آخر الأخبار

النجاعة الطاقية الصناعية: الرهان التونسي لكسب معركة التنافسية

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تستأثر نحو 400 مؤسسة صناعية كبرى بما يقارب 70 بالمائة من إجمالي استهلاك القطاع الصناعي التونسي للطاقة، من أصل ما يقارب خمسة آلاف مؤسسة ناشطة في هذا القطاع، وفق ما أفاد به محمد علي السافي، مدير النجاعة الطاقية في القطاع الصناعي بالوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة.

يكشف هذا التركّز الكبير للاستهلاك لدى عدد محدود نسبيا من الوحدات الصناعية عن منطق اقتصادي واضح اعتمدته السلطات التونسية في تحديد سياساتها الطاقية، إذ يتيح استهداف هذه المجموعة المحدودة تحقيق أثر أكبر بكلفة تدخل أقل، مقارنة باستراتيجية تشمل آلاف المؤسسات الصغرى بصفة متفرقة. وتستهلك هذه المؤسسات الكبرى، بحسب السافي، أكثر من 800 ألف طن مكافئ نفط سنويا، وهو ما يجعلها الحلقة الأكثر حساسية في أي مقاربة وطنية للتحكم في الطلب على الطاقة.

التدقيق الطاقي يحقق نتائج ملموسة

يشكّل تبني تونس لبرامج التدقيق الطاقي الإجباري والتوليد المؤتلف للطاقة، على غرار ما هو معمول به في التجارب الدولية الرائدة، محورا أساسيا في السياسة الصناعية الطاقية للبلاد.

وتمكّنت المؤسسات التي خضعت لهذه البرامج، بحسب معطيات الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة، من تحقيق معدل خفض بلغ نحو 30 بالمائة في فاتورة الطاقة، مقابل تراجع بنسبة 35 بالمائة في استهلاك الطاقة الأولية. وتعكس هذه الأرقام أهمية اعتماد تونس لمعايير دولية صارمة في مجال التدقيق الطاقي، بما يمنح المؤسسات الصناعية أداة علمية دقيقة لتشخيص نقاط الهدر الطاقي وترشيد استهلاكها، بدل الاكتفاء بإجراءات ترقيعية محدودة الأثر.

هذا ويقدّم مشروع استرجاع الحرارة الضائعة المُنجز في إحدى شركات الإسمنت التونسية نموذجا ملموسا على الجدوى الاقتصادية لتقنيات النجاعة الطاقية المتقدمة. وتطلّب هذا المشروع استثمارات في حدود 40 مليون دينار، لكنه مكّن، في المقابل، من تحقيق اقتصاد سنوي يقارب 15 مليون دينار من فاتورة الكهرباء، أي ما يعادل خفضا بنسبة 30 بالمائة في استهلاك الكهرباء بالمصنع المعني.

ويلفت السافي إلى أن هذا الاستثمار أتاح استرجاع قيمته الكاملة في أقل من سنتين، وهي فترة استرداد قصيرة نسبيا تجعل من هذا النوع من المشاريع خيارا جذابا للمستثمرين الصناعيين. وتشير الدراسات الفنية، وفق المصدر ذاته، إلى إمكانية تعميم هذه التقنية على نطاق أوسع، مع إمكانية إنجاز مشاريع بقدرة إجمالية تصل إلى 80 ميغاوات في قطاع الإسمنت وحده، وهو ما يفتح الباب أمام استثمارات إضافية واعدة في هذا المجال.

أطر تشريعية وحوافز متجددة

تواصل سلطات الاشراف، من خلال الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة التي أُحدثت سنة 1985، تطوير الأطر التشريعية وآليات التحفيز الكفيلة بمساعدة المؤسسات الصناعية على تقليص كلفة الطاقة وتحسين قدرتها التنافسية. وتحظى الصناعة، في هذا الإطار، بأولوية واضحة ضمن خطط الانتقال الطاقي الوطنية، انطلاقا من إدراك السلطات لكون كلفة الطاقة تشكّل عنصرا حاسما في هيكل التكاليف الإنتاجية، وبالتالي في قدرة المؤسسة التونسية على المنافسة في الأسواق الخارجية.

ويعكس هذا التوجه التشريعي المتجدد إرادة سياسية لجعل النجاعة الطاقية رافعة اقتصادية بقدر ما هي التزام بيئي، بما ينسجم مع تطلعات القطاع الصناعي نحو خفض أعبائه التشغيلية في سياق دولي يتّسم بتقلب أسعار الطاقة.

في ذات السياق، يبرز التمويل كأحد أكثر التحديات إلحاحا أمام تعميم مشاريع النجاعة الطاقية، خصوصا لدى المؤسسات الصغرى والمتوسطة التي غالبا ما تواجه صعوبات في التمويل الذاتي. وتعمل الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة على تذليل هذه العقبة عبر اتفاقية مبرمة مع الشركة التونسية للضمان، توفر خط ضمان يغطي 75 بالمائة من أصل القرض، بنسبة اقتطاع لا تتجاوز 2 بالمائة، بما يخفف العبء المالي على المؤسسات الراغبة في الاستثمار في هذا المجال.

وتضاف إلى ذلك تدخلات صندوق الانتقال الطاقي، التي تتيح آليات تمويل ذاتي تصل إلى 60 بالمائة من قيمة المشروع، مع مدة سداد طويلة وفترات إمهال قد تمتد إلى ثلاث سنوات. وتستكمل هذه الآليات بحوافز جبائية وديوانية تشمل تجهيزات النجاعة الطاقية، من بينها تخفيض الأداء على القيمة المضافة إلى 7 بالمائة، وخفض المعاليم الديوانية إلى 10 بالمائة، وهو ما يجعل منظومة التمويل التونسية في هذا القطاع من بين الأكثر تحفيزا في المنطقة.

الاستعداد لآلية تعديل حدود الكربون الأوروبية

تستعد تونس، عبر إطلاق خريطة طريق وطنية لإزالة الكربون بالتعاون بين وزارتي الصناعة والبيئة، لمواجهة تداعيات آلية تعديل حدود الكربون التي أقرها الاتحاد الأوروبي، والتي ستفرض تدريجيا رسوما على واردات المنتجات كثيفة الانبعاثات الكربونية.

وتتضمن هذه الخريطة برنامجا لتكوين الخبراء والمدققين المختصين في المحاسبة الكربونية، إلى جانب توفير منحة من صندوق الانتقال الطاقي تصل نسبتها إلى 70 بالمائة، في حدود سقف أقصاه 70 ألف دينار، لمساعدة المؤسسات على إعداد بصمتها الكربونية. وتنضاف إلى ذلك منصة “DecarboTech” الرقمية، التي أُطلقت لتمكين المؤسسات الصناعية من إجراء تقييم ذاتي لانبعاثاتها.

ويجري العمل، في موازاة ذلك، على دعم المعهد الوطني للمواصفات والملكية الصناعية للحصول على الاعتماد الدولي اللازم لمصادقة تقارير الكربون داخل تونس، على أن يكتمل ذلك بحلول نهاية السنة الحالية أو مطلع السنة المقبلة، بما يجنّب المؤسسات المصدّرة اللجوء إلى جهات اعتماد أجنبية مكلفة.

تندرج جميع هذه الإجراءات ضمن الاستراتيجية الوطنية للطاقة في أفق سنة 2035، التي تستهدف تحقيق اقتصاد في الاستهلاك الجملي للطاقة بنسبة 37 بالمائة، ورفع مساهمة الطاقات المتجددة إلى 50 بالمائة من إنتاج الكهرباء، وخفض كثافة الكربون بنسبة 62 بالمائة. وتعكس هذه الأهداف الكمية الطموحة إرادة تونسية لمواءمة السياسة الطاقية الوطنية مع الالتزامات المناخية الدولية، دون إغفال البعد الاقتصادي المتمثل في تعزيز الأمن الطاقي وتقليص فاتورة الطاقة المستوردة.

تتّجه المرحلة المقبلة، بحسب السافي، نحو تطوير مناطق صناعية مستدامة ومجمّعة طاقيا، بما يتيح تشريك عدة وحدات صناعية في استغلال مشترك للموارد والتجهيزات الطاقية. ويحمل هذا التوجه في طياته إمكانية تحقيق وفورات حجم إضافية، عبر تجميع الاستثمارات في محطات الطاقة المتجددة أو منظومات استرجاع الحرارة على مستوى المنطقة الصناعية بأكملها، بدل اقتصارها على كل مؤسسة على حدة. ويُنتظر أن يشكّل هذا النموذج، إذا ما تم تعميمه، نقلة نوعية في مقاربة تونس لتنافسية قطاعها الصناعي، بما يجمع بين النجاعة الطاقية والاستدامة البيئية والقدرة على الصمود أمام التحولات التنظيمية الدولية المرتقبة.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا