آخر الأخبار

الطاقة المتجددة في تونس: من الخيار البيئي إلى الضرورة الاقتصادية

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تمضي تونس نحو إعادة رسم خريطتها الطاقية عبر استراتيجية وطنية تستهدف رفع مساهمة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء إلى 80 بالمائة بحلول سنة 2050، مرورا بمحطتين وسيطتين حاسمتين : 35 بالمائة في أفق 2030 و50 بالمائة بحلول 2035.

ويرافق هذا المسار التصاعدي التزام بخفض الانبعاثات الكربونية بنسبة 62 بالمائة في أفق 2035، وفق ما كشفه المدير العام للوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة، نافع بكاري، في تصريحات لوكالة تونس أفريقيا للأنباء. ويكتسي هذا التوجه بعدا اقتصاديا كليا بامتياز، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد تحول تقني في مصادر الطاقة، بقدر ما يهم إعادة هيكلة عميقة لميزان المدفوعات الطاقي ولفاتورة الدعم التي تثقل كاهل المالية العمومية منذ سنوات.

حصيلة تراكمية

تراكمت، منذ إحداث الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة سنة 1985، وفورات طاقية بما يعادل 14 مليون طن مكافئ نفط، بقيمة اقتصادية إجمالية تناهز 14 ألف مليار دينار، وهو رقم يعكس حجم المردود الذي يمكن أن تحققه سياسات النجاعة الطاقية على المدى الطويل.

وتبلغ نسبة مساهمة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء حاليا نحو 9 بالمائة فقط، وهي نسبة تظل متواضعة قياسا بالأهداف المرسومة، لكنها تشهد تسارعا ملحوظا مع دخول محطات جديدة حيز الاستغلال في القيروان وتوزر وسيدي بوزيد، بلغت قدرتها المركبة من الطاقات المتجددة نحو 1074 ميغاواط حتى فبراير 2026، موزعة بين الإنتاج المركزي والإنتاج الذاتي في القطاعين السكني والصناعي الذي بلغ فيه نحو 444 ميغاواط للمساكن و113 ميغاواط للمؤسسات الصناعية والفلاحية.

تستعد تونس لإنجاز محطات جديدة في كل من سيدي بوزيد وقفصة وقابس، إلى جانب إطلاق طلبات عروض لمشاريع شمسية إضافية بقدرة 600 ميغاواط ومشاريع لطاقة الرياح بقدرة 900 ميغاواط، وهو ما سيرفع القدرة المركبة المستهدفة إلى نحو 4800 ميغاواط بحلول سنة 2035.

ويندرج هذا التوسع ضمن نظام اللزمات، أحد الأنظمة الثلاثة التي أرساها القانون عدد 12 لسنة 2015 المتعلق بإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة، والذي فتح المجال أمام شركاء دوليين على غرار سكاتيك النرويجية وفولتاليا وكير الفرنسيتين للاستثمار في محطات إنتاج محلية. وتراهن السلطات على أن تسهم هذه المشاريع في خفض كلفة إنتاج الكهرباء، إذ تتراوح أسعار بيع الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة بين 98 و124 مليما للكيلوواط ساعة، مقابل كلفة تقارب 300 مليم للكهرباء المنتجة اعتمادا على الغاز الطبيعي المورد، وهو فارق يحمل دلالة اقتصادية مباشرة على موازنة الدولة.

النقل والبناء في قلب معادلة الاستهلاك

يستحوذ قطاع البناء على النصيب الأكبر من استهلاك الطاقة في تونس بنسبة 36 بالمائة، يليه قطاع النقل بنسبة 34 بالمائة، علما بأن هذا الأخير يظل الأكثر إسهاما في الانبعاثات الكربونية، وهو ما يفسر تركيز الاستراتيجية الوطنية على كهربة وسائل النقل وتشجيع اقتناء السيارات الكهربائية.

ويعتمد إنتاج الكهرباء في تونس حاليا بنسبة تتراوح بين 97 و98 بالمائة على الغاز الطبيعي، في وضعية تكشف هشاشة بنيوية عمقتها ضغوط الإمدادات، حيث تراجع الاستقلال الطاقي للبلاد إلى نحو 36 بالمائة فقط بحلول فيفري 2026، ما يعني اعتمادا على الواردات، خصوصا الغاز الجزائري، لتغطية نحو 64 بالمائة من الحاجيات. ويفرض هذا الواقع تنويعا عاجلا لمصادر الإنتاج عبر التوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والغاز الحيوي والطاقة المستخرجة من تثمين النفايات.

هذا ويوفر صندوق الانتقال الطاقي، الذي يحمل هذه التسمية منذ سنة 2017، منحا تتراوح بين 20 و50 بالمائة لفائدة المواطنين والمؤسسات لإنجاز مشاريع النجاعة الطاقية والطاقات المتجددة، إلى جانب تمويل الدراسات وبرامج التكوين بنسبة تصل إلى 70 بالمائة، والمساهمة في توفير آليات تمويل إضافية للمشاريع.

وتستفيد تونس أيضا من تمويلات دولية، من بينها صندوق المناخ الأخضر لدعم مشاريع إزالة الكربون، في ظل تشديد متزايد للمعايير البيئية في الأسواق العالمية يستوجب تقليص البصمة الكربونية للمنتجات التونسية الموجهة للتصدير. ويأتي ذلك في سياق مالي حساس، إذ يُتوقع أن تبلغ نفقات دعم المحروقات والكهرباء لسنة 2026 نحو 5 مليارات دينار، مقابل 5.7 مليار دينار خلال سنة 2025، ما يجعل نجاح الانتقال الطاقي رهانا مباشرا على تخفيف الضغط عن الميزانية العامة.

يشار الى ان تونس صُنفت ضمن أفضل 20 دولة من أصل 120 دولة في مجال النجاعة الطاقية، كما احتلت خلال سنتي 2025 و2026 المرتبة 62 عالميا ضمن مؤشر الانتقال الطاقي من بين 118 و130 دولة على التوالي، والمرتبة الثانية على المستوى الإفريقي.

وتكتسب هذه المراتب أهمية خاصة في ظل مشاريع إقليمية طموحة مثل الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا، الذي يمكن أن يحول البلاد إلى مركز إقليمي للطاقة النظيفة. وتبقى التحديات قائمة، من ضخامة الاستثمارات المطلوبة إلى ضرورة تعزيز الشفافية في إسناد التراخيص، غير أن اتساق الأهداف الكمية مع أدوات التمويل والتصنيفات الدولية يمنح المسار التونسي مصداقية متصاعدة نحو تحقيق سيادة طاقية حقيقية بحلول منتصف القرن.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا