آخر الأخبار

كيف انتقل تفجير الكويكبات نوويا من الخيال العلمي إلى مختبرات الفيزياء؟

شارك

في تاريخ البشرية، لم يكن الخطر القادم من السماء مجرد فكرة أسطورية أو سيناريو سينمائي، فقد شهد كوكب الأرض أكثر من مرة اصطدامات كونية غيّرت المناخ وأعادت تشكيل الحياة نفسها.

واليوم، ومع تطور أدوات الرصد الفلكي، بات العلماء يدركون أن سؤال الاصطدام المحتمل مع كويكب كبير لم يعد افتراضا بعيدا، بل احتمالا إحصائيا قائما، مهما بدا ضئيلا.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 عرض كوني مذهل حول نجم يحتضر.. هابل يلتقط أدق صورة لـ"سديم البيضة"
* list 2 of 2 رابع مهمة لـ”التنين السماوي”.. خطوة صينية جديدة في سباق المركبات المدارية end of list

من انفجار تونغوسكا إلى سؤال الخطر الكوني

في عام 1908، دوّى انفجار هائل فوق غابات سيبيريا في حادثة عُرفت باسم "تونغوسكا"، إذ أدى انفجار جرم سماوي في الغلاف الجوي إلى تسوية أكثر من ألفي كيلومتر مربع من الغابات.

ورغم عدم تسجيل خسائر بشرية كبيرة، ظل الحدث شاهدا على القوة التدميرية التي يمكن أن يحملها جسم سماوي متوسط الحجم.

منذ ذلك الحين، أصبح هذا النوع من الحوادث مرجعا علميا عند مناقشة مخاطر الكويكبات، كما اعتمد الاتحاد الفلكي الدولي هذا التاريخ احتفالية سنوية أسماها "يوم الكويكبات".

ومع التقدم العلمي، لم يعد الخطر محصورا في الماضي الجيولوجي البعيد، بل أصبح موضوعا حاضرا في أبحاث الفلك وعلوم الفضاء.

فالرصد المستمر كشف عن آلاف الأجسام الصخرية التي تعبر جوار الأرض، وبعضها يندرج ضمن فئة الكويكبات المقتربة من كوكبنا، مما دفع المجتمع العلمي إلى التفكير جديا في وسائل الحماية.

مصدر الصورة موقع ومخلفات نيزك تونغوسكا في روسيا وفي تاريخ سقوطه يُحتفل باليوم العالمي للكويكبات (الجزيرة)

ما هي الكويكبات المقتربة من الأرض ولماذا تثير القلق؟

الكويكبات المقتربة من الأرض (Near Earth Objects- NEOs) هي أجسام صخرية أو معدنية تدور حول الشمس في مدارات قد تتقاطع مع مدار كوكبنا. ولا يعني هذا بالضرورة أنها ستصطدم بالأرض، لكن وجودها في هذا النطاق يجعلها محط مراقبة دائمة.

بعض هذه الكويكبات لا يتجاوز قطره عشرات الأمتار، بينما يصل قطر البعض الآخر إلى كيلومترات، وهو ما يكفي لإحداث دمار واسع النطاق في حال الاصطدام.

إعلان

يعود القلق العلمي إلى أن اكتشاف الكويكب في وقت متأخر قد لا يترك للبشرية سوى خيارات محدودة. فقد شهد العالم مثالين صارخين على ذلك: الأول، نيزك "السودان" الذي سقط عام 2008 قرب منطقة وادي حلفا شمال السودان، وكان حجمه صغيرا نسبيا، لكنه أضاء السماء وسقط قبل أن يتمكن أي رصد علمي مسبق من التحذير منه.

والثاني نيزك "تشيليابينسكا" في روسيا عام 2013، الذي كان أكبر بكثير وبلغ قطره نحو 20 مترا، ودخل الغلاف الجوي بسرعة هائلة، محدثا انفجارا جويا فاقت قوته 500 كيلوطن من مادة "تي إن تي"، وتسبب في إصابة أكثر من 1500 شخص نتيجة تحطم الزجاج في المباني.

كلا الحدثين أظهرا أن الزمن المتاح للتحذير أو التدخل يمكن أن يكون ضيقا جدا، وأن الاعتماد على أساليب التدخل التدريجي قد لا يكون كافيا في مواجهة تهديدات مفاجئة.

فكلما قصر زمن الإنذار زادت الحاجة إلى حلول جذرية وسريعة، بدل الأساليب التدريجية التي تتطلب سنوات من التخطيط والتنفيذ.

مصدر الصورة رسم تخيلي لمرور كويكب بالقرب من الأرض (مكتبة الصور العلمية/غيتي)

الدفاع الكوكبي.. حين تحاول البشرية تغيير مسار السماء

من هنا ظهر مفهوم "الدفاع الكوكبي" (Planetary Defense)، وهو مجال علمي يهدف إلى تطوير إستراتيجيات لرصد الأجسام الخطرة المحتملة ومنع اصطدامها بالأرض.

هذا المجال لا يقتصر على الفلك وحده، بل يشمل الفيزياء والهندسة وعلوم المواد، وحتى السياسات الدولية، نظرا لحساسية القرارات المرتبطة باستخدام تقنيات عالية الخطورة.

على مدى عقود، طرحت عدة أفكار، من بينها سحب الكويكب تدريجيا باستخدام مركبات فضائية، أو دفعه عن مساره عبر اصطدام محسوب، إلا أن جميع هذه الحلول تشترك في شرط أساسي هو الوقت الكافي للتنفيذ.

مهمة "دارت".. أول تجربة بشرية لتغيير مدار كويكب

في عام 2022 نفذت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) مهمة "دارت" (DART) وهي اختصار لعبارة (Double Asteroid Redirection Test).

هدفت المهمة إلى اختبار إمكانية تغيير مدار كويكب عبر اصطدام مركبة فضائية به عمدا، وقد استهدفت المركبة القمر الصغير "ديمورفوس" التابع للكويكب "ديديموس"، ونجحت في تقصير مداره ببضع دقائق.

اعتبرت المهمة إنجازا تاريخيا، لأنها أثبتت لأول مرة أن البشر قادرون فعليا على التأثير في حركة الأجرام السماوية، لكن هذا النجاح لم يُنهِ الجدل، إذ أظهرت النتائج أن مثل هذا الأسلوب يحتاج إلى سنوات من الإعداد، ولا يصلح في حال اكتشاف تهديد وشيك.

مصدر الصورة المهمة "دارت" أطلقت من أجل حرف مسار الكويكب "ديديموس" (ناسا)

هنا تبرز المعضلة الكبرى، ماذا لو اكتُشف كويكب خطير قبل سنوات قليلة فقط من احتمال الاصطدام؟ في مثل هذا السيناريو تصبح الخيارات المحدودة أكثر خطورة، وقد لا يكون الدفع الحركي كافيا لتغيير المسار بشكل آمن.

لهذا السبب عاد إلى الواجهة خيار ظل طويلا مثيرا للجدل، بل ومرفوضا أخلاقيا وسياسيا في كثير من الأحيان، وهو استخدام الطاقة النووية وسيلة للدفاع عن الأرض.

التفجير النووي.. فكرة مرفوضة تعود إلى الواجهة

لفترة طويلة ارتبطت فكرة تفجير كويكب باستخدام سلاح نووي بمشاهد أفلام الخيال العلمي، إذ يتفتت الجرم إلى قطع صغيرة تسقط على الأرض محدثة دمارا مضاعفا. هذا التصور جعل العلماء حذرين من الخوض الجدي في هذا الخيار.

إعلان

لكن دراسة جديدة نُشرت في مجلة "نيتشر كميونكيشنز" (Nature Communications) أعادت تقييم هذه الفرضية من منظور علمي تجريبي، مستندة إلى بيانات مختبرية بدل الافتراضات النظرية وحدها.

قاد البحث فريق من الفيزيائيين في جامعة أكسفورد بالتعاون مع "شركة النظام الشمسي الخارجي- أوسوكو" (OuSoCo)، وهي شركة بحثية تركز على دراسة الأجرام الصلبة في النظام الشمسي، وسعى الفريق إلى فهم كيفية استجابة المواد المكوِّنة للكويكبات عند تعرضها لإجهاد شديد.

ولتحقيق ذلك استخدم الباحثون عينات حقيقية من نيازك سقطت على الأرض، بدل الاكتفاء بمحاكاة حاسوبية قد لا تعكس التعقيد الفيزيائي الكامل.

مصدر الصورة أحد نيازك "كامبو ديل ثيلو" التي تم تحليل عينات منها بمختبرات سيرن (من صفحة سير فلاك على منصة أطلس أبسكيورا)

وقد وقع الاختيار على نيزك "كامبو ديل ثيلو" (Campo del Cielo) الحديدي، وهو أحد أقدم النيازك المعروفة، ويعود تاريخه إلى آلاف السنين.

هذا النيزك، الذي عثر عليه في الأرجنتين، نموذج ممتاز لدراسة خصائص المواد المعدنية التي قد تشكل قلب بعض الكويكبات الكبيرة.

فبعد أن تم تقطيع النيزك بعناية إلى عينات أسطوانية صغيرة، أعدّت لتخضع لاختبارات قصوى تحاكي الظروف التي قد تنتج عن انفجار قريب شديد الطاقة.

داخل مختبر "سيرن".. محاكاة انفجار كوني على الأرض

أُجريت التجارب في منشأة تابعة للمركز الأوروبي للأبحاث النووية "سيرن" (CERN)، وهي منشأة متخصصة في تعريض العينات لنبضات عالية الطاقة من البروتونات. هذه النبضات تحاكي، على نطاق مصغر، التأثيرات الفيزيائية لانفجار نووي قريب من سطح كويكب.

وراقب العلماء التغيرات البنيوية داخل العينات لحظة بلحظة، في تجربة وُصفت بأنها الأولى من نوعها التي تتيح مراقبة غير تدميرية لسلوك مادة نيزكية تحت إجهاد شديد.

على عكس التوقعات السائدة، أظهرت النتائج أن المادة لم تتشقق أو تتفتت كما كان يُعتقد. بل على العكس، لوحظ أن النيزك يلين مؤقتا ثم يعاود التصلب، مكتسبا قوة إضافية تصل إلى 2.5 ضعف قوته الأصلية. وتعرف هذه الظاهرة في الفيزياء باسم "التخميد المعتمد على معدل الإجهاد"، إذ تزداد قدرة المادة على امتصاص الطاقة كلما اشتد التأثير.

هذا الاكتشاف قلب المفهوم التقليدي رأسا على عقب، إذ يشير إلى أن التفجير النووي قد لا يؤدي بالضرورة إلى تفتيت الكويكب إلى شظايا خطيرة.

مصدر الصورة صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تبين رسما تخيليا لتفجير نووي على سطح كويكب مقترب من الأرض (الجزيرة)

من سلاح تدمير إلى أداة توجيه.. خيار أخير لا يحتمل الخطأ

استنادا إلى هذه النتائج يقترح العلماء سيناريو يعرف باسم التفجير النووي القريب (Stand-off Detonation)، وفيه لا يُفجَّر السلاح النووي داخل الكويكب، بل على مسافة محسوبة منه، بحيث يؤدي الإشعاع والحرارة إلى تبخير جزء من سطحه، مما يولد قوة دفع تغيّر مساره بعيدا عن الأرض.

هذا الأسلوب يقلل من خطر التفتيت، ويحوّل الطاقة النووية من أداة تدمير شامل إلى وسيلة دقيقة لتوجيه الأجرام السماوية.

مع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذا الخيار يجب أن يُعد الملاذ الأخير، فتنفيذ مهمة نووية في الفضاء يتطلب دقة استثنائية وبيانات فيزيائية موثوقة، خاصة في ظل استحالة إجراء اختبار حقيقي على كويكب مهدد قبل التنفيذ الفعلي.

ويشير الخبراء إلى أن اختلاف تركيبة الكويكبات، بين صخرية ومعدنية وهشة، يجعل من الضروري توسيع نطاق الأبحاث قبل اعتماد أي إستراتيجية موحدة.

مواجهة الكون بذكاء ومسؤولية

بينما يراقب العلماء الكويكبات بدقة متناهية ويطورون تقنيات لم يسبق للبشر تجربتها، يبقى الدرس الأعمق أن الأرض ليست حصينة. إننا مجرد زوار على هذا الكوكب، وعلينا أن نتصرف بمسؤولية علمية وأخلاقية، وكل خطوة نحو فهم الأجرام السماوية ليست مجرد تقدم تقني، بل هي تأكيد على قدرتنا على التعايش مع الكون واحترام قوانينه.

إعلان

ويجب أن ينظر إلى التفجير النووي أو أي وسيلة دفاعية بصفتها أداة وقائية لا سلطة مطلقة، كما أن كل قرار قد يغير مصير البشرية يتطلب حكمة وتعاونا عالميا ووعيا بالثمن الكوني لكل خيار نتخذه.

في النهاية فإن حماية الأرض ليست مجرد مهمة علمية، بل هي دعوة للتفكير العميق في مكاننا في الكون وأثر أفعالنا على مستقبل الأجيال القادمة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار