كيف يمكن لنهر أن يشق طريقه في سلسلة جبلية تبدو أعلى من أن تسمح بمروره؟ لقد ظل هذا السؤال لعقود خلت أحد أبرز الألغاز في دراسة تطور التضاريس الطبيعية غرب الولايات المتحدة، إذ يبدو أن نهرا تمكن في مرحلة ما من التاريخ الجيولوجي من عبور سلسلة جبلية مرتفعة كما لو أنه كان "يصعد" إلى الأعلى.
وقبل التقائه بنهر كولورادو، يشق نهر غـرين ريفير مساره عبر سلسلة جبال أوينتا، في مسار يبدو للوهلة الأولى وكأنه يتعارض مع المنطق الطبيعي لانحدار الأنهار، وغير متوافق مع الارتفاعات الحالية للتضاريس.
تقترح دراسة جيولوجية حديثة أجراها فريق دولي بقيادة آدم سميث، الباحث في جامعة غلاسغو، تفسيرا جديدا لهذا اللغز، إذ تشير نتائجها المنشورة مؤخرا في مجلة "جورنال أوف جيوفيزيكال ريسيرش إيرث سيرفس" (Journal of Geophysical Research: Earth Surface) إلى تغيرات في ارتفاع السلسلة الجبلية حدثت قبل ملايين السنين نتيجة عملية جيولوجية عميقة تُعرف باسم تقطّر الغلاف الصخري، وهي ظاهرة بإمكانها أن تؤدي إلى انخفاض مؤقت في ارتفاع الجبال تتيح للنهر عبور السلسلة الجبلية في مرحلة معينة من التاريخ الجيولوجي، قبل أن ترتفع المنطقة مرة أخرى.
لفهم هذه الظاهرة، يوضح المؤلف الرئيسي للدراسة والباحث في الجيومورفولوجيا التكتونية آدم سميث، في حديث للجزيرة نت، أن الأرض تتكون من طبقات رئيسية، حيث تطفو القشرة الأرضية فوق طبقة أعمق تُعرف بالوشاح، كما تطفو الجبال الجليدية في المحيط.
لكن عندما تتشكل سلاسل جبلية ضخمة، تزداد سماكة القشرة الأرضية في تلك المنطقة، ومع مرور الوقت قد تتحول الطبقات العميقة من القشرة إلى مواد أكثر كثافة من خلال عملية التحول الصخري، بسبب درجات الحرارة العالية والضغوط التي يسببها وزن السلسلة الجبلية في الأعلى.
ويضيف سميث أنه ومع زيادة وزن القشرة الأرضية تُصبح ثقيلة جدا لدرجة أنها أثقل من الوشاح، فتبدأ بالتساقط عليه، وهكذا، "تتقطر" القشرة في الوشاح، تماما كما يتدفق العسل أو الشراب الكثيف.
تشير نماذج الباحثين إلى أن هذه العملية قد تسبب تغيرات مؤقتة في ارتفاع السلسلة الجبلية.
يوضح سميث ذلك قائلا إنه بدراسة الأنهار في سلسلة جبال تُسمى جبال أوينتا، أظهر ارتفاع هذه الأنهار أن سلسلة الجبال شهدت مؤخرا مرحلة ارتفاع، ورغم أن جبال أوينتا تشكلت منذ أكثر من 50 مليون عام، فإن الدراسة قدرت أن هذا الارتفاع الأخير حدث منذ حوالي 5 إلى 2 مليون عام، ما يشير إلى أن عملية أخرى لا بد أنها أثرت في ارتفاع السلسلة.
واعتمد الباحثون على تقنية التصوير المقطعي الزلزالي لدراسة بنية الأرض تحت سلسلة الجبال، باستخدام الموجات الزلزالية بدلا من الأشعة السينية، وأظهرت الصور وجود تقطر صخري أسفل السلسلة الجبلية، يمكن أن يتسبب في ارتفاع السلاسل الجبلية القديمة، كما هو موضح في مواقع أخرى مثل تركيا وهضبة كولورادو.
يوضح سميث أن ارتفاع السلاسل الجبلية التي تتعرض لظاهرة التقطر الصخري يتوقع أن ينخفض مع تشكل هذا التقطر، ثم يعود إلى وضعه الطبيعي بمجرد انفصاله، بشكل يشبه شد خيط مطاطي ثم تركه، ومن المرجح أن الانزلاق الذي أدى إلى سحب السلسلة الجبلية للأسفل، خفض ارتفاعها بما يكفي لمرور نهر غرين وانضمامه إلى نهر كولورادو.
ويؤكد هذه الفرضية أن توقيت الظاهرة المقدر قبل 8 إلى 2 مليون عام، يتوافق مع دراسات أخرى حددت اندماج نهري غرين وكولورادو بين 8 و1.5 مليون عام.
لم يكن اتصال النهرين مجرد حدث جيولوجي، بل كان له تأثير بيئي كبير في الأنظمة البيئية في المنطقة.
فعند اتصال النهرين، ربطا الممرات المائية في جزأين من القارة الأمريكية كانا منفصلين سابقا، وقد أدى ذلك إلى اختلاط أنواع مختلفة، مثل الأسماك، مما زاد من التنافس وعمليات التزاوج والتهجين بينها، وكان لهذا تأثير عميق في النظم البيئية المحلية، بحسب سميث.
كما أعاد اتصال النهرين تشكيل خط تقسيم المياه القاري لأمريكا الشمالية، وهو الخط الذي يفصل الأنهار التي تصب في المحيط الأطلسي عن تلك التي تصب في المحيط الهادئ، وأدى بالتالي إلى تغيير شكل التضاريس.
تشير هذه النتائج إلى أن العمليات العميقة داخل الأرض قد تلعب دورا حاسما في تشكيل تضاريس السطح، بما في ذلك مسارات الأنهار وتطور السلاسل الجبلية.
وتفتح هذه الدراسة الباب أمام إعادة تقييم العديد من الأنظمة النهرية القديمة حول العالم، إذ قد تكون عمليات مشابهة حدثت في أماكن أخرى وغيرت شكل القارات ببطء عبر ملايين السنين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة