آخر الأخبار

افتتاحية — صفر أهداف مقبولة قبل المونديال، وصفر نقاط خلاله: لا نخطئ في تحديد المتهم

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

يجب أن نبدأ بالرقم، لأنه يقول كل شيء تقريباً.

خاضت تونس حملة تصفيات نادرة: عشر مباريات، تسعة انتصارات، تعادل واحد، اثنان وعشرون هدفاً مسجلاً، ولا هدف واحداً مستقبلاً. وبعد أشهر قليلة فقط، غادر المنتخب نفسه مونديال 2026 بصفر نقطة، وثلاث هزائم، واثني عشر هدفاً في شباكه، وبواحد من أسوأ فوارق الأهداف في البطولة.

بين الصورتين، لم يحدث اختفاء مفاجئ للموهبة. اللاعبون لم يفقدوا فجأة القدرة على الدفاع، أو الركض، أو الضغط، أو لعب كرة القدم. ولهذا السبب تحديداً، لا ينبغي أن نخطئ في المحاكمة.

الرد السهل بعد إهانة كهذه هو تحميل المسؤولية للملعب: هؤلاء اللاعبون لم يكونوا في المستوى. لكن الوقائع تقول عكس ذلك.

في نوفمبر الماضي، بمدينة ليل، وأمام ملعب بيار موروا الذي كان في معظمه إلى جانبهم، نجح نسور قرطاج في فرض التعادل على برازيل كارلو أنشيلوتي، وفينيسيوس جونيور، ورودريغو. بل إن تونس افتتحت التسجيل، قبل أن تعود السيليساو في النتيجة من ركلة جزاء.

إذن، كانت المادة الخام موجودة فعلاً. ظهرت في التصفيات، وتأكدت أمام قوة كروية عالمية. وعندما ينتقل نفس المجموعة، خلال أشهر قليلة، من صلابة دفاعية كاملة إلى انهيار شامل، فإن المتغير الرئيسي لا يكون فقط موهبة اللاعبين. بل كل ما يحيط بهم.

وكل ما يحيط بهم في تونس يعيش أزمة منذ فترة طويلة قبل صافرة البداية أمام السويد.

تحضيرات وسط الفوضى

العَرَض الأول يتعلق بالمنهج. لا يمكن بناء أداء من المستوى العالي بتغيير اليد على المقود عند كل منعطف.

وصلت تونس إلى المونديال برصيد دفاعي استثنائي، لكنها وصلت دون استقرار كافٍ حول المنتخب الوطني. سامي الطرابلسي، الذي أنهى حملة التصفيات، غادر دكة البدلاء قبل أشهر قليلة من المسابقة. ثم عُيّن صبري لموشي لفتح دورة جديدة، قبل أن تتم إقالته في قلب كأس العالم، بعد الهزيمة الثقيلة أمام السويد. وبعد ذلك، تم استدعاء هيرفي رينار بشكل عاجل، في مهمة إنقاذ، دون إعداد حقيقي أو وقت كافٍ لترسيخ مبادئه.

ثلاثة مدربين في فترة قصيرة إلى هذا الحد، من بينهم تغيير بين مباراتين في دور المجموعات: لا يمكن لأي منتخب أن يستوعب هذا القدر من عدم الاستقرار دون أن يدفع الثمن. النتيجة ليست قدراً تونسياً محتوماً. إنها نتيجة متوقعة لغياب البوصلة.

كرة القدم الحديثة لم تعد تغفر هذا النوع من الارتجال. كأس العالم لا تُحضّر بالعاطفة، ولا كرد فعل على آخر نتيجة. إنها تُحضّر بالاستمرارية، وبجهاز فني، ومنهج، وتحليل للمنافسين، وإعداد بدني، وتسيير ذهني، وتراتبية واضحة.

تونس لم تخسر ثلاث مباريات فقط. لقد دفعت ثمن أشهر من التناقضات.

جامعة منتخبة، لكنها لم تتحول بعد

فوق دكة البدلاء، توجد المؤسسة.

ويجب أن نكون دقيقين: الجامعة التونسية لكرة القدم لم تعد تحت إشراف لجنة تسوية. لديها رئيس منتخب، هو معز الناصري، الذي تولى رئاسة الجامعة في جانفي 2025 لعهدة تمتد إلى غاية 2029.

إذن، المشكلة ليست في غياب الشرعية الشكلية. إنها في مكان آخر: في القدرة الفعلية على تحويل المنظومة.

جاءت هذه الانتخابات بعد انهيار عهد وديع الجريء، الرئيس السابق شديد النفوذ في كرة القدم التونسية، والذي ترك سقوطه وراءه جامعة محل جدل عميق. وفي جلسة ديسمبر 2024، كانت الوضعية المالية قد كشفت حجم الورش المفتوح: عجز بثمانية ملايين دينار، وديون أندية بقيمة خمسة عشر مليون دينار.

كما ندد عدد من المتابعين لكرة القدم التونسية بتجديد غير مكتمل، بل شكلي في نظر البعض، مع حضور أو عودة شخصيات مرتبطة بتوازنات المنظومة القديمة. يمكن لجامعة أن تكون منتخبة وفق القواعد، لكنها تبقى، في الواقع، غير قادرة على إنتاج المشروع طويل المدى الذي تحتاجه كرة القدم الوطنية.

وهذا بالضبط ما هو مطروح اليوم. ليس شخصاً واحداً فقط. وليس مدرباً واحداً فقط. بل حوكمة تجد صعوبة في الانتقال من إدارة الأزمات إلى البناء.

المنتخب يكشف الوضع الحقيقي لكرة القدم التونسية

المنتخب الوطني لا يظهر من فراغ. إنه قمة هرم. وعندما تضعف القاعدة، لا بد أن تهتز القمة في نهاية المطاف.

لم يمض وقت طويل منذ كان البطولة التونسية مرجعاً إفريقياً وعربياً. لقد أنتجت أندية قوية، وأجيالاً تنافسية، ولاعبين قادرين على التطور في بيئة تتطلب الكثير قبل الانتقال إلى أوروبا أو بلدان الخليج. الترجي الرياضي التونسي، النجم الساحلي، النادي الإفريقي، النادي الرياضي الصفاقسي وأندية أخرى منحت المنتخب طويلاً عمقاً، ومنافسة داخلية، وثقافة قارية.

اليوم، تقلص هذا العمق. لا يزال الترجي يرفع الراية التونسية عالياً على الساحة الإفريقية، لكنه يفعل ذلك تقريباً بمفرده. ويُظهر ترتيب الأندية الإفريقية لسنة 2025 ذلك بوضوح: الترجي ما زال ضمن أفضل فرق القارة، بينما تظهر بقية الأندية التونسية الكبرى في مراتب أبعد بكثير.

هذا التراجع في الكثافة ليس تفصيلاً إحصائياً. إنه يقول شيئاً عن حالة الخزان الوطني. فالمدرب الوطني يستند إلى أندية، وإلى مسابقات، وإلى عادات المستوى العالي. وعندما يصبح الدوري المحلي أقل قدرة على إنتاج لاعبين متمرسين بالمواعيد الكبرى، فإن المنتخب يدفع الثمن في النهاية.

مشكلة تونس ليست غياب الموهبة. بل العجز المتزايد عن تحويل الموهبة إلى أداء مستدام.

المهاجم، الحارس والمراكز التي لا تُترك للارتجال

تبقى النقائص التي يعرفها كل متابع تونسي عن ظهر قلب. تونس تبحث منذ سنوات عن مهاجم من طراز دولي. وتبحث أيضاً عن استقرار دائم في مركز حراسة المرمى. هذان المركزان لا يُصنعان في سن الخامسة والعشرين. بل يتم بناؤهما منذ وقت مبكر، داخل مراكز التكوين، عبر مؤطرين مختصين، وحجم عمل مناسب، وثقافة حقيقية للمركز.

المهاجم ليس فقط لاعباً يسجل. إنه لاعب يتعلم التحركات، وطلب الكرة، واللعب بالظهر إلى المرمى، والإنهاء تحت الضغط، وقراءة المدافعين، والهدوء داخل منطقة الجزاء. والحارس ليس مجرد آخر حصن دفاعي. إنه لاعب كرة قدم كامل، عليه أن يشتغل على التمرير، وإدارة المساحات خلف الدفاع، وقراءة الكرات العرضية، والسلطة الدفاعية، واتخاذ القرار.

غير أن هذه الاختصاصات في تونس ما زالت في كثير من الأحيان رهينة الصدفة، أو الموهبة الطبيعية، أو الظهور الفردي المعزول. المستوى العالي الحديث لم يعد يعمل بهذه الطريقة. إنه يتطلب تخصصاً، وتخطيطاً، وتكراراً دائماً.

عندما يفتقر منتخب، بشكل مستمر، إلى مهاجمين وحراس من مستوى عالٍ جداً، فالأمر ليس سوء حظ. إنه عَرَض من أعراض أزمة التكوين.

علم الجسد… الغائب الأكبر عن النقاش

يُضاف إلى ذلك جانب أعمى نادراً ما يُسمى باسمه: الإعداد البدني. ليس التربية البدنية بمعناها العام، بل علم الأداء الحديث.

كرة القدم في كأس العالم هي كرة قدم كثافة، وحرارة، واسترجاع قصير، ومعطيات بدنية، ووقاية من الإصابات، وإدارة للأحمال، وتكيف مع الظروف المناخية. لم يعد يكفي أن “تركض جيداً”. يجب أن تعرف متى تركض، وكيف تستعيد عافيتك، وكيف تمنع الانهيار، وكيف تحافظ على صفاء الذهن في الدقائق العشرين الأخيرة.

لقد كوّنت تونس طويلاً معدّين بدنيين ممتازين، وأخصائيي علاج طبيعي، ومحللين، ومختصين في الجسد. كثيرون منهم باتوا اليوم منجذبين إلى أندية ومنتخبات تملك إمكانيات أكبر بكثير، خاصة في الخليج. نحن نصدر خبراتنا بدل أن نوظفها بشكل مستدام في بلادنا، ثم نستغرب عندما تنهار فرقنا بدنياً في المواعيد الكبرى.

نزيف الكفاءات لا يخص المهندسين والأطباء فقط. لقد وصل إلى دكك البدلاء، والأجهزة الفنية، وقاعات تقوية العضلات، وأقسام الأداء.

في كرة القدم الحديثة، لا يفوز المنتخب بأحد عشر لاعباً فقط. إنه يفوز بطب رياضي، وتحليل فيديو، وإعداد ذهني، وتغذية، ولوجستيك، وإدارة للتعب، وثقافة استمرارية.

كل ذلك كان غائباً.

لا تجعلوا من هيرفي رينار المتهم المثالي

سيكون من السهل أيضاً جعل هيرفي رينار الوجه الوحيد للفشل. لقد وصل وسط حريق كان قد اندلع بالفعل. يمكن مناقشة اختياراته، وتشكيلاته، وخطابه، وقدرته على إنعاش مجموعة متأثرة. لكن سيكون من العبث تحميله وحده أزمة لم يصنعها.

اللجوء إلى رينار يقول شيئاً آخر: كرة القدم التونسية ما زالت تبحث عن منقذين، بينما كان عليها أن تبني أسساً. في كل أزمة، نأمل أن يكون اسم أو شخصية أو صدمة نفسية كافياً لإصلاح ما يتعلق في الحقيقة بمنظومة كاملة.

لكن الأمم الرياضية الكبرى لا تعيش على رميات الحظ. إنها تعيش على المشاريع. قد تقبل أحياناً خسارة مباراة، لكنها لا تفقد اتجاهها. قد تغير مدرباً، لكنها لا تغير هويتها كل ثلاثة أشهر.

أما تونس، فتعطي في كثير من الأحيان انطباعاً بأنها تبدأ من الصفر بعد كل خيبة.

الخروج من منطق القدرية

سيكون من الظلم، ومن الخطأ، الاستسلام للقدرية.

مسار التصفيات موجود للتذكير بذلك: عندما يوجد الإطار، وعندما يصمد الاستقرار، وعندما تعرف المجموعة ما يجب عليها فعله، فإن هؤلاء اللاعبين قادرون على الأفضل. خوض حملة كاملة دون قبول أي هدف ليس حادثاً عابراً. ومقاومة البرازيل في ليل ليست صدفة.

مونديال 2026 لا يثبت إذن أن تونس لا تملك لاعبي كرة قدم. بل يثبت أنها توقفت عن توفير بيئة تليق بطموحاتهم.

المسؤولية ليست على أرضية الملعب فقط. إنها في الحوكمة، وفي استمرارية المشروع، وفي التكوين، وفي الإعداد البدني، وفي القدرة على تحديث الأندية والاحتفاظ بالكفاءات. إنها في كل ما لا نراه خلال التسعين دقيقة، لكنه غالباً ما يحسم النتيجة.

لقد شرّف هؤلاء اللاعبون القميص للوصول إلى هذا الموعد دون استقبال أي هدف في التصفيات. وكانوا يستحقون أن يُرسلوا إلى المونديال بطريقة مختلفة عن الفوضى.

السؤال الحقيقي الآن ليس معرفة من سيكون المدرب القادم. بل معرفة ما إذا كانت كرة القدم التونسية — بل والرياضة التونسية بأكملها — ستقبل أخيراً بإصلاح نفسها من القاعدة، بدل البحث بعد كل فشل عن متهم فوق أرضية الملعب.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا