يقدّم دونالد ترامب المذكرة المبرمة مع إيران باعتبارها انتصارًا دبلوماسيًا قادرًا على وضع حدّ لنحو أربعة أشهر من الحرب. لكن في واشنطن، يثير عدم نشر نص الاتفاق سؤالًا يزداد إلحاحًا: ماذا وقّع البلدان فعليًا؟
وقد صادق على الوثيقة دونالد ترامب ونائبه جاي دي فانس، ومن الجانب الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، المفاوض الرئيسي باسم طهران. ومن المنتظر أن تُضفي مراسم رسمية في جنيف الطابع الرسمي على هذا التفاهم.
من جهته، رحّب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بخطوة مهمة نحو خفض التصعيد، مع تذكيره بأن أي اتفاق نهائي لم يُبرم بعد. وهذه النقطة جوهرية: فالمذكرة تعلّق الأعمال العدائية وتفتح باب مفاوضات لمدة 60 يومًا، لكنها لا تحسم بعد أكثر الملفات حساسية، سواء النووية أو المالية أو الإقليمية.
يطالب عدد من النواب الأمريكيين، من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، بإحالة الوثيقة فورًا إلى الكونغرس.
واعترف زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، جون ثون، بأن النواب لا يملكون بعد النص الكامل. أما السيناتور الجمهوري توم تيليس، فتساءل عن كيفية التعامل بجدية مع اتفاق يبقى سريًا.
كما يطالب ليندسي غراهام، رغم قربه من دونالد ترامب وتأييده لخط متشدد تجاه إيران، بنشر الوثيقة الفعلية، بدل الاكتفاء بالروايات المتناقضة الصادرة عن واشنطن وطهران.
ومن الجانب الديمقراطي، دعا تشاك شومر إلى تقديم عرض عاجل للكونغرس وللرأي العام. وترى جين شاهين، العضو البارز في لجنة الشؤون الخارجية، أن أي اتفاق يتضمن التزامات نووية طويلة الأمد يجب أن يخضع للرقابة البرلمانية المنصوص عليها في التشريعات الأمريكية.
وبذلك يتجاوز الانزعاج حدود المعارضة الحزبية. فحتى بعض الداعمين المعتادين للرئيس يرفضون اتخاذ موقف قبل معرفة البنود الدقيقة للاتفاق.
تضع الوثيقة هدنة لمدة 60 يومًا وإطارًا للتفاوض بشأن حل دائم.
وتنص خصوصًا على:
وقف العمليات العسكرية الرئيسية؛
إعادة فتح تدريجية لمضيق هرمز؛
رفع تدريجي للحصار الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية؛
استئناف بعض صادرات النفط؛
مفاوضات تقنية حول البرنامج النووي؛
احتمال تخفيف العقوبات، شريطة احترام الالتزامات الإيرانية.
ويسمح هذا الإطار للطرفين بوقف القتال دون أن تكون الملفات الأكثر تعقيدًا قد حُسمت.
يتحدث دونالد ترامب منذ الآن عن السلام والانتصار. أما بزشكيان، فيشدد على الطابع الأولي للتفاهم وعلى ضرورة مواصلة المفاوضات.
يؤكد دونالد ترامب أن النص يمنع إيران بوضوح من إنتاج أو شراء أو امتلاك سلاح نووي.
غير أن هذا التصريح لا يجيب عن الأسئلة التقنية التي ستحدد الفعالية الحقيقية للاتفاق:
هل ستحتفظ إيران بحق تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية؟
ما هو المستوى الأقصى المسموح به؟
ما مصير مخزوناتها من اليورانيوم عالي التخصيب؟
هل سيتم تخفيف المواد داخل إيران أم نقلها إلى الخارج؟
ما هي عمليات التفتيش التي ستُفرض؟
من سيحدد وقوع أي خرق محتمل؟
ما العقوبات التي ستُعاد تلقائيًا في حال الإخلال بالاتفاق؟
وتؤكد الإدارة الأمريكية أن أي منفعة اقتصادية ستتوقف على إجراءات إيرانية قابلة للتحقق، خصوصًا بشأن مخزونات اليورانيوم ووصول المفتشين الدوليين.
لكن ما دام النص غير منشور، يظل من المستحيل معرفة ما إذا كانت الالتزامات دقيقة قانونيًا، أم مجرد أهداف سياسية صيغت بعبارات عامة.
تغذي المبالغ المتداولة بشأن الأصول الإيرانية المجمدة معركة روايات واسعة.
فوفق معلومات تم تداولها قبل إبرام المذكرة، كانت طهران تطالب بالحصول فورًا على نحو 12 مليار دولار، ثم ما يصل إلى 24 مليار دولار إضافية خلال فترة التفاوض الممتدة لـ60 يومًا.
وتحدثت صيغ أخرى من المشروع عن الإفراج عن 25 مليار دولار من الأصول المجمدة، وفق ترتيبات مالية مختلفة.
وتنفي واشنطن دفع أي مبلغ مباشر لإيران مقابل توقيع الاتفاق. وتؤكد الإدارة الأمريكية أن أي إفراج عن أصول أو تخفيف للعقوبات سيبقى تدريجيًا وخاضعًا للرقابة ومشروطًا بتنفيذ الالتزامات الإيرانية.
وتجعل هذه التباينات من الضروري إسناد كل رقم إلى مصدره، إذ لا ينبغي تقديم أي مبلغ على أنه نهائي ومؤكد ما لم تُنشر الوثيقة الرسمية.
يتعلق البند الأكثر إثارة للجدل بإمكانية إنشاء آلية لا تقل قيمتها عن 300 مليار دولار لتمويل إعادة إعمار إيران وإعادة إطلاق اقتصادها.
ويُفترض أن يقدّم مشروع المذكرة هذه الآلية تحت تسمية «صندوق استثمار دولي». وتسمح هذه الصياغة لواشنطن بوصفه كأداة استثمارية مشروطة، في حين كانت طهران قد طالبت في البداية بتعويضات عن الأضرار الناجمة عن الحرب.
وهذا التغيير في المفردات ليس تفصيلًا عابرًا. فكلمة «تعويضات» قد توحي باعتراف أمريكي بالمسؤولية، بينما تسمح كلمة «استثمار» بعرض الأموال على أنها حافز اقتصادي مرتبط بسلوك إيران المستقبلي.
وتؤكد الإدارة الأمريكية أن دافع الضرائب الأمريكي لن يمول هذه الآلية مباشرة. وستأتي رؤوس الأموال خصوصًا من دول خليجية، وشركات خاصة، ومستثمرين دوليين، وذلك رهناً بالتوصل إلى اتفاق نهائي واحترام طهران لشروط محددة.
لكن هذا الاحتمال أثار بالفعل موجة اعتراضات في الكونغرس.
فقد وصف ليندسي غراهام فكرة إنشاء صندوق لإعادة الإعمار بقيمة 300 مليار دولار بأنها منفصلة عن الواقع السياسي ما دام النظام الإيراني قائمًا. وقارنها بخطة مارشال تُمنح لألمانيا بينما كان النازيون لا يزالون في الحكم.
وتلخص هذه المقارنة مخاوف العديد من النواب: أن يتحول مخطط يفترض أن يهدف إلى استقرار المنطقة إلى تمويل لإعادة بناء الجهاز السياسي والعسكري نفسه الذي كانت واشنطن تقاتله قبل أيام قليلة.
تقدم البيت الأبيض إعادة فتح مضيق هرمز باعتبارها النتيجة الفورية الأبرز للاتفاق.
وقد عادت ناقلات النفط والسفن التجارية إلى الحركة، لكن المسؤولين الأمريكيين يحذرون من أن العودة إلى أحجام المرور المسجلة قبل الحرب ستستغرق وقتًا.
وتؤكد واشنطن أن العبور يجب أن يُستأنف دون فرض رسوم إيرانية. غير أن مسؤولين في طهران تحدثوا عن إمكانية فرض مقابل لخدمات مرتبطة بالأمن أو التأمين أو الحماية البيئية.
وتعتبر الولايات المتحدة أن فرض رسوم أحادية على المرور سيكون مخالفًا للقانون البحري الدولي.
لذلك لا تقتصر المسألة على إعادة فتح المضيق، بل تشمل أيضًا الجهة التي ستتحكم فعليًا في الملاحة بعد الهدنة.
قدمت إيران وبعض الوسطاء الهدنة على أنها تشمل جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان.
لكن إسرائيل وحزب الله ليسا طرفين موقّعين على الوثيقة الأمريكية الإيرانية.
وأوضحت الإدارة الأمريكية أن الوجود العسكري الإسرائيلي في لبنان لا يدخل ضمن الاتفاق. ولا يزال بنيامين نتنياهو يؤكد أن إسرائيل ستحتفظ بحرية التحرك ضد تهديدات حزب الله.
في المقابل، تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن انسحاب إسرائيلي وإنهاء للأعمال العدائية على الجبهة اللبنانية.
وتكشف هذه المفارقة حدود اتفاق جرى التفاوض بشأنه بين واشنطن وطهران، في محاولة لتثبيت الاستقرار في نزاعات تضم عدة أطراف مستقلة.
تؤكد البيت الأبيض أنه حصل على:
إنهاء الحرب؛
إعادة فتح مضيق هرمز؛
تعهد إيران بعدم امتلاك سلاح نووي أبدًا؛
رقابة دولية على البرنامج النووي؛
مزايا اقتصادية لا تُمنح إلا مقابل احترام قابل للتحقق للاتفاق المستقبلي.
أما طهران فتركز أكثر على:
إنهاء الحصار الأمريكي؛
إمكانية الاحتفاظ ببرنامج نووي مدني؛
الوصول التدريجي إلى أصولها المجمدة؛
المشاركة في إدارة مضيق هرمز؛
وجود صندوق واسع لإعادة الإعمار أو الاستثمار؛
توسيع خفض التصعيد ليشمل لبنان.
ويتهم دونالد ترامب السلطات الإيرانية بتقديم نسخة موجهة إلى الرأي العام الداخلي.
لكن ما دام النص سريًا، يستطيع كل طرف اختيار البنود التي تسمح له بادعاء النصر.
تصف البيت الأبيض الوثيقة بأنها مذكرة تفاهم، لا معاهدة دولية.
وقد يسمح هذا التوصيف لدونالد ترامب بتجنب تصويت للمصادقة يتطلب أغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ.
لكن إذا تناول الاتفاق النهائي البرنامج النووي ونص على تخفيف كبير للعقوبات، فقد يندرج ضمن نطاق القانون الأمريكي الخاص بمراجعة الاتفاقات النووية مع إيران، المعروف اختصارًا باسم INARA.
وقد أُقر هذا القانون عام 2015، وهو يمنح الكونغرس حق مراجعة الاتفاقات النووية المبرمة مع طهران.
وحتى من دون تصويت رسمي، يملك النواب عدة أدوات:
جلسات استماع برلمانية؛
طلبات للحصول على الوثائق؛
تحقيقات اللجان؛
قيودًا على الميزانية؛
الإبقاء على عقوبات تشريعية؛
إقرار شروط جديدة لتطبيق الاتفاق.
وبالتالي، فإن المعركة لا تتعلق فقط بمضمون المذكرة، بل أيضًا بمدى قدرة دونالد ترامب على قيادة السياسة الخارجية الأمريكية منفردًا.
أنتجت المذكرة نتيجة ملموسة: فقد توقفت العمليات العسكرية الرئيسية، وبدأت حركة المرور تعود تدريجيًا في مضيق هرمز.
لكن الاتفاق النهائي لا يزال غير موجود.
وينبغي أن تسمح الأيام الـ60 المقبلة بحسم:
مصير البرنامج النووي؛
مصير مخزونات اليورانيوم المخصب؛
عمليات التفتيش الدولية؛
رفع العقوبات؛
مليارات الدولارات المجمدة؛
تمويل الصندوق الدولي؛
الآليات المقررة في حال حدوث خرق؛
النطاق الفعلي للهدنة في لبنان.
ومن خلال رفضها حتى الآن نشر النص فورًا، حوّلت الإدارة الأمريكية انتصارًا دبلوماسيًا محتملًا إلى موضوع شك سياسي.
لقد حصل ترامب على هدنة. لكنه ما زال مطالبًا بإثبات أنها يمكن أن تتحول إلى سلام دائم.
بالنسبة إلى تونس، لا تندرج بنود هذا الاتفاق في خانة الدبلوماسية البعيدة فقط.
فإعادة فتح مستدامة لمضيق هرمز وتراجع المخاطر العسكرية قد يخففان الضغط على أسعار النفط، وأقساط التأمين البحري، والنقل الجوي، وكلفة الشحن.
ومن شأن ذلك أن يخفف بشكل غير مباشر فاتورة الطاقة التونسية وكلفة بعض الواردات.
في المقابل، فإن فشل المفاوضات النووية أو استئناف الضربات أو حدوث انسداد جديد في المضيق من شأنه أن يدفع الأسعار إلى الارتفاع مجددًا.
وتونس، مثل العديد من الاقتصادات المستوردة للطاقة، لا تعتمد في النهاية على تصريحات النصر الصادرة من واشنطن أو طهران بقدر ما تعتمد على التطبيق الفعلي لاتفاق لا تزال لا تعرف نصه الكامل.
توقفت حرب الصواريخ. لكن معركة أخرى تبدأ الآن: معركة الشفافية، والرقابة السياسية، وتحديد ما قبله البلدان فعليًا.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية