في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
من بين أكثر حوادث شعيرة الحج مأساوية تلك التي وقعت في 12 يناير/كانون الثاني 2006 (12 ذو الحجة 1426 هـ)، وتحديدا في المنطقة الواقعة أمام مدخل جسر الجمرات القديم.
وشهد المدخل الشرقي للجسر في ذلك اليوم، كارثة تدافع مأساوية خلال ذروة الزحام في يوم النفرة الأولى، أسفرت عن وفاة نحو 362 حاجا وإصابة المئات، إثر تجمع كتل بشرية هائلة في مساحة ضيقة بلغت فيها الكثافة حدا حرجا (تجاوز 7 أشخاص للمتر المربع) وتداخلت فيها مسارات الدخول والخروج مع تعثر الحجاج بالأمتعة.
ولمنع تكرار مثل هذه الحوادث مجددا، كان لا بد من فهم الأسباب التي أدت لوقوعها، ومن ثم اقتراح الحلول المناسبة التي تحول دون تكرارها، وتم ذلك في دراسة أشرف عليها العالم الألماني الشهير في علوم الاجتماع الحاسوبية ديرك هيلبينغ، والذي يعمل حاليا أستاذا لهذا التخصص في المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، بالتعاون مع اثنين، هما الباحث أندرس يوهانسون، والذي يشغل حاليا منصب أستاذ مشارك في الرياضيات الهندسية بجامعة بريستول البريطانية، ووكيل وزارة الشؤون البلدية والقروية السعودية آنذاك الدكتور حبيب زين العابدين، ونشرت تلك الدراسة التي تعد أشهر وأهم الدراسات العلمية في مجال فيزياء الحشود بدورية "فيزيكال ريفيو إي" (Physical Review E) في فبراير/شباط من عام 2007.
واليوم، وبعد مرور قرابة عقدين على تلك الدراسة الشهيرة، نتواصل مع أبطالها الذين تحدثوا عن الكيفية التي تحول التجمعات البشرية إلى أمواج قاتلة، وكيف نجحوا في فك تلك الشفرة، ليخلصوا من ذلك إلى مجموعة من التوصيات التي تم تنفيذها بدقة حالت دون تكرار مثل هذه الأحداث المأساوية.
في البداية قام الباحثون بتحليل تسجيلات فيديو حقيقية وعالية الدقة لكارثة التدافع المأساوية التي وقعت في مشعر منى بمكة المكرمة خلال هذا الموسم، وتحديدا في المنطقة الواقعة أمام مدخل جسر الجمرات القديم، وكان الهدف هو فهم "الآلية الفيزيائية" التي تحول حركة الحشود من التدفق الطبيعي الآمن إلى كارثة تدافع مميتة.
واستخدم الباحثون في تحليل تلك الصور خوارزميات متطورة وبرمجيات تتبع الحركة لتحليل مقاطع الفيديو بدقة بلغت 8 إطارات في الثانية، وتم التركيز على مساحة محددة تبلغ حوالي (20 × 14 مترا) لاستخلاص أكثر من 30 مليون نقطة بيانات تشمل "عدد الأشخاص في المتر المربع الواحد (الكثافة الموضعية)، سرعة حركة الأفراد واتجاهها (السرعة الموضعية)، وكم عدد الأشخاص الذين يعبرون نقطة معينة في زمن محدد (معدل التدفق)".
ويقول ديرك، الباحث الرئيسي بهذه الدراسة: "كانت أبرز نتائجنا هي أن الحشود البشرية عندما تصل إلى مستويات كثافة حرجة، لا تصبح تصرفاتها خاضعة لقرارات الأفراد النفسية، بل تبدأ بالتصرف كسائل فيزيائي يمر بانتقالين فجائيين في سلوكه".
الانتقال الأول، هو التحول من "التدفق الانسيابي" إلى تدفق "التوقف والانطلاق"، ويعني ذلك، أنه "عندما تبدأ الكثافة في الارتفاع، يفقد الأفراد القدرة على السير بسرعة ثابتة، وبدلاً من ذلك، تظهر موجات تتحرك فيها الحشود لخطوات قليلة ثم تتوقف فجأة بشكل متكرر، وهو سلوك مشابه جداً لحركة السيارات في الاختناقات المرورية الحادة".
أما الانتقال الثاني، والذي وصفه ديرك، بأنه الاكتشاف الأهم والأخطر في الدراسة، يسمى "التدفق المضطرب"، ويعني أنه "عندما تتجاوز الكثافة الموضعية 6 أشخاص لكل متر مربع، تنخفض سرعة التدفق بشكل حاد (بمقدار 3 أضعاف أو أكثر)، بينما يستمر الناس في التدفق والضغط من الخلف، ويؤدي هذا إلى انضغاط مفرط تصل فيه الكثافة في بعض النقاط إلى أكثر من 10 أشخاص في المتر المربع".
وعند الوصول إلى الكثافة المضطربة، تنشأ موجات ضغط ميكانيكية عشوائية وغير متوقعة تنتقل عبر أجساد المتجمهرين.
ويشبه هذه الموجات بـ"الموجات الزلزالية"، والتي تدفع الأشخاص بقوة هائلة لعدة أمتار في اتجاهات مختلفة دون إرادتهم، مما يفقدهم توازنهم.
ويقول ديرك إنه "بمجرد سقوط شخص واحد، تتشكل حفرة ضغط يسقط فيها الآخرون فوقه تتابعا، مما يتسبب في حدوث الوفيات نتيجة الاختناق الميكانيكي الناتج عن ثقل الأجساد المتراكمة".
ويضيف أن ما أثبتناه في هذه الدراسة هو أن "كوارث الحشود ليست ناتجة عن سلوك همجي أو ذعر جماعي نفسي من الأفراد، بل هي ظاهرة فيزيائية ميكانيكية بحتة تحدث عندما يتجاوز الانضغاط البشري حدودا معينة تفقد الإنسان القدرة البيولوجية على التحكم في توازنه".
ولم يكتف ديرك وزملاؤه بتشخيص المشكلة بل وضعوا الحلول التي تم تنفيذها في موسم الحج التالي (1427 هـ/2007 م)، وحالت دون تكرار مثل هذه الأحداث.
ويقول أندرس يوهانسون: "من أبرز الحلول أنه تم تغيير البنية التحتية، باستبدال جسر الجمرات القديم بالجسر الجديد، متعدد الأدوار، كما تم إعادة تصميم مسارات المشاة لتكون في اتجاه واحد لمنع تقاطع الحشود، وتم تعديل أوقات التفويج وجدولة الحجاج بناء على سعة الاستيعاب التي حددتها معادلات الدراسة".
وكان الإنجاز الأهم في الدراسة، هو تطوير نظام تتبع ومراقبة آلي بالفيديو يعمل في الوقت الفعلي، وهذا النظام يقوم بحساب "الكثافة" و"السرعة" بشكل مستمر من كاميرات المراقبة، ليطلق إنذارا أو توجيها فوريا بمجرد أن يقترب الحشد من "الحالة الحرجة" التي تسبق "الاضطراب"، ليتم اتخاذ قرارات بإغلاق بعض المسارات أو إعادة توجيه الناس قبل وقوع الكارثة.
ويشير إلى أنه "يوجد الآن انتشار واسع لحلول الاستشعار والذكاء الاصطناعي الجديدة، مما يساعد على جمع كميات أكبر بكثير من البيانات التجريبية في الوقت الفعلي طوال رحلة الحجاج"، ويشدد على أنه "لا يزال هناك عمل مطلوب ودائم لاستخلاص الرؤى المهمة والقابلة للتنفيذ من هذه البيانات، ودمجها بشكل كامل في خطط إدارة الحشود".
ويختم قائلا: "على الرغم من التحسن الكبير الذي طرأ على الوضع، لا مجال للتهاون، فيجب دائما الحفاظ على المعايير العالية وتنفيذ تحسينات تدريجية".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة