يمثل التمويل الجديد الذي أسنده البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية والبنك الأوروبي للاستثمار والاتحاد الأوروبي لفائدة مشروع المحطة الشمسية الفولطاضوئية بسيدي بوزيد بقيمة 61,3 مليون أورو، خطوة نوعية في مسار التحول الطاقي التونسي، ليس فقط من زاوية إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة، وإنما أيضا من منظور أوسع يتعلق بتعزيز الأمن الطاقي، وتقوية صمود قطاع الكهرباء، وتحسين التوازنات الاقتصادية الكلية للبلاد.
ويأتي هذا المشروع في سياق دولي وإقليمي يتسم بارتفاع مخاطر التبعية الطاقية وتقلبات أسعار الوقود الأحفوري، وهو ما جعل أمن الطاقة أحد أبرز رهانات السياسات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة. وفي هذا الإطار، تبرز تونس كواحدة من الدول التي تسعى إلى إعادة هيكلة نموذجها الطاقي تدريجيا بهدف تقليص هشاشتها تجاه الصدمات الخارجية وتحسين استدامة منظومتها الكهربائية.
وتكتسي المحطة الجديدة أهمية خاصة باعتبارها ستنتج نحو 252 جيغاواط ساعة من الكهرباء النظيفة سنويا بقدرة مركزة تبلغ 100 ميغاواط، بما يكفي لتغطية استهلاك عشرات الآلاف من الأسر التونسية من الكهرباء، فضلا عن مساهمتها في تقليص الانبعاثات الكربونية بنحو 107 آلاف طن سنويا من ثاني أكسيد الكربون على امتداد عمرها التشغيلي.
تنويع المزيج الطاقي
تواجه تونس منذ سنوات تحديات هيكلية في قطاع الطاقة نتيجة تراجع الإنتاج الوطني من المحروقات مقابل ارتفاع الطلب المحلي على الكهرباء والطاقة. وقد أدى هذا الوضع إلى اتساع العجز الطاقي وارتفاع فاتورة الواردات الطاقية، ما انعكس مباشرة على التوازنات المالية والميزان التجاري.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن أكثر من 95 بالمائة من إنتاج الكهرباء في تونس لا يزال يعتمد على الغاز الطبيعي، في حين يتم استيراد جزء مهم من هذا الغاز لتلبية حاجيات الإنتاج. كما تجاوز العجز الطاقي في بعض السنوات 50 بالمائة من الحاجيات الوطنية، الأمر الذي جعل تأمين الإمدادات الطاقية يمثل تحديا اقتصاديا واستراتيجيا متناميا.
وفي هذا السياق، يندرج مشروع سيدي بوزيد ضمن توجه وطني يرمي إلى تنويع المزيج الطاقي عبر رفع مساهمة الطاقات المتجددة، بما يحد من الارتهان للغاز الطبيعي ويخفف من الضغوط على المالية العمومية. فكل ميغاواط يتم إنتاجه من الطاقة الشمسية أو الريحية يساهم في تقليص واردات الغاز ويحد من تعرض الاقتصاد الوطني لتقلبات الأسواق الدولية للطاقة.
وتسعى تونس إلى بلوغ هدف استراتيجي يتمثل في إنتاج 35 بالمائة من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول سنة 2030، مقارنة بنسبة لا تزال دون 10 بالمائة حاليا، وهو ما يستوجب استثمارات ضخمة في مشاريع الإنتاج والنقل والتخزين والشبكات الذكية.
القطاع الخاص والاستثمار في الطاقات المتجددة
يمثل أحد أبرز أبعاد المشروع الجديد اعتماده على شراكة بين مستثمرين دوليين من القطاع الخاص، هما المجموعة النرويجية “سكاتك” والشركة اليابانية “أيولوس”، وهو ما يعكس تنامي جاذبية السوق التونسية للاستثمارات الخضراء.
وتؤكد التجارب الدولية أن نجاح الانتقال الطاقي لا يمكن أن يعتمد فقط على الموارد العمومية أو تمويل المؤسسات المالية الدولية، لكنه يتطلب تعبئة واسعة لرؤوس الأموال الخاصة. وتقدر الوكالة الدولية للطاقة أن الاقتصادات الناشئة تحتاج إلى مضاعفة استثماراتها السنوية في الطاقة النظيفة عدة مرات خلال العقد الحالي لتحقيق أهداف المناخ وأمن الطاقة.
ومن هذا المنطلق، يكتسب مشروع سيدي بوزيد أهمية مضاعفة باعتباره يوفر نموذجا عمليا لاستقطاب المستثمرين الدوليين نحو مشاريع إنتاج الكهرباء النظيفة في تونس. كما يبعث برسالة إيجابية للأسواق المالية والمؤسسات الاستثمارية بشأن قدرة البلاد على تطوير مشاريع كبرى وفق معايير التمويل المستدام والشراكة بين القطاعين العام والخاص.
ويعزز هيكل التمويل المعتمد جاذبية هذه المشاريع، حيث تستفيد القروض من آليات ضمان أوروبية متقدمة للحد من المخاطر الاستثمارية، إضافة إلى منحة بقيمة 5,5 ملايين أورو مخصصة للبنية التحتية المرتبطة بنقل الكهرباء. كما تندرج هذه المساهمة ضمن حزمة أوسع بقيمة 35,8 مليون أورو في إطار مبادرة “البوابة العالمية” الأوروبية لدعم استثمارات الطاقة المتجددة في تونس.
تقدم ملموس في إصلاح قطاع الطاقة
يعكس هذا الاستثمار الدولي الثقة المتزايدة في الإصلاحات التي تنفذها تونس في قطاع الطاقة اذ أطلقت السلطات خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الإجراءات الرامية إلى تحديث الإطار القانوني والتنظيمي للطاقات المتجددة وتحسين مناخ الاستثمار في القطاع الكهربائي.
ويشكل برنامج “لزمات الطاقة المتجددة” الذي تم إطلاقه سنة 2022 أحد أبرز مكونات هذه الاستراتيجية، إذ يستهدف تطوير مشاريع بطاقة جملية تبلغ 1,7 جيغاواط. وتكتسي هذه المشاريع أهمية كبرى بالنظر إلى أنها ستسمح برفع مساهمة الطاقات النظيفة في المنظومة الكهربائية الوطنية بشكل تدريجي خلال السنوات المقبلة.
وتنسجم هذه الجهود مع توجه أوسع يهدف إلى بناء قطاع كهربائي أكثر مرونة وقدرة على مواجهة التحديات المرتبطة بالنمو الاقتصادي والتغيرات المناخية وارتفاع الطلب على الطاقة. كما تساهم في تحسين تنافسية الاقتصاد التونسي من خلال توفير كهرباء أقل كلفة وأكثر استدامة للمؤسسات الصناعية والخدمية.
ويؤكد المسؤولون الأوروبيون أن نجاح مشروع سيدي بوزيد يعكس التقدم الملموس الذي تحرزه الحكومة التونسية في تنفيذ أجندتها الخاصة بإصلاح وتحويل قطاع الطاقة، وهو ما يفسر استمرار تدفق التمويلات الدولية الموجهة لهذا المجال الحيوي.
يعكس المشروع الجديد أيضا تطورا لافتا في الشراكة الاقتصادية بين تونس والاتحاد الأوروبي، خاصة بعد توقيع مذكرة التفاهم حول الطاقة خلال سنة 2024، والتي فتحت آفاقا جديدة للتعاون في مجالات الطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية والبنية التحتية الكهربائية.
وتتجاوز أهمية هذه الشراكة مجرد التمويل المالي لتشمل نقل الخبرات والتكنولوجيا وتعزيز القدرات البشرية والمؤسساتية. وفي هذا الإطار، يتضمن المشروع برنامجا للمساعدة الفنية يموله البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية من خلال صندوق المساهمين الخاص، بهدف تطوير المهارات المحلية وتلبية احتياجات سوق العمل الناشئة في قطاع الطاقة، خصوصا في ولايتي سيدي بوزيد وقابس.
وتبرز أهمية هذا البعد التنموي في ظل التحولات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر، حيث تشير تقديرات المنظمات الدولية إلى أن قطاع الطاقة النظيفة يمكن أن يصبح أحد أهم محركات خلق الوظائف والاستثمارات خلال العقود المقبلة.
يشكل مشروع المحطة الشمسية بسيدي بوزيد أكثر من مجرد استثمار في إنتاج الكهرباء، إذ يمثل لبنة جديدة في بناء نموذج تنموي يقوم على الاستدامة والابتكار والشراكة الدولية. فإلى جانب مساهمته في تعزيز أمن الطاقة وتقليص الانبعاثات الكربونية، يوفر المشروع دعما مباشرا للتوازنات الاقتصادية الكلية عبر الحد من التبعية الطاقية وتخفيف الضغط على احتياطات النقد الأجنبي.
وتؤكد المؤشرات أن تونس دخلت مرحلة جديدة من التحول الطاقي تقوم على الجمع بين الإصلاحات الهيكلية والتمويل الدولي واستقطاب القطاع الخاص. وإذا ما تواصل هذا النسق الاستثماري خلال السنوات المقبلة، فإن البلاد ستكون أقرب إلى تحقيق هدفها الاستراتيجي المتمثل في بناء منظومة كهربائية أكثر أمنا وقدرة على الصمود وتنافسية، بما يدعم النمو الاقتصادي المستدام ويعزز موقعها كشريك موثوق في الاقتصاد الأخضر بمنطقة المتوسط وإفريقيا.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية