في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تعج أعماق البحار بكائنات غريبة ومدهشة واستثنائية. فهذه البيئة القاسية، بما تفرضه من ضغوط هائلة، ودرجات حرارة شديدة الانخفاض، وظلام دامس لا يخترقه ضوء الشمس، ليست مكانا مناسبا لمعظم أشكال الحياة.
ومع ذلك، تمكنت بعض الكائنات من التكيف مع هذه الظروف القاسية ليس فقط للبقاء على قيد الحياة، بل للازدهار فيها أيضا. وعادة ما تختلف هذه الكائنات اختلافا كبيرا عن نظيراتها التي تعيش في المياه الضحلة.
ولعل أحد أبرز الأمثلة على ذلك هو الحبار ذو الزعانف الكبيرة، ذلك الكائن المراوغ الذي لا يزال يحيط به قدر كبير من الغموض. فعدد مشاهداته الموثقة معه محدود للغاية، إذ لم يُسجل سوى نحو 20 مشاهدة خلال ما يقارب 20 عاما.
وفي إنجاز علمي بارز في مجال استكشاف أعماق البحار، تمكن باحثون من توثيق أحد أكثر أنواع الحبار غرابة في المحيطات بتفاصيل استثنائية بعد تسجيل فردين من هذه الرخويات البحرية النادرة وهما يسبحان جنبا إلى جنب على عمق يزيد على 4300 متر تحت سطح المحيط الأطلسي.
ويعد هذا التسجيل، الذي نشره معهد شميدت للمحيطات، من أوضح المشاهد المصورة وأكثرها إنصافا لهذا النوع المراوغ من رأسيات الأرجل حتى الآن، كما يمثل حدثا علميا نادرا للغاية أثار اهتماما واسعا بين علماء الأحياء البحرية حول العالم.
جاء هذا الاكتشاف خلال بعثة علمية إلى منطقة تُعرف باسم "صدوع دولدرمز"، وهي منطقة جيولوجية نائية قليلة الدراسة تقع شمال خط الاستواء مباشرة، حيث تلتقي عدة صفائح تكتونية تحت مياه المحيط الأطلسي.
وتعد هذه البيئة البحرية جزءا فريدا ومثيرا للاهتمام من كوكب الأرض، حيث تمتاز بتضاريس شديد الوعورة، تتخللها سلسلة من الجبال البركانية البحرية الممتدة لأكثر من 16 ألف كيلومتر وشقوق عميقة وقاعا بحريا شديد التعقيد يحتضن العديد من المفاجآت الجيولوجية والبيولوجية، الأمر الذي جعل استكشافها تحديا مستمرا للباحثين رغم عقود من الدراسات والمسوح المحيطية.
وتقول خبيرة التنوع البيولوجي البحري، باولا أندريا زاباتا راميريز، التي شاركت في رئاسة هذه البعثة: "خلال إحدى غطسات المركبة البحثية الآلية العاملة عن بُعد "سوباستيان"، كانت المركبة تهبط عبر عمود الماء باتجاه قاع البحر لبدء مسح جيولوجي عندما ظهر حبار كبير الحجم بصورة غير متوقعة".
وتضيف باولا في حديثها للجزيرة نت أن "هذه المشاهدة كانت مثيرة بشكل خاص لأن رصد أفراد هذا الجنس يعد نادرا للغاية. ولدهشتنا، تم رصد فرد ثان لاحقا خلال الغطسة نفسها، ما جعل الحدث استثنائيا ولا يُنسى."
وحتى مشاهدة فرد واحد فقط من هذه الكائنات يعد حدثا استثنائيا، إذ لم يُسجل عالميا سوى بضع عشرات من المشاهدات المؤكدة منذ التعرف إلى هذا الجنس لأول مرة، خلال ثمانينيات القرن العشرين، ما يجعله من الكائنات الحديثة نسبيا في سجلات علم الأحياء البحرية.
ولعل ما يميز هذا التسجيل الجديد ليس ندرة المشاهدة فحسب، بل أيضا مستوى الوضوح الاستثنائي الذي يتمتع به مقارنة بالتسجيلات السابقة، ما أتاح فرصة استثنائية لتوثيق السلوك الطبيعي لأحد أكثر سكان المحيط غموضا في بيئته العميقة.
وكان أول نموذج معروف لهذا النوع قد جُمع في أوائل القرن العشرين، إلا أن العينة كانت متضررة بشدة، الأمر الذي حال دون التعرف إليها بصورة صحيحة. ونتيجة لذلك، اعتقد العلماء في البداية أنها تنتمي إلى نوع مختلف من رأسيات الأرجل يُعرف باسم حبار السوط.
وبعد عقود طويلة، جُمعت 5 عينات إضافية من المحيطين الأطلسي والهادئ، وتمكن الباحثون من الربط بينها وبين العينة الأصلية، مما أدى إلى التعرف إلى هذا الجنس الجديد من الحبار.
ومن اللافت أن جميع تلك العينات كانت لأفراد غير بالغة. ولم يتمكن العلماء من مشاهدة فرد بالغ للمرة الأولى إلا بعد ظهور المركبات الآلية المشغلة عن بُعد والمخصصة لاستكشاف أعماق البحار. ولذلك فإن "رصد فردين خلال الغطسة نفسها يعد حدثا علميا نادرا للغاية، ويشير إلى أن هذه المنطقة قد توفر موطنا مناسبا لهذا النوع"، كما تقول باولا.
وتوضح الباحثة أنه "بالاستناد إلى مشاهدتين فقط، لا يمكننا استنتاج ما إذا كان الفردان يتفاعلان اجتماعيا، أو يشاركان في سلوك تكاثري، أو كانا ببساطة يشغلان الموطن نفسه بشكل مستقل". وتشير إلى أن "هناك حاجة إلى المزيد من المشاهدات خلال بعثات مستقبلية قبل استخلاص استنتاجات بيئية أوسع".
تنتمي هذه الكائنات غير المألوفة إلى جنس "ماغنابينا"، وهو اسم مشتق من اللاتينية، ويعني "الزعانف الكبيرة"، ويعكس إحدى أبرز سماتها الشكلية، حيث يشير الاسم إلى الزعانف الضخمة ذات الشكل القلبي الموجودة أعلى الرأس، والتي تساعد الحيوان على الحركة والتنقل في مياه المحيط.
ويمكن التعرف إلى هذا الحيوان بسهولة، إذ يتميز بزعانف تشبه الأجنحة، وتمتد لتصل إلى نحو 90% من طول العباءة الجسمية، وهي الجزء الرئيسي من جسم الحبار، إضافة إلى أذرع ولامسين طويلين للغاية شبيهين بالخيوط، يمكن أن تمتد عدة أمتار أسفل الجسم في خطوط انسيابية أنيقة تكاد تبدو هندسية الشكل، ما يمنح هذا الكائن مظهرا فريدا للغاية.
وقد بلغ طول أكبر فرد موثق علميا من هذا الحبار نحو 6.4 أمتار ، في حين وصل طول لوامسه التي تتدلى من جسمه إلى حوالي 6.1 أمتار. ومن المحتمل أن تتمكن بعض الأفراد من النمو إلى أحجام أكبر من ذلك.
ويعد الحبار كبير الزعانف أعمق أنواع الحبار المعروفة للعلم حتى الآن، إذ يمكنه العيش على أعماق تتجاوز أكثر من 6 آلاف متر تحت سطح البحر.
وكغيره من أنواع الحبار، يمتلك هذا الكائن 8 أذرع ولامسين، لكن التمييز بين الأذرع واللوامس في هذا النوع ليس أمرا سهلا، إذ تتدلى جميع الزوائد العشر من الجسم نحو الأسفل بصورة متشابهة، ما يجعلها تبدو أشبه بأرجل العنكبوت طويل الأرجل.
وتوضح باولا أن "هذه الزوائد الطويلة والرفيعة للغاية تتميز بوجود انثناء واضح إلى الأسفل، ما يمنحها مظهرا يشبه إلى حد ما مفصل المرفق البشري، ويجعلها مختلفة عن أي نوع آخر معروف من الحبار".
ورغم أن الوظيفة الدقيقة لهذا الانثناء لا تزال غير معروفة، تشير الباحثة إلى أن ثمة عدة فرضيات طُرحت لتفسيره. وتشير إحداها إلى أن هذه الوضعية تساعد على منع التشابك أثناء الحركة، وتزيد من المساحة الفعالة التي يستطيع الحبار من خلالها رصد الفرائس الصغيرة أو التقاطها أثناء مرورها في المياه.
وبحسب قولها، تقترح فرضية أخرى أن هذه الوضعية قد تساعد الحيوان على توفير الطاقة أثناء التغذية في بيئة أعماق البحار الفقيرة بالموارد الغذائية. ومع ذلك، ترى أن "هذه التفسيرات تبقى مجرد فرضيات في الوقت الراهن، لأن ندرة مشاهدات ماغنابينا تعني أن سلوكه الغذائي لم يُوثق بشكل كامل حتى الآن".
حظي الحبار كبير الزعانف بشهرة واسعة بعد انتشار مقطع مصور في نوفمبر/تشرين الثاني 2007، في موقع للتنقيب النفطي بخليج المكسيك.
وقد ساهمت الإضاءة الضعيفة والألوان المائلة إلى اللون الأخضر ورداءة جودة التصوير وحركة الكاميرا المتقطعة في خلق تأثير بصري مقلق، جعل الحبار أحد أكثر ألغاز أعماق البحار غرابة على شبكة الإنترنت.
وتقول باولا: "نظرا لأن معظم المشاهدات السابقة سُجلت باستخدام كاميرات منخفضة الدقة أو في ظروف إضاءة صعبة، فقد اكتسب حبار ماغنابينا سمعة باعتباره أحد أكثر كائنات المحيط غموضا وغرابة".
أما اللقطات الجديدة فتتيح – بحسب قولها – رؤية الحيوان بصورة أوضح بكثير، إذ تكشف تفاصيل دقيقة من بنيته التشريحية وحركاته الانسيابية الرشيقة. وبدلا من أن يبدو مجرد كائن مرعب وغريب أشبه بمخلوق قادم من عالم فضائي، تبرز الصور عالية الدقة مدى تكيفه المذهل مع الحياة في واحدة من أكثر البيئات قسوة على الأرض.
رغم حجمه اللافت، فإن المعرفة العلمية المتعلقة بهذا الكائن ما تزال محدودة للغاية بسبب ندرة مشاهدته وصعوبة الوصول إلى بيئته الطبيعية الممتدة عبر مساحات شاسعة وعلى أعماق تصل إلى عدة آلاف من الأمتار، بينما تركز معظم البعثات العلمية على مناطق محدودة نسبيا من قاع البحر.
وتشير باولا إلى أن "هذه الحيوانات توجد بكثافات منخفضة جدا، وتقضي جزءا كبيرا من حياتها في عمود الماء بدلا من البقاء بالقرب من القاع مباشرة، ما يقلل من فرص رصدها".
وتضيف: "ما يزال تقريبا كل جانب من جوانب بيولوجيا ماغنابينا غير مفهوم بشكل كافٍ. فما زلنا نعرف القليل جدا عن دورة حياته، ومتوسط عمره، وطرق تكاثره، وإستراتيجيات تغذيته، ومعدلات نموه، وأنماط حركته، وأحجام جماعاته السكانية، وتوزيعه الجغرافي".
وحتى الآن، لا يُعرف سوى 3 أنواع موصوفة علميا من هذا الجنس، هي ماغنابينا أتلانتيكا وماغنابينا باسيفيكا وماغنابينا تاليسماني، ومع ذلك، من المحتمل وجود أنواع أخرى لم تُكتشف بعد في أعماق المحيطات التي لا تزال من أقل البيئات استكشافا على كوكب الأرض.
وكما يوحي اسم أحد هذه الأنواع، تنتشر أفراد هذا الجنس في محيطات متعددة حول العالم، وقد طور كل محيط سلالاته أو أنواعه الخاصة ذات الاختلافات الطفيفة.
قد تساعد الصور عالية الدقة التي جُمعت خلال هذه البعثة في دراسة تفاصيل سلوكية دقيقة وحركات جسدية لم يكن بالإمكان ملاحظتها في التسجيلات السابقة.
ويمكن أن تسهم هذه الملاحظات في تحسين معايير التعرف إلى الأنواع المختلفة وتقديم أدلة جديدة حول الكيفية التي تتكيف بها هذه الكائنات الغامضة مع واحدة من أكثر البيئات قسوة على سطح الأرض.
وتوضح الرؤية الأكثر وضوحا الدور المتزايد للتطورات التقنية في مجال التصوير تحت الماء، في تغيير الفهم العلمي للكائنات البحرية المراوغة، حيث تتيح الكاميرات عالية الدقة والمركبات الروبوتية المتطورة للعلماء والجمهور استبدال الافتراضات بالمشاهدات المباشرة، وكشف أنماط سلوكية وتفاصيل تشريحية بدرجة من الدقة لم تكن متاحة من قبل.
وتوضح باولا أن "المركبات الآلية المشغلة عن بُعد، والمركبات الذاتية التشغيل تحت الماء، وأنظمة التصوير عالية الدقة، وتقنيات الحمض النووي البيئي، وخوارزميات التعلم الآلي لتحليل الصور، ومحطات الرصد طويلة الأمد في أعماق البحار، جميعها تحدث تحولا جذريا في قدرتنا على دراسة المحيطات العميقة".
وتضيف: "رغم التقدم الهائل في تقنيات الاستكشاف، فإننا ما زلنا لا نستكشف سوى جزء ضئيل جدا من أعماق المحيطات، ومع توسع نطاق الاستكشاف وتزايد إتاحة هذه التقنيات، من المرجح أن نكتشف مزيدا من الأنواع النادرة، وأن نحصل على رؤى غير مسبوقة حول بيئاتها وسلوكها".
وتؤكد هذه المشاهدة أيضا حجم المجهول الذي ما زال يكتنف أعماق المحيطات، حتى في المناطق التي حظيت باهتمام علمي مستمر لسنوات طويلة. فرغم أن منطقة صدوع دولدرمز خضعت للدراسة بسبب تعقيدها الجيولوجي، إلا أن اكتشافات كهذه تؤكد أن مفاجآت بيولوجية مهمة ما تزال تنتظر الباحثين في الأعماق، مما يدل على أن أكبر موائل الحياة على كوكب الأرض لا تزال بعيدة عن الفهم الكامل.
وتختم العالمة بقولها: تذكرنا كل بعثة استكشافية بأن أعماق البحار ما تزال تخفي مفاجآت مذهلة، ويعد ماغنابينا مثالا مثاليا على حجم الاكتشافات التي ما تزال بانتظارنا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة