هل أعجبك محتوانا؟
أضفه كمصدر مفضل على جوجل
لم يحتج الأمر سوى إلى بضعة مليمترات لتتغير مجريات أمسية كاملة، وربما مصير منتخب، بل وحتى صفحة من التاريخ.
على ملعب لومين فيلد في مدينة سياتل، مساء السبت، اعتقد المنتخب الإيراني أنه حقق إنجازًا تاريخيًا أمام مصر، قبل أن تنتزع منه تقنية حكم الفيديو المساعد، في الدقيقة الثالثة من الوقت بدل الضائع، هدفًا كان يعني التأهل. وانتهت المباراة بالتعادل (1-1). وبهذه النتيجة، ضمنت مصر العبور إلى الدور التالي، بينما باتت إيران تنتظر مصيرها بقلق. وفي الأثناء، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بسؤال واحد: هل ارتكبت تقنية الـVAR ظلمًا بحق إيران؟
كل شيء حُسم في الوقت بدل الضائع.
فبعد كرة مرتدة وسط ازدحام داخل منطقة الجزاء المصرية، انقض المدافع المخضرم شجاع خليل زاده أولًا على الكرة وأسكنها الشباك. انفجرت المدرجات فرحًا، واعتقد اللاعب أنه منح منتخب بلاده التقدم (2-1)، فخلع قميصه احتفالًا، ليتلقى بطاقة صفراء، ثم عاد مرتديًا نظارة احتفالية طريفة. ولحظات قليلة فقط، بدا وكأن إيران تتأهل للمرة الأولى في تاريخها إلى الأدوار الإقصائية من كأس العالم.
لكن الحكم البولندي سيمون مارسينياك تلقى إشارة لمراجعة اللقطة عبر تقنية الفيديو. وبعد المشاهدة، جاء القرار: تسلل. الهدف ملغى.
وفي لحظة، تحولت الفرحة الإيرانية إلى صدمة كبيرة، في حين رأى مدرب المنتخب المصري حسام حسن، الذي كان يدعو الله وهو جاثٍ على ركبتيه، دعاءه يتحقق.
رغم قسوة القرار، فإنه كان صحيحًا من الناحية القانونية.
فقانون التسلل يُحتسب في اللحظة الدقيقة التي تُلعب أو تُلمس فيها الكرة من أحد زملاء اللاعب، وليس عند التسديدة الأخيرة. وفي تلك اللحظة تحديدًا، كان الجزء الأمامي من قدم شجاع خليل زاده متقدمًا على آخر مدافع مصري ببضعة سنتيمترات فقط، لكنها كانت كافية لاعتباره في موقف تسلل. وبالتالي، فإن الهدف غير صحيح وفقًا لقوانين اللعبة.
لذلك، لم يقع أي خطأ تحكيمي، ولا وجود لأي مؤامرة؛ فقد أدت التكنولوجيا المهمة التي صُممت من أجلها تمامًا، وهي الفصل في الحالات شديدة الدقة. لكن ذلك لا يجعل القرار أقل قسوة، إذ إن بضعة مليمترات فقط حرمت إيران من احتلال المركز الثاني في المجموعة السابعة ومن بطاقة التأهل المباشر إلى دور الـ32.
وفي المقابل، حققت مصر، لأول مرة في تاريخها، التأهل إلى الأدوار الإقصائية لكأس العالم، بعدما أنهت دور المجموعات في المركز الثاني خلف بلجيكا، لتضرب موعدًا مع أستراليا.
أما إيران، التي أنهت المجموعة في المركز الثالث، فستنتظر معرفة ما إذا كانت ستتأهل ضمن أفضل المنتخبات صاحبة المركز الثالث.
ولم تتوقف قسوة الحظ عند هذا الحد، إذ ارتطمت رأسية سعيد عزت اللهي، خلال الوقت بدل الضائع نفسه، بالعارضة.
وفي المؤتمر الصحفي، عبّر مدرب المنتخب الإيراني أمير غلنوئي عن مرارة كبيرة، من دون أن يعترض على القانون أو على استخدام التقنية.
وأكد أنه يتقبل التكنولوجيا ولوائح اللعبة، لكنه بدا محبطًا بسبب إلغاء هدف «بفارق مليمترات». ثم أطلق عبارة اختصرت بطولة فريقه القاسية، قائلًا إنه كان يعتقد أنه يقود «منتخبًا مظلومًا»، لكنه اكتشف أيضًا أنه «منتخب سيئ الحظ».
فبعيدًا عن المستطيل الأخضر، خاضت إيران بطولة استثنائية بكل المقاييس.
فبسبب الحرب الدائرة بين بلادها والولايات المتحدة، إحدى الدولتين المنظمتين للبطولة، اضطرت البعثة الإيرانية إلى اتخاذ مدينة تيخوانا المكسيكية مقرًا لمعسكرها، مع التنقل جوًا لخوض مبارياتها، في حين لم يتمكن بعض أفراد الجهاز الفني من الحصول على تأشيرات دخول.
وانتقد غلنوئي ما وصفه بـ«المعاملة السيئة للغاية» من جانب البلد المضيف، داعيًا الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) إلى توفير حماية أكبر لمنتخبه، لكنه في المقابل أشاد بأداء لاعبيه، معتبرًا أن العالم يستطيع اليوم أن «يفتخر» بإيران.
بالنسبة للجمهور العربي والمغاربي، يمكن قراءة هذه المباراة من زاويتين.
فمن جهة، تمثل إنجازًا يدعو إلى الفخر، إذ نجحت مصر، الدولة العربية والإفريقية، أخيرًا في كسر حاجز ظل عصيًا عليها لعقود طويلة.
ومن جهة أخرى، تثير مشاعر التعاطف مع منتخب إيراني واجه كل أشكال الصعوبات؛ من السفر المتكرر والقيود الإدارية إلى تداعيات الحرب، قبل أن يصطدم في النهاية بأقسى الخطوط في كرة القدم: خط التسلل غير المرئي.
وربما تكمن حقيقة الدقيقة الثالثة من الوقت بدل الضائع في هذه المفارقة: لم تتعرض إيران للظلم بسبب التحكيم، بل أوقفتها قواعد اللعبة نفسها. لكن عندما يشعر فريق بأن كل الظروف تقف ضده، فإن حتى القرار الصحيح قد يبدو بطعم الظلم.
هل أعجبك محتوانا؟
أضفه كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية