المؤسسات التونسية : التدويل يتحول إلى رافعة للنمو
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجلتفتح التظاهرة الإقليمية التي تحتضنها تونس من 6 إلى 9 أكتوبر 2026 لفائدة المؤسسات الصغرى والمتوسطة وهياكل دعم المؤسسات في شمال إفريقيا، في إطار برنامجSME Booster لأمانة منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، نقاشاً اقتصادياً يتجاوز مسألة الترويج للصادرات نحو إعادة التفكير في موقع المؤسسة التونسية داخل الاقتصاد الإقليمي والدولي. ويجمع الموعد أكثر من 150 مشاركاً من أصحاب المؤسسات، خاصة التي تقودها النساء والشباب، وهياكل الدعم والمرافقة، بهدف الانتقال من مجرد الاستعداد للتصدير إلى النفاذ الفعلي للأسواق الإفريقية.
ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس، التي يضم اقتصادها 836,808 مؤسسة خاصة سنة 2024، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء، مقابل 824,593 مؤسسة سنة 2023. وتبرز هذه الأرقام اتساع قاعدة النسيج المؤسساتي، لكنها تبرز في الوقت نفسه ضرورة الانتقال من منطق تكاثر المؤسسات إلى منطق نموها ورفع إنتاجيتها وقدرتها على الوصول إلى الأسواق الخارجية.
إفريقيا سوق تتوسع إمكاناتها
تكشف التحولات التجارية في القارة أن إفريقيا لم تعد مجرد سوق مستقبلية، بل أصبحت مجالاً تتزايد فيه المبادلات وسلاسل القيمة. فقد ارتفعت التجارة البينية الإفريقية خلال 2024 بنسبة %12.4 لتبلغ 220.3 مليار دولار، بعد انكماشها بنسبة 5.9% سنة 2023، بينما ارتفع إجمالي تجارة السلع الإفريقية بنسبة 13.9% إلى نحو 1.5 تريليون دولار ومع ذلك، لا تزال إفريقيا تمثل 3.3% فقط من الصادرات العالمية، وهو ما يكشف حجم الإمكانات غير المستغلة داخل القارة.
وتعني هذه المعطيات أن توسيع المبادلات بين الاقتصادات الإفريقية يمكن أن يوفر للمؤسسات التونسية أسواقاً جديدة للسلع والخدمات، خصوصاً في الصناعات الغذائية والميكانيكية والكهربائية والدوائية، إضافة إلى الخدمات الرقمية والهندسية والمهنية. كما يتيح الاقتراب من الأسواق الإفريقية بناء شراكات إنتاج وتوزيع، وليس فقط إبرام عمليات بيع ظرفية.
وتبرز مصر، على سبيل المثال، كفاعل مهم في التجارة الإفريقية، إذ ارتفعت مبادلاتها مع القارة بنسبة %8.7 سنة 2024 إلى 9.01 مليارات دولار، وفق بنك التصدير والاستيراد الأفريقي ويؤكد ذلك أن المؤسسات التي تمتلك قدرة على فهم الأسواق الإقليمية وبناء شبكات تجارية قادرة على تحويل التكامل الإفريقي إلى فرص أعمال فعلية.
الزليكاف توسع حجم السوق الممكنة
تمنح منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية هذا التحول بعداً مؤسسياً أوسع، إذ تربط 55 دولة وأكثر من 1.3 مليار نسمة في سوق يناهز ناتجها المحلي الإجمالي 3.4 تريليون دولار. ويقدر البنك الدولي أن التطبيق الكامل للاتفاق يمكن أن يرفع الدخل الإقليمي بنسبة 7%، بما يعادل نحو 450 مليار دولار بحلول 2035، مع إمكانية إخراج 30 مليون شخص من الفقر المدقع.
وتشير هذه التقديرات إلى أن القيمة الحقيقية للزليكاف لا تكمن فقط في خفض الرسوم الجمركية، وإنما في تقليص الحواجز غير الجمركية وتبسيط الإجراءات وتيسير التجارة والخدمات والاستثمار. ويقدر البنك الدولي أن نحو 292 مليار دولار من مكاسب الدخل المحتملة يمكن أن تأتي من إجراءات تسهيل التجارة وخفض تكاليف الإجراءات والبيروقراطية، مقابل نحو 153 مليار دولار من تحرير الرسوم والحواجز غير الجمركية.
تونس تحتاج إلى تنويع وجهتها الخارجية
تُظهر بيانات التجارة التونسية أن الاقتصاد يملك قاعدة تصديرية قادرة على النمو، لكنه يظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بالأسواق الأوروبية. فقد بلغت صادرات تونس خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 نحو44.67 مليار دينار، بزيادة 8% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، مقابل واردات بقيمة 62.53 مليار دينار. كما سجلت الصناعات الميكانيكية والكهربائية نمواً في الصادرات بنسبة 8.5%، والصناعات الغذائية بنسبة %20.8، فيما ارتفعت صادرات زيت الزيتون إلى 3.77 مليارات دينار مقابل 2.70 مليار دينار خلال الفترة نفسها من 2025.
وتكشف هذه الأرقام أن توسيع قاعدة الأسواق لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره بديلاً عن السوق الأوروبية، وإنما باعتباره آلية لتنويع المخاطر ورفع قدرة الاقتصاد على مواجهة التقلبات الخارجية. فكلما ارتفع عدد الأسواق التي تعمل فيها المؤسسة، أصبحت أكثر قدرة على توزيع مخاطر الطلب والأسعار وسلاسل التزويد.
المؤسسة تحتاج إلى الانتقال من التصدير إلى التدويل
يتطلب التوسع الإفريقي والدولي تغييراً في طريقة إدارة المؤسسة. فلا يكفي امتلاك منتج قابل للتصدير، بل ينبغي امتلاك معلومات دقيقة عن السوق المستهدفة، وفهم القواعد الجمركية وقواعد المنشأ، والقدرة على استيفاء شروط الجودة والاشهاد، وضمان تمويل التجارة، وإدارة مخاطر الدفع والصرف، وتأمين الخدمات اللوجستية.
وتعالج مبادرة SME Booster تحديداً هذه الحلقات الضعيفة، من خلال تكوين المؤسسات في الأطر القانونية للزليكاف، وتسهيل التشبيك بين المصدرين والموردين والموزعين والمجمعين، وتحسين النفاذ إلى تمويل التجارة والدفع الرقمي، وتقييم جاهزية المؤسسات للتصدير، فضلاً عن تطوير قدرات هياكل الدعم في الذكاء الاقتصادي والتجارة الرقمية.
وتصبح هذه الأدوات أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بالمؤسسات الصغرى والمتوسطة، التي لا تمتلك عادة الموارد البشرية والمالية التي تسمح لها بفتح مكاتب أو فروع في الأسواق الخارجية. ولذلك يمكن أن يؤدي توحيد خدمات المعلومات والتكوين والتشبيك والتمويل إلى خفض كلفة الدخول إلى الأسواق وتحويل التدويل من عملية مكلفة ومعقدة إلى مسار تدريجي قابل للإدارة.
من التصدير إلى سلاسل القيمة الإفريقية
تتيح السوق الإفريقية للمؤسسات التونسية فرصة أوسع من مجرد زيادة الصادرات، تتمثل في الاندماج داخل سلاسل القيمة الإقليمية. ويمكن لمؤسسة تونسية أن تصبح مورداً لمؤسسة إفريقية، أو شريكاً صناعياً، أو مزوداً لخدمات رقمية وهندسية، أو حلقة في سلسلة غذائية أو دوائية أو صناعية عابرة للحدود.
وتنسجم هذه الرؤية مع التحولات الجارية في التجارة الإفريقية، حيث يؤكد بنك التصدير والاستيراد الأفريقي أن نمو التجارة البينية يترافق تدريجياً مع توسع قطاعات الآلات والسيارات والمنتجات الغذائية والكيماوية والإلكترونيات، بما يعكس توجهاً نحو تنويع القاعدة الصناعية بعيداً عن الاعتماد المفرط على المواد الأولية.
تونس أمام فرصة لتصبح منصة أعمال إفريقية
تمنح استضافة تونس لهذه التظاهرة الإقليمية، والاستعداد لاحتضان تظاهرة Biashara Afrika بالتعاون مع بنك التصدير والاستيراد الأفريقي سنة 2027، فرصة لترسيخ موقعها كحلقة وصل بين شمال إفريقيا وبقية القارة. وتتحول قيمة هذه الاستضافة إلى مكسب اقتصادي حقيقي عندما تُترجم إلى عقود وشراكات واستثمارات وشبكات توزيع ومشاريع مشتركة.
ويحتاج هذا المسار إلى سياسة متكاملة لا تكتفي بدعم التصدير، بل تدعم نمو المؤسسة نفسها من خلال التمويل، والرقمنة، والذكاء الاقتصادي، والتكوين، واللوجستيك، وضمانات التجارة، وتسهيل الإجراءات. كما يحتاج إلى تحويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة من مستفيد عرضي من برامج التصدير إلى فاعل دائم في سلاسل القيمة الإفريقية والعالمية.
ويؤسس هذا التحول لرهان اقتصادي أوسع: فزيادة عدد المؤسسات القادرة على التدويل تعني توسيع قاعدة الصادرات، وتنويع مصادر العملة الأجنبية، ورفع الإنتاجية، وتحسين فرص التشغيل، وجذب الاستثمارات المرتبطة بسلاسل القيمة. وعندها لا تصبح إفريقيا مجرد وجهة إضافية للمنتجات التونسية، بل تتحول إلى فضاء للنمو والاستثمار وبناء الأعمال والشراكات، بما يعزز قدرة الاقتصاد التونسي على تنويع أسواقه وترسيخ اندماجه في الاقتصاد العالمي.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب