آخر الأخبار

الزخم يعود تدريجيا: بيانات تكشف تحولا في نبض الاقتصاد التونسي

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تسترجع تونس تدريجيا ثقة الفاعلين الصناعيين في مسار الاستثمار، بعدما كشفت أحدث المعطيات الرسمية عن انعطاف إيجابي في مناخ الأعمال بعد سنوات من التردد والحذر.

وتُظهر البيانات الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء أن النشاط الاستثماري في قطاع الصناعات المعملية يستعيد زخمه بوتيرة تدريجية لكنها ثابتة، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة أعمق لأسباب هذا التحول ولأفق استمراريته.

مؤشرات تؤكد تجاوز مرحلة التراجع

تكشف نتائج المسح نصف السنوي حول وضعية الاستثمار في قطاع الصناعات المعملية، الذي شمل عينة من 1085 مؤسسة صناعية خلال شهر ماي 2026، أن رصيد آراء رؤساء المؤسسات بشأن تطور الاستثمار الإجمالي ارتفع إلى 24 بالمائة خلال النصف الأول من سنة 2026، مقابل 21 بالمائة خلال النصف الثاني من سنة 2025.

ويعكس هذا التحسن المتواصل عبر دورتين استقصائيتين متتاليتين تحولا فعليا في تقديرات المؤسسات الصناعية لبيئة الاستثمار، لا مجرد تذبذب ظرفي. وتتوقع المؤسسات ذاتها أن يواصل هذا المؤشر ارتفاعه ليبلغ 26 بالمائة خلال النصف الثاني من السنة، ما يرسخ فرضية أن تونس تدخل مرحلة تعافٍ استثماري تدريجي ومتماسك.

هذا وينبغي التذكير بأن رصيد الآراء، وهو أداة قياس معتمدة من المعهد الوطني للإحصاء منذ سنة 2001، يقيس الفارق بين نسبة المؤسسات التي تتوقع أو تسجل ارتفاعا في استثماراتها ونظيرتها التي تشير إلى انخفاضها، ما يجعله مؤشرا استشرافيا موثوقا لرصد توجهات القطاع الصناعي بعيدا عن التقديرات الظرفية.

الميكانيك والكهرباء يقودان موجة التعافي

تتصدر الصناعات الميكانيكية والكهربائية قاطرة هذا التحول الإيجابي، إذ قفز رصيد الآراء الخاص بها من 35 بالمائة خلال النصف الثاني من 2025 إلى 48 بالمائة خلال النصف الأول من 2026، وهي قفزة تعكس حيوية قطاع ظل تاريخيا من أكثر المكونات تصديرا للاقتصاد التونسي ومن أبرز روافد اندماجه في سلاسل القيمة الأوروبية والدولية. وتؤكد التوقعات استمرار هذه الدينامية، حيث ينتظر أن ينتقل رصيد الآراء المتعلق بالاستثمار في القطاع من 10 بالمائة إلى 37 بالمائة مع نهاية السنة، وهو تحول حاد يبرز ثقة متجددة لدى المستثمرين في هذا الفرع الصناعي الاستراتيجي.

وتسجل صناعات مواد البناء والخزف والبلور بدورها تحسنا ملموسا، بارتفاع رصيد الآراء من 10 بالمائة إلى 19 بالمائة، في مؤشر على انتعاش نسبي مرتبط غالبا بحركية قطاع البناء والتشييد محليا وبالأسواق التصديرية الإقليمية. وتحافظ الصناعات الغذائية والفلاحية على استقرار نسبي مطمئن، مع توقعات إيجابية ترفع رصيد الآراء من 29 بالمائة إلى 32 بالمائة، وهو ما يعكس الدور الحيوي لهذا القطاع في تأمين الأمن الغذائي وفي الحفاظ على توازنات الميزان التجاري الغذائي.

تفاوت قطاعي يستدعي اليقظة

تسجل قطاعات أخرى تعثرا لافتا يستوجب التمعن والتحليل، إذ ينخفض رصيد الآراء في قطاع النسيج والملابس والجلد من 2 بالمائة إلى -4 بالمائة، مع توقعات بمزيد التراجع إلى -6 بالمائة خلال النصف الثاني من السنة.

ويعكس هذا التراجع تحديات هيكلية يواجهها القطاع، بين ضغط المنافسة الآسيوية وتقلبات الطلب الأوروبي الذي يستقبل الجزء الأكبر من الصادرات التونسية في هذا المجال. كما يتراجع رصيد الآراء في قطاع الصناعات الكيميائية من 38 بالمائة إلى 29 بالمائة، وإن كانت التوقعات تشير إلى استقرار نسبي للاستثمار خلال الفترة المقبلة، ما قد يعكس مرحلة تريث أكثر منه تراجعا هيكليا عميقا.

أطر تشريعية وحوافز لدعم الاستثمار ذي القيمة المضافة

تتضافر جهود السلط التونسية مع هذه المؤشرات الإيجابية عبر مراجعة متواصلة للمنظومة التشريعية الناظمة للاستثمار، سعيا إلى تبسيط الإجراءات الإدارية وتعزيز الحوافز الجبائية والمالية الموجهة للمشاريع ذات المحتوى التكنولوجي المرتفع والقيمة المضافة العالية. وتراهن هذه المقاربة على توجيه الاستثمار الصناعي نحو فروع أكثر تعقيدا تقنيا، بعيدا عن الأنشطة ذات كثافة اليد العاملة المنخفضة الأجر، بما يخدم هدف الارتقاء في سلاسل القيمة العالمية وتعزيز تنافسية الصادرات التونسية.

وتترجم هذه التوجهات ضمن المخطط التنموي 2026-2030، الذي يضع الاستثمار الصناعي في صلب أولوياته عبر دعم الصناعات المستقبلية كالإلكترونيات والصناعات الدوائية والمكونات المتصلة بالتحول الطاقي، إلى جانب مواصلة تحفيز الاستثمار في القطاعات التقليدية الرائدة كالميكانيك والكهرباء.

عودة تدريجية لثقة المستثمرين الدوليين

تسجل تونس في هذا السياق مؤشرات مشجعة تتعلق بعودة اهتمام بعض المستثمرين المرجعيين بقطاعات صناعية واعدة، وهو ما يعزز فرضية أن التحسن المرصود إحصائيا لا يقتصر على الفاعلين المحليين بل يمتد إلى تصورات الأطراف الدولية الفاعلة في سلاسل التوريد العالمية. ويبقى ترسيخ هذا التوجه رهين استمرارية الإصلاحات التشريعية، واستقرار المناخ الاقتصادي الكلي، وقدرة الإدارة التونسية على تسريع وتيرة تنفيذ المشاريع الاستثمارية الكبرى المعلنة.

تبقى الأرقام المسجلة خلال النصف الأول من 2026 مؤشرا واعدا أكثر منه دليلا قاطعا على تعافٍ اقتصادي شامل، غير أنها ترسم بوضوح ملامح مسار تصاعدي يستحق المتابعة الدقيقة خلال الأشهر القادمة، خصوصا مع اقتراب موعد الإعلان الرسمي عن نتائج النصف الثاني من السنة التي ستحدد مدى صلابة هذا الانتعاش الاستثماري الصناعي.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا