هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل
في 16 جويلية 2026، وقّع ممثلو 29 دولة في مدينة شنغهاي اتفاقية إنشاء المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي (WAICO). وتسعى هذه المنظمة الحكومية الدولية الجديدة، التي تقودها الصين وتتخذ من شنغهاي مقراً لها، إلى لعب دور مؤثر في تعزيز التعاون الدولي وصياغة القواعد المستقبلية الناظمة للذكاء الاصطناعي.
وحضر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مراسم التوقيع، فيما وقّع وزير الخارجية الصيني وانغ يي الاتفاق باسم بكين. وفي اليوم التالي، خصّص الرئيس الصيني شي جين بينغ كلمته الافتتاحية في المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي للدعوة إلى بناء منظومة دولية للحوكمة، وصفها بأنها أكثر عدالة وأكثر إتاحة لدول الجنوب.
ولم تكن تونس ضمن قائمة الدول التسع والعشرين الأولى الموقعة على الاتفاق.
ورغم أن هذا الغياب لن يؤثر، في الوقت الراهن، على تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي يستخدمها التونسيون يومياً، فإنه يطرح سؤالاً أعمق: ففي الوقت الذي تعيد فيه القوى الكبرى تنظيم عالم الذكاء الاصطناعي تدريجياً حول معايير جديدة وبنى تحتية ومجالات تعاون متنافسة، هل تمتلك تونس رؤية واضحة تحدد من خلالها المنصات الدولية التي ينبغي أن تكون حاضرة فيها؟
تُعد WAICO منظمة دولية حكومية مستقلة، يقع مقرها في مدينة شنغهاي. وينص اتفاقها التأسيسي على احترام مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، والعمل على تعزيز ذكاء اصطناعي «مفيد وآمن وعادل»، يخدم البشرية جمعاء.
ولا تهدف المنظمة إلى إنشاء حكومة عالمية للذكاء الاصطناعي تفرض قوانينها مباشرة على الدول، بل إلى إقامة إطار دائم يمكّن الدول الأعضاء من:
ودعا الرئيس شي جين بينغ، في هذا السياق، إلى تنسيق أفضل للاستراتيجيات الوطنية وقواعد الحوكمة والمعايير التقنية، مقدماً منظمة WAICO باعتبارها استجابة لاحتياجات دول الجنوب التي تعاني نقصاً في الكفاءات والبنية التحتية والقدرات الحاسوبية.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين أهداف المنظمة والالتزامات الخاصة بالصين. فقد أعلنت بكين، بشكل منفصل، أنها ستوفر خلال السنوات الخمس المقبلة خمسة آلاف فرصة تدريب في مجال الذكاء الاصطناعي للدول النامية، وستنشئ مراكز تعاون مع عدد من المنظمات الإقليمية، كما ستتيح لثلاثين دولة الاستفادة من نظامها للإنذار المبكر بالأحوال الجوية المعتمد على الذكاء الاصطناعي.
غير أن هذه المبادرات لا تعني أن جميع أعضاء WAICO سيستفيدون منها تلقائياً.
ولم تكشف المنظمة حتى الآن عن صندوق استثماري خاص بها، أو برنامج لإنشاء مراكز بيانات، أو آلية تلقائية لنقل التكنولوجيا. وبذلك، تفتح WAICO باباً سياسياً ومؤسسياً للتعاون، لكنها لا تقدم، في هذه المرحلة، تمويلاً مباشراً أو مزايا اقتصادية مضمونة.
تضم قائمة الأعضاء المؤسسين التسعة والعشرين كلاً من:
الصين، الجزائر، بيلاروسيا، البرازيل، كمبوديا، الكاميرون، جمهورية الكونغو، كوبا، إثيوبيا، إندونيسيا، كازاخستان، كينيا، قرغيزستان، لاوس، ليسوتو، ماليزيا، موزمبيق، ميانمار، نيكاراغوا، سلطنة عُمان، باكستان، روسيا، السنغال، صربيا، جنوب أفريقيا، طاجيكستان، أوزبكستان، فنزويلا، وزامبيا.
وتحظى القارة الأفريقية بحضور لافت داخل المنظمة من خلال عشر دول هي: الجزائر، الكاميرون، جمهورية الكونغو، إثيوبيا، كينيا، ليسوتو، موزمبيق، السنغال، جنوب أفريقيا، وزامبيا.
وبالنسبة إلى تونس، تكتسب مشاركة الجزائر أهمية خاصة. فرغم اختلاف التوازنات الدبلوماسية بين البلدين، أصبحت الجزائر اليوم عضواً في مؤسسة قد تُناقش مستقبلاً معايير تقنية وبرامج تدريب ومشاريع تعاون لن تكون تونس طرفاً فيها.
ولا تبدو قائمة الأعضاء المؤسسين نهائية حتى الآن. فبحسب الوزير الإندونيسي المكلف بتنسيق الشؤون الاقتصادية، لا تزال الدول الراغبة في الحصول على صفة عضو مؤسس قادرة على تقديم طلبات الانضمام حتى 30 جويلية. ولذلك، ينبغي النظر إلى غياب تونس، في هذه المرحلة، باعتباره غياباً عن قائمة الموقعين التسعة والعشرين الأوائل، وليس استبعاداً نهائياً.
ومع ذلك، تعكس تركيبة WAICO توجهاً سياسياً واضحاً، إذ تضم في معظمها دولاً آسيوية وأفريقية وأميركية لاتينية وأوراسية تنتمي إلى ما يُعرف بـ«الجنوب العالمي»، أو ترتبط بعلاقات استراتيجية وثيقة مع الصين.
في المقابل، تغيب عن المنظمة جميع القوى الغربية الكبرى في مجال التكنولوجيا، كما لا تضم الهند أو المملكة العربية السعودية أو الإمارات العربية المتحدة أو قطر، بينما تُعد سلطنة عُمان عضواً مؤسساً.
لأن المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي لم تعد تقتصر على النماذج والرقائق الإلكترونية أو مراكز البيانات، بل أصبحت تدور أيضاً حول وضع القواعد والمعايير.
فالجهة التي تسهم في تحديد معايير الأمن، ومتطلبات الشفافية، وقواعد تداول البيانات، والمواصفات التقنية، تمتلك تأثيراً مباشراً في أسواق المستقبل. فالشركات التي تتوافق تقنياتها مع المعايير السائدة ستكون أكثر قدرة على تسويق خدماتها، ونشر بنيتها التحتية، والفوز بالعقود الحكومية.
وحتى الآن، كانت نسبة كبيرة من المعايير الدولية الخاصة بالذكاء الاصطناعي تتبلور في إطار الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ومجلس أوروبا والأمم المتحدة. أما من خلال WAICO، فتسعى الصين إلى إنشاء قطب إضافي يركز بصورة أكبر على سيادة الدول، والتنمية الاقتصادية، وإتاحة التكنولوجيا، وتقليص الفجوة الرقمية.
وفي خطابه في شنغهاي، أكد الرئيس شي جين بينغ أن تطوير الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتحول إلى «عرض فردي» لدولة واحدة. كما انتقد التوسع في استخدام مبررات الأمن القومي، ووضع أمن دولة واحدة فوق أمن الدول الأخرى، في إشارة ضمنية إلى القيود الأمريكية المفروضة على الرقائق الإلكترونية المتطورة والتقنيات المستخدمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
وبذلك، تبدو WAICO بمثابة ثقل موازن للأطر التي تهيمن عليها القوى الغربية. ومع ذلك، سيكون من غير الدقيق اعتبارها النسخة الصينية من قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (AI Act).
فـ AI Act هو تشريع نافذ داخل سوق الاتحاد الأوروبي، في حين أن WAICO منظمة دولية للتعاون، ولا تزال قراراتها وآليات عملها المستقبلية قيد التأسيس. وقد يدافع الطرفان عن رؤيتين مختلفتين لحوكمة الذكاء الاصطناعي، لكنهما لا يمثلان الأداتين نفسيهما.
على المدى القصير، لا يكاد يتغير شيء.
فانضمام تونس إلى WAICO أو عدم انضمامها لن يغيّر غداً طريقة عمل ChatGPT أو Gemini أو الخدمات المصرفية أو المنصات الإدارية التي يستخدمها المواطنون.
أما على المدى المتوسط، فقد تسهم مؤسسات دولية من هذا النوع في تحديد:
فالقواعد التي ستنظم تدريجياً الحياة الرقمية للتونسيين ستُصاغ داخل عدد من المحافل الدولية. وغياب تونس لا يعني أنها لن تخضع لهذه القواعد، بل يعني فقط أنها قد تجد نفسها مطالبة بتطبيقها بعد أن يكون الآخرون قد شاركوا في صياغتها.
بالنسبة إلى الشركات التونسية العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي، لا تقتصر العقبة الأساسية على جودة مهندسيها، بل تشمل أيضاً الوصول إلى القدرة الحاسوبية، والبيانات، والتمويل، والأسواق العمومية، والشراكات الدولية.
ولا تضمن WAICO حتى الآن أيّاً من هذه المزايا، إلا أن الدول المؤسسة ستكون بطبيعة الحال في موقع أفضل للمشاركة في مجموعات العمل الأولى، وبرامج التدريب، والتبادل العلمي، والمشاريع التجريبية التي ستُطلق تحت مظلتها.
ومن ثم، قد تتمكن الشركات الجزائرية أو السنغالية أو الكينية أو الجنوب أفريقية من الاندماج بسرعة أكبر في بعض شبكات التعاون. وحتى الآن، يبقى ذلك احتمالاً وليس ميزة اقتصادية مثبتة.
أما بالنسبة إلى شركة ناشئة تونسية، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن بالضرورة في فقدان تمويل صيني لم يتوفر بعد، وإنما في اكتشافها متأخرة أن منافسين إقليميين سبقوها إلى المشاركة في وضع المعايير التقنية، وإقامة الشراكات، وبناء العلاقات المؤسسية.
ففي الاقتصاد الرقمي، لا تقوم الأفضلية على براءات الاختراع وحدها، بل تعتمد أيضاً على القرب من مراكز صناعة المعايير والتحالفات.
تمتلك تونس رصيداً بشرياً معترفاً به في المجال الرقمي. فقد احتلت المرتبة الثانية أفريقيا، بالتساوي مع مصر وخلف جنوب أفريقيا، في مؤشر جاهزية المواهب في الذكاء الاصطناعي لأفريقيا 2025، محققة 51.8 نقطة من أصل 100.
غير أن هذا الأداء يتناقض بشكل واضح مع ضعف الإطار المؤسسي.
ففي إصدار 2026 من المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي المسؤول، جاءت تونس في المرتبة 110 من أصل 135 دولة، بمجموع 16.37 نقطة، وسجلت صفراً في المحور المتعلق بالسياسات العامة الخاصة بالذكاء الاصطناعي.
وتتجلى المفارقة التونسية بوضوح:
فالبلاد تُخرّج مهندسين قادرين على العمل في مجال الذكاء الاصطناعي، لكنها لا تمتلك بعد إطاراً عمومياً يواكب مستوى هذه الكفاءات.
ولا يعني هذا الضعف أن الساحة خالية من المبادرات؛ إذ تعمل بالفعل جامعات وشركات ناشئة وباحثون ومؤسسات اقتصادية وبعض الإدارات على تطوير هذه التقنيات. غير أن هذه الجهود لم ترتقِ بعد إلى مستوى عقيدة وطنية واضحة تحدد الأولويات، والمسؤوليات، والقواعد، والتحالفات الاستراتيجية للدولة.
لا يمكن اختزال الإجابة في «نعم» أو «لا».
إن دولة تمتلك كفاءات بشرية، لكنها تفتقر إلى القدرات الحاسوبية والتمويل والبنية التحتية، من مصلحتها أن تكون حاضرة في المحافل التي تُناقش فيها هذه القضايا.
ومن شأن الانضمام إلى WAICO أن يتيح لتونس:
وصحيح أن العضوية لا تضمن أي تمويل، لكنها تمنح البلاد صوتاً، وإمكانية الوصول إلى المعلومات، وشبكة من العلاقات الدولية.
لا تزال WAICO مؤسسة حديثة العهد، ولم تثبت بعد مدى فعاليتها. فما زالت أمانتها العامة، وآليات اتخاذ القرار، وميزانيتها، وطرق تمويلها، وحجم تأثيرها الفعلي، غير معروفة بالتفصيل.
وقد يمنح الانضمام المبكر إلى منظمة مرشحة لأن تصبح مؤثرة ميزة استراتيجية، لكن الانضمام إلى مؤسسة قد تبقى في حدود التصريحات السياسية قد يستنزف الجهد الدبلوماسي من دون نتائج ملموسة.
ومن ثم، فإن التحفظ لا يعني تجاهل WAICO، بل يقتضي تقييمها بجدية، من حيث الالتزامات القانونية، والتكاليف، وآليات الحوكمة، والبرامج المتاحة، ومدى انسجامها مع الالتزامات الدولية الأخرى لتونس.
لا تستطيع تونس دراسة خيار الانضمام إلى WAICO بمعزل عن علاقتها بالاتحاد الأوروبي.
ففي عام 2025، استحوذ الاتحاد الأوروبي على 59.5% من المبادلات التجارية الخارجية لتونس، كما استقبل 73.2% من صادراتها، وظل المستثمر الأجنبي الأول في البلاد.
ولذلك، ستظل نسبة من الشركات التونسية مطالبة بالامتثال للمعايير الأوروبية، ولا سيما عند تقديم الخدمات أو تطوير أنظمة موجهة إلى السوق الأوروبية.
لكن هذا لا يعني أن الانضمام إلى WAICO يفرض تلقائياً الاصطفاف إلى جانب الصين في مواجهة أوروبا. فهناك دول عديدة تتعاون رقمياً مع بكين، مع احتفاظها بعلاقات اقتصادية وثيقة مع الدول الغربية.
وبإمكان تونس اعتماد استراتيجية تقوم على تنويع الشراكات: التعاون مع الاتحاد الأوروبي في ما يتعلق بالنفاذ إلى الأسواق، وحماية الحقوق، والامتثال التنظيمي، مع العمل في الوقت ذاته مع الصين ودول الجنوب في مجالات البنية التحتية، والتكوين، والبحث العلمي، والتطبيقات.
ولا يكمن الخطر بالضرورة في المشاركة في المسارين معاً، بل في غياب معايير واضحة تحدد ما الذي تقبله تونس أو ترفضه أو تتفاوض بشأنه داخل كل منهما.
لعل السؤال الأهم ليس: «لماذا لم تكن تونس حاضرة في شنغهاي يوم 16 جويلية ؟»
بل السؤال هو:
هل اتخذت تونس قراراً بعدم الانضمام، أم أنها غابت لأن أياً من مؤسساتها لم يكن مكلفاً باتخاذ القرار؟
فرفض الانضمام إلى WAICO قد يكون خياراً منطقياً، شريطة أن يستند إلى تقييم دقيق للتكاليف والمخاطر والمكاسب.
كما أن الانضمام إليها قد يكون خياراً منسجماً، بشرط عدم الخلط بين التعاون التكنولوجي والاصطفاف الدبلوماسي، مع الحفاظ على السيادة التنظيمية للدولة.
أما الانتظار، فقد يكون بدوره خياراً معقولاً إذا كان يهدف إلى الحصول على ضمانات ومتابعة النتائج الأولى لعمل المنظمة، لكنه يصبح إشكالياً عندما يكون مجرد انعكاس لحالة من الجمود.
وفي جميع الأحوال، ينبغي أن يستند قرار الانضمام أو عدمه إلى موقف تونسي واضح بشأن عدد من القضايا الأساسية: مع من تتعاون البلاد؟ وما البيانات التي يمكن أن تغادر أراضيها؟ وما البنى التحتية التي تُعد استراتيجية؟ وما المعايير التي ينبغي حمايتها؟ وما النماذج التي يجب دعمها؟ وما أشكال التبعية التي ينبغي تجنبها؟
وتقود جميع هذه الأسئلة إلى النقص ذاته: غياب استراتيجية وطنية حقيقية للذكاء الاصطناعي، مدعومة بمنظومة حوكمة واضحة، وجدول زمني محدد، ومسؤوليات مؤسسية معلنة.
وفي الوقت الذي تعيد فيه القوى الكبرى تنظيم عالم الذكاء الاصطناعي تدريجياً عبر شبكات النفوذ، لا تزال تونس تمتلك ميزة ثمينة تتمثل في رأس مالها البشري.
غير أن الدولة التي تمتلك الكفاءات دون أن تحدد عقيدتها الاستراتيجية، تجد نفسها في نهاية المطاف تضع مهندسيها في خدمة استراتيجيات صيغت في أماكن أخرى.
وربما تكون هذه هي الرسالة الأبرز التي حملتها قمة شنغهاي: في الجغرافيا السياسية للذكاء الاصطناعي، فإن الدولة التي لا تختار موقعها بنفسها، قد تكتشف أن الآخرين اختاروا لها ذلك الموقع.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية