آخر الأخبار

تونس – المؤسسات الصغرى… كبيرة بطموحها في إفريقيا

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تراهن تونس اليوم على القارة الإفريقية كامتداد طبيعي لاقتصادها المنفتح، بعدما ظلّ السوق الأوروبي يستحوذ لعقود على الحصة الكبرى من مبادلاتها الخارجية.

وتكشف الأرقام حجم هذا التحوّل التدريجي، إذ ارتفعت صادرات تونس نحو أسواق الكوميسا بنسبة تناهز 50,2 بالمائة خلال الفترة الممتدة بين 2019 و2025، لتنتقل من 1,9 مليار دينار إلى قرابة 2,86 مليار دينار، بعد أن كانت قد بلغت ذروتها سنة 2023 متجاوزة عتبة 3 مليارات دينار. وتؤكد هذه المعطيات أن الفضاء الإفريقي لم يعد مجرد خيار تكميلي، لكنه أصبح رافعة استراتيجية لتنويع الشراكات التجارية التونسية بعيدا عن التبعية المفرطة للسوق الأوروبية التي استقطبت وحدها 70,4 بالمائة من إجمالي الصادرات التونسية خلال النصف الأول من سنة 2026.

تعبئة أدوات التمويل والضمان

تضطلع المنظومة البنكية والمالية التونسية بدور محوري في مرافقة المؤسسات الصغرى والمتوسطة الراغبة في اقتحام الأسواق الإفريقية، عبر شبكة من الآليات المتخصصة. وتتصدّر الشركة التونسية لتأمين التجارة الخارجية “كوتيناس” هذه المنظومة، حيث توفّر منتوج “ضمان فينانس” الذي يغطي عمليات التمويل لمرحلة ما قبل الشحن، بعد أن تم الترفيع في أسقف التغطية إلى مليون دينار لكل عملية تصديرية سواء للسلع أو الخدمات، مع توسيع مجال تدخلها ليشمل تأمين الانتصاب بالخارج ومختلف الكفالات اللازمة للعمليات التصديرية.

وتنسّق كوتيناس جهودها مع القطاع البنكي عبر اتفاقيات شراكة تمكّن المؤسسات المصدّرة من تمويل صادراتها اعتمادا على الضمان الذي توفره الشركة، فيما يواصل صندوق النهوض بالصادرات “فوبروداكس” تقديم دعم مالي سنوي لما يقارب ألف مؤسسة مصدّرة باعتمادات تصل إلى 100 مليون دينار.

دخول لاعبين قاريين جدد على خط التمويل

تتّجه الدينامية الحالية نحو تعزيز الشراكة مع مؤسسات التمويل الإفريقية الكبرى، وهو ما يفتح آفاقا جديدة أمام البنوك التونسية لتوسيع باقة عروضها الموجهة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة. ويبرز في هذا السياق التعاون المتنامي مع البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد “أفريكسيم بنك”، الذي أبدى استعداده لتوفير الموارد المالية اللازمة لتمويل ودعم المشاريع الاقتصادية خاصة الصغرى والمتوسطة ومرافقة الشركات المصدّرة للنفاذ إلى الأسواق الإفريقية، في إطار مشروع مركز تجاري إفريقي متعدد الاختصاصات سيحتضن فرعا للبنك بتونس.

وتسعى الأطراف المهنية أيضا إلى إرساء تواصل متقدم مع بنك التجارة والتنمية لشرق وجنوب أفريقيا، بهدف إحداث خطوط تمويل موجهة تحديدا للمؤسسات الصغرى والمتوسطة الراغبة في الاستثمار أو التصدير نحو الأسواق الإفريقية، وتطوير آليات ضمان مخاطر الاستثمار وتسهيل أدوات التمويل التجاري خاصة عبر الاعتمادات المستندية.

نتائج ملموسة رغم التحديات

تعكس المؤشرات القطاعية الأخيرة نجاعة نسبية لهذه المجهودات، إذ سجّلت الصادرات التونسية نحو عدد من الأسواق العربية والإفريقية القريبة نموا لافتا خلال النصف الأول من 2026، على غرار الارتفاع الملحوظ نحو مصر بنسبة 104,8 بالمائة والسعودية بنسبة 52,4 بالمائة، في وقت واصلت فيه صادرات المنتجات الفلاحية والغذائية، وعلى رأسها زيت الزيتون، نموها القوي. غير أن الطريق لا يزال طويلا أمام ترسيخ هذا التوجه، ذلك أن حصة تأمين الصادرات والقروض مجتمعة لم تتجاوز 0,7 بالمائة فقط من إجمالي رقم معاملات قطاع التأمين، وهي نسبة تكشف محدودية انخراط المنظومة المالية في تغطية مخاطر التصدير مقارنة بحجم الفرص المتاحة. كما تظل تغطية مخاطر التصدير محصورة في عدد محدود من الفاعلين، مما يستدعي مزيدا من الانفتاح والتنويع.

وتنكبّ السلطات التونسية حاليا على استكمال استراتيجية وطنية للنهوض بالمؤسسات الصغرى والمتوسطة، يُنتظر الشروع في تنفيذها بداية من سنة 2026، وتتضمن في جزء منها دعم السيولة وتيسير النفاذ إلى مصادر التمويل المباشر وغير المباشر، إلى جانب تحديث الأطر التشريعية والقانونية بما يتلاءم مع متطلبات السوق وأحدث الممارسات الدولية.

كما تترافق هذه الجهود مع انخراط تونس في اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية “زليكاف” وانضمامها إلى الكوميسا، وهو ما يمنح البنوك المحلية إطارا مؤسساتيا أوسع لتطوير منتجات تمويلية وتأمينية ملائمة لخصوصيات التجارة البينية الإفريقية، من اعتمادات مستندية مبسّطة إلى خطوط تمويل مخصصة لمرافقة الباعثين الشبان والمؤسسات الناشئة.

يتّضح مما سبق أن المنظومة البنكية والمالية التونسية دخلت فعليا مرحلة إعادة تموضع استراتيجي تجاه القارة الإفريقية، مدعومة بأدوات ضمان وتأمين وتمويل تتطور تدريجيا. غير أن استدامة هذا التوجه تبقى رهينة بمدى قدرة البنوك على الترفيع في نسب تغطية المخاطر، وتعميق الشراكة مع المؤسسات المالية القارية، وتبسيط النفاذ إلى التمويل لفائدة المؤسسات الصغرى والمتوسطة التي تظل الحلقة الأضعف رغم كونها الفاعل الأكثر قدرة على اقتحام أسواق الجوار الإفريقي بمرونة وكلفة تنافسية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا