحديقة، حتى وهو في العالم الآخر.

اقرأ أيضا

list of 4 items
* list 1 of 4 "عطر المومياء".. باحثون يوثقون روائح الحضارات القديمة عبر "شمّ" التاريخ
* list 2 of 4 بعد افتتاح المتحف الكبير.. هل تستعيد مصر آثارها بالخارج؟
* list 3 of 4 "شبكات".. فيديو محرج لأوباما وهولندا تعيد رأسا فرعونيا إلى مصر
* list 4 of 4 أرقام قياسية جديدة للسياحة في المغرب ومصر end of list

ما هي "مساكن الروح"؟

"مساكن الروح" هي نماذج طينية أو فخارية صغيرة تشبه المنازل الحقيقية، وضعت فوق القبور أو داخلها، وظهرت بكثافة في الدولة الوسطى مع جذور أقدم تعود لما قبلها.

لم تكن هذه النماذج مجرد زخرفة، بل صممت لتكون:


* مسكنا رمزيا لروح المتوفى (الكا).
* مكانا لتلقي الطعام والشراب والقرابين من الأحياء.

لهذا نرى على كثير منها تمثيلات مصغرة للخبز واللحوم والطيور وأحواض الماء وأواني الطعام، صنعت من الفخار أيضا، لضمان "غذاء الروح" واستمرار الصلة بين عالميّ الأحياء والموتى.

المصري القديم كان يؤمن أن الروح تحتاج إلى بيت ومستقر كما في الدنيا فحمل ملامح بيته اليومي -بفنائه وسطحه وسلّمه وأبوابه- إلى نموذج صغير يرافقه إلى الأبد.

تفاصيل مدهشة.. بيوت حقيقية في حجم اليد

اللافت في هذه النماذج أنها لا تكتفي بفكرة "الجدار والباب"، بل تسجل "تفاصيل معمارية دقيقة" كأنها تصميم هندسي مصغر:


* سلالم تؤدي إلى السطح، تعكس أهمية الأسطح كفراغ معيشة.
* أفنية أمامية مكشوفة ومواضع للقرابين.
* فتحات تهوية أو "ملقاف" لجلب الهواء البارد، إشارة مبكرة إلى التهوية الطبيعية.
* نوافذ ذات قضبان وأبواب دقيقة، ومحاكاة دقيقة لتوزيع الفراغات.
* واجهات مزينة بأعمدة مستوحاة من زهرة اللوتس، بألوان الأبيض والأصفر والأزرق، تعكس الاحتفاء بالبيت حتى بعد الموت.
إعلان

بهذه التفاصيل تمنح "مساكن الروح" الباحثين رؤية نادرة للعمارة السكنية المفقودة، فهذه النماذج أصبحت "وثائق هندسية مصغرة" لا تقل أهمية عن كونها تحفا أثرية.

مصدر الصورة "مساكن الروح" هي نماذج طينية أو فخارية صغيرة تشبه المنازل الحقيقية (شترستوك)

جنة مصغرة من عهد "مكتر"

أحد أبرز النماذج، وفق موقع المتحف المصري، يعود إلى مقبرة الوزير الشهير "مِكتِر (TT280)" في طيبة الغربية.

هذا النموذج لا يكتفي بتمثيل البيت، بل يقدم مشهدا متكاملا:


* مدخل مغطى "بورتیکو" على صفين من الأعمدة الملونة.
* بحيرة مستطيلة مطلية بالأزرق أمام البيت.
* أشجار جميز مثقلة بالثمار الشبيهة بالتين ومبان تحيط بالمشهد.

هنا ترى "جنة بيتية" كما تخيلها المصري القديم لروحه من ماء وظل وشجر وبيت آمن يستمر بعد الموت. لا تقدم "مساكن الروح" مجرد صورة عن الآخرة، بل تحفظ صورة للحياة اليومية كما عاشها أصحابها.

من صواني القرابين إلى بيت كامل للروح

تشير الدراسات إلى أن "مساكن الروح" تطورت مع مرور الوقت من "صواني القرابين الفخارية"، التي كانت توضع على مداخل المقابر وتحمل أشكالا مبسطة للأكواخ وقنوات المياه وقطع الخبز، إلى نماذج معقدة تمثل بيتا بفناء وسلم وربما بطابق ثان مع استمرار وجود مساحة للقرابين في الفناء الأمامي.

هكذا اندمج "الفعل الديني بالفضاء المعماري" فأصبح البيت امتدادا للمشهد الطقسي ومسرحا لتواصل الأحياء مع المتوفى.

وظائف متعددة للبيت الرمزي

الأثريون يرون أن "مساكن الروح" أدت أدوارا متكاملة:


* بيت رمزي للكا: مكان للروح والقرابين، مقر مألوف في العالم الآخر.
* حل عملي: بديل أقل تكلفة عن مصليات جنائزية ضخمة دون التنازل عن فكرة "بيت الروح".
* علامة شاخصة للقبر: تشير إلى موضع الدفن وترابطه بالعائلة والزائرين.

هذه الأدوار ليست متناقضة، بل تكمل بعضها حيث العقيدة والروتين العملي في نموذج صغير من الطين.

وثيقة معمارية قبل أن تكون تحفة

إلى جانب رمزيتها الدينية، تقدم "مساكن الروح" اليوم "كنزا" علميا:


* توزيع الفراغات بين الفناء والغرف والسطح.
* أساليب التهوية عبر الملقاف وفتحات السقف.
* موقع السلالم وعلاقة البيت بالماء والظل والحديقة.
* شكل الأعمدة والواجهات في العمارة السكنية، لا المعابد فقط.

إنها "رسوم تنفيذية مصغرة" لبيوت من عصر الدولة الوسطى حُفظت لأنها سكنت الروح كما سكنت الجسد.

الأمان بعد الرحيل

ليست "مساكن الروح" مجرد تحف جميلة، إنها "مرآة لرغبة إنسانية عميقة" في الاستمرارية والانتماء والشعور بالأمان بعد الموت.

المصري القديم بنى معابد ضخمة وصروحا شاهقة لكنه حرص على أن يكون للروح بيت صغير عميق المعنى يعرف فناءه وسلمه وحديقته وبحيرته.

وعندما تقف اليوم أمام هذه النماذج الطينية في المتحف ستكتشف أن ما يجمعك بذلك الإنسان القديم ليس فقط الإعجاب بالحضارة، بل "حاجة مشتركة بسيطة وعميقة" تقول بهدوء "أن يكون لنا، في الدنيا أو بعدها، مكان نسميه: هذا بيتي".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار