هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجلتتحوّل موجات الحر المتلاحقة التي تضرب حوض المتوسط وسهول المغرب العربي، بوتيرة تتسارع عاماً بعد عام، من ظاهرة مناخية عابرة إلى متغيّر اقتصادي كلي يعيد تشكيل موازنات الدول وسلاسل الإنتاج والاستهلاك في آنٍ واحد.
وتكتسب هذه الظاهرة في شمال أفريقيا بعداً استراتيجياً خاصاً، إذ تتقاطع فيها ندرة المياه البنيوية مع اقتصادات لا تزال شديدة الاعتماد على الزراعة البعلية والسياحة الساحلية والطاقة المستوردة، ما يجعل كل درجة حرارة إضافية عبئاً يُقاس بالعملة الصعبة قبل أن يُقاس بالميزان الحراري.
فاتورة عالمية تُقاس بالمليارات
تكشف التقديرات الدولية الحديثة عن حجم العبء المالي الذي باتت الحرارة الشديدة تفرضه على الاقتصادات، بما يمنح صورة استرشادية عن حجم المخاطر التي تتهدد اقتصادات أضعف تحصيناً. ففي الولايات المتحدة وحدها، بلغت الكلفة الاقتصادية للحرارة الشديدة خلال عام 2024 نحو 162 مليار دولار، أي ما يعادل قرابة واحد بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفق بيانات مستندة إلى أجندة السياسات الحرارية الصادرة عن اتحاد العلماء الأمريكيين.
وتضاف إلى ذلك خسائر الكوارث الطبيعية المؤمَّن عليها عالمياً التي بلغت 107 مليارات دولار خلال عام 2025 وحده، مدفوعة أساساً بالعواصف الرعدية الشديدة وحرائق الغابات المرتبطة بالجفاف. وتُظهر هذه الأرقام أن كلفة الحرارة أصبحت تضاهي خسائر المواسم الإعصارية الكبرى، وهو ما يستدعي إدراجها ضمن حسابات المخاطر السيادية المنهجية بدل معالجتها كأزمة موسمية طارئة.
القارة الأفريقية في عين العاصفة الحرارية
تتقدّم منطقة شمال أفريقيا في صدارة المناطق الأكثر تأثراً بهذا التحوّل المناخي داخل القارة. فقد أظهر تقرير حديث للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن الظواهر الجوية المتطرفة أثّرت على ما لا يقل عن 13 مليون شخص في أفريقيا خلال عام 2025 وحده، وتسبّبت في وفاة أكثر من ثلاثة آلاف شخص، فيما احتل متوسط درجة حرارة الهواء السطحي مرتبة بين الثالثة والسابعة ضمن أكثر الأعوام دفئاً في تاريخ السجلات الأفريقية، مع تسجيل أعلى حالات الشذوذ الحراري تحديداً على طول السواحل المتوسطية للجزائر وتونس. ويعكس هذا التركّز الجغرافي حجم التحدي الذي تواجهه اقتصادات المغرب العربي تحديداً، التي تعتمد بدرجة كبيرة على قطاعات شديدة الحساسية للمناخ كالزراعة والسياحة الساحلية والطاقة.
تتراجع الإنتاجية الزراعية في المنطقة بوتيرة تنذر بمخاطر بنيوية على الأمن الغذائي والميزان التجاري معاً. فقد انخفض إنتاج القمح في المغرب بنسبة تقارب 43 بالمئة نتيجة توالي سنوات الجفاف، ما دفع الرباط إلى رفع حصص الاستيراد رغم تحقيقها اكتفاءً ذاتياً في الخضر والفواكه بفضل سياسة السدود، بينما استوردت الجزائر أكثر من 95 بالمئة من احتياجاتها من القمح خلال العام الماضي وفق تصريحات رسمية.
وتجاوزت كل من تونس والجزائر وليبيا بالفعل عتبة ندرة المياه الحرجة التي حددتها منظمة الأغذية والزراعة، فيما يهدد تسرب المياه المالحة والعواصف المدّية في دلتا النيل نحو 30 بالمائة من الأراضي الزراعية الخصبة في مصر، وهي منطقة تتركز فيها كثافة سكانية وإنتاجية عالية. وتتوقع الدراسات أن يتراجع إنتاج المحاصيل في القارة الأفريقية بنسبة 2.9 بالمئة بحلول عام 2030، لترتفع النسبة إلى ما بين 18 و30 بالمئة بحلول منتصف القرن إذا استمر الاحترار على مساره الحالي. وتنعكس هذه الأرقام مباشرة على فاتورة الاستيراد الغذائي وعلى استقرار الأسعار المحلية في اقتصادات تستورد أصلاً جزءاً كبيراً من احتياجاتها الاستراتيجية من الحبوب.
إجهاد مائي هيكلي
تتفاقم أزمة المياه في المغرب بشكل خاص، إذ تتجاوز الكمية المستغَلة من المياه الجوفية سنوياً، والبالغة 3.68 مليار متر مكعب، القدرة القابلة للاستغلال المستدام بنحو 240 مليون متر مكعب سنوياً. وتنتقل المملكة بذلك من مرحلة الندرة المائية إلى مرحلة الإجهاد المائي الكامل، مع توقعات رسمية بفقدان نحو 30 بالمائة من مواردها المائية بحلول عام 2050، في وقت تراجعت فيه الواردات المائية من نحو 12 مليار متر مكعب في الفترة بين 1945 و2013 إلى نحو 3.2 مليارات متر مكعب فقط خلال السنوات الأخيرة، أي بتراجع يقارب 67 بالمائة وفق تصريحات وزير التجهيز والماء المغربي.
ويستدعي هذا الواقع استثمارات ضخمة في تحلية المياه، على غرار محطة أغادير التي تُنجَز بكلفة تقارب 112 مليون دولار لإنتاج 36 مليون متر مكعب سنوياً وتلبية احتياجات نحو 800 ألف نسمة، إضافة إلى محطتي الجرف الأصفر وآسفي بطاقة إجمالية تناهز 100 مليون متر مكعب سنوياً، وهو نموذج بدأت تونس والجزائر بتعميم نظائر منه على سواحلهما.
في ذات السياق، تختبر شبكات الكهرباء في المنطقة قدرتها على الصمود أمام أحمال قياسية متكررة، ففي مصر، قفز الاستهلاك اليومي للكهرباء إلى مستويات غير مسبوقة تجاوزت 40 ألف ميغاواط خلال صيف 2025، متخطياً الحمل القياسي المسجَّل في العام السابق والبالغ 38 ألف ميغاواط بأكثر من 2000 ميغاواط، مع تسجيل درجات حرارة بلغت 49.8 درجة مئوية في أسوان و41 درجة في القاهرة الكبرى.
وتشير تقديرات الحكومة المصرية إلى أن معدلات استهلاك الكهرباء ترتفع بنسبة تتراوح بين 15 و20 بالمئة خلال أشهر الصيف مقارنة بمتوسط باقي أشهر السنة، مع توقعات بزيادة إضافية بنحو 8 بالمئة خلال صيف 2026 مقارنة بالعام الماضي. ويستحوذ الاستهلاك المنزلي، المرتبط أساساً بأجهزة التبريد التي تمثل بمفردها ما بين 40 و60 بالمئة من استهلاك الكهرباء المنزلي صيفاً، على النسبة الأكبر من إجمالي الاستهلاك بواقع 36.3 بالمائة.
وتنجح الشبكة القومية حتى الآن في استيعاب هذه القفزات دون انقطاعات مبرمجة، لكن الكلفة المالية لتأمين الوقود الإضافي لمحطات التوليد تظل تحدياً متصاعداً يُثقل كاهل الموازنة العامة، وهو نمط تعكسه أيضاً توقعات مشغلي الشبكات الكبرى عالمياً بوصول الطلب على الكهرباء إلى مستويات قياسية خلال موجات الحر الصيفية.
السياحة تعيش مفارقة الصمود والهشاشة
تُظهر السياحة، وهي أحد أكثر القطاعات ارتباطاً بالمناخ في المنطقة، مفارقة لافتة بين الهشاشة أمام الصدمات المناخية والجيوسياسية من جهة، والقدرة على التعافي من جهة أخرى. ففي تونس، حيث يسهم القطاع بأكثر من 13 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي ويدعم نحو 350 ألف وظيفة مركّزة في المناطق الساحلية الأكثر عرضة للإجهاد الحراري، بلغت الإيرادات السياحية 3.352 مليارات دينار (نحو 1.13 مليار دولار) خلال النصف الأول من عام 2026، بنمو بلغ 4.4 بالمائة على أساس سنوي، مع توقعات باستقبال أكثر من 12 مليون سائح خلال العام الحالي مقارنة بنحو 11 مليون في 2025.
وفي المغرب، استقبلت المملكة 19.8 مليون سائح خلال عام 2025 وتستهدف الوصول إلى 22 مليوناً في 2026 و26 مليوناً بحلول 2030، بينما سجّلت مصر أداءً استثنائياً بنمو بلغ 43 بالمئة في عدد الوافدين خلال الربع الأول من 2026 مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق. غير أن هذا الزخم يظل مهدداً ببنية تحتية سياحية شديدة التركّز في الشريط الساحلي، حيث تتضاعف كلفة التبريد والطاقة والمياه مع كل موجة حر، ما يجعل استدامة هذا النمو رهينة بمدى قدرة الوجهات المتوسطية على التكيف مع مناخ أكثر تطرفاً.
الإنتاجية : أثر صامت لكنه تراكمي
تتراجع إنتاجية العمل في القطاعات المكشوفة كالبناء والزراعة والصيد كلما ارتفعت درجات الحرارة الفعلية والرطوبة النسبية، وهو نمط رصدته منظمة العمل الدولية على المستوى العالمي ضمن تقديراتها لأثر الإجهاد الحراري على ساعات العمل الفعلية، وهو أثر يتضاعف في مناخ شمال أفريقيا شبه القاحل حيث تتزايد موجات الحر المركبة التي تستمر ليلاً ونهاراً في المناطق الساحلية نتيجة التداخل بين الحرارة والرطوبة.
ويرفع هذا النمط من مستوى الإجهاد الحراري الفعلي حتى في المناطق التي تبدو قيمها المطلقة أقل حدة من المناطق الصحراوية، ما يستدعي إعادة النظر في توقيت العمل الميداني وساعات الذروة الإنتاجية في القطاعات الحساسة.
تتيح هذه التحديات، رغم قسوتها، نافذة اقتصادية واعدة إذا أُحسن استثمارها ذلك ان تونس تخطط لتوفير 1700 ميغاواط إضافية من الطاقة بحلول 2026 بهدف رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 17 بالمائة من المزيج الطاقي، بينما تستهدف مصر الوصول بالطاقات المتجددة إلى 42 بالمائة من إجمالي التوليد بحلول 2030 و65 بالمئة بحلول 2040.
ويحتاج التوسع في الطاقات المتجددة والتحلية وإدارة الموارد المائية بكفاءة أعلى إلى أن يتحول إلى قطاع منتج للوظائف والقيمة المضافة، لا مجرد كلفة تكيّف إضافية. وتحتاج سياسات المنطقة، حسب خبراء متعددين، إلى الانتقال من الحلول الظرفية القصيرة الأمد والتمويل المحدود إلى إصلاحات هيكلية تدمج السيناريوهات المناخية المستقبلية في التخطيط الترابي والزراعي والطاقي، بما يحوّل موجات القيظ تدريجياً من عامل تعطيل متكرر إلى محفّز لإعادة هيكلة نماذج النمو الاقتصادي في شمال أفريقيا نحو مزيد من المرونة والاستدامة.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية