آخر الأخبار

مفارقة الحجم: لماذا تتراجع ربحية شركات التأمين كلما كبرت ؟

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

يمثل التأمين على الحياة أحد أهم أدوات الادخار والحماية المالية للأسر والاقتصاد على حد سواء، لأنه يقوم على علاقة تمتد لعقود بين المؤمن له وشركة التأمين ولذلك فإن قرار اختيار الشركة لا يتعلق فقط بمستوى الأقساط أو طبيعة الخدمات، بقدر ما يعكس رهانًا طويل الأجل على قدرة المؤسسة على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية. وفي هذا السياق، تقدم دراسة أكاديمية حول سوق التأمين على الحياة في تونس نتائج لافتة تعيد النظر في كثير من المعايير التقليدية التي يعتمدها الأفراد عند اتخاذ قرار الاكتتاب.

وتأتي هذه النتائج في وقت يشهد فيه قطاع التأمين عالميًا وإقليميًا تحولات عميقة بفعل ارتفاع المخاطر الاقتصادية والديموغرافية والمالية، مما يجعل مسألة الملاءة والاستدامة أكثر أهمية من أي وقت مضى فوفقًا لبيانات الاتحاد العالمي للتأمين، تجاوزت أقساط التأمين العالمية خلال السنوات الأخيرة حاجز سبعة تريليونات دولار، بينما أصبح التأمين على الحياة يمثل أحد أكبر مصادر الادخار طويل الأجل وتمويل الاستثمار في العديد من الاقتصادات.

الأقدمية رأس مال اقتصادي

توضح الدراسة، التي اعتمدت على تحليل بيانات تمتد لعشر سنوات وشملت ثمانية من أبرز شركات التأمين على الحياة في تونس، أن عمر المؤسسة يعد من أهم العوامل المؤثرة في ربحيتها واستقرارها المالي ذلك انه كلما كانت الشركة أقدم في السوق، ازدادت قدرتها على تحقيق أداء مالي أكثر صلابة واستدامة.

ويتعلق الأمر بالعامل الزمني، وكذلك بالخصوص بتراكم الخبرات في إدارة المخاطر وبناء شبكات توزيع واسعة وتعزيز ثقة الحرفاء والتكيف مع الصدمات الاقتصادية والسياسية. وقد أثبتت الشركات التي عاشت فترات اضطراب، ومن بينها سنة 2011 التي شكلت تحديًا كبيرًا للقطاع في تونس، قدرة أكبر على تطوير آلياتها الداخلية وتحسين إدارة محافظها التأمينية.

وتكشف بيانات الدراسة أن متوسط عمر الشركات المشمولة بلغ 33 سنة، مع تفاوت كبير يتراوح بين 3 سنوات و65 سنة من النشاط، وهو ما يعكس اختلاف مستويات النضج المؤسسي داخل السوق ويبرز القيمة الاقتصادية التي يمنحها عامل الزمن في صناعة تقوم أساسًا على الثقة والاستمرارية.

النمو التجاري والاستدامة

تشير نتائج الدراسة كذلك إلى وجود علاقة إيجابية واضحة بين نمو نشاط الشركة وربحيتها وذلك في علاقة بارتفاع وتيرة استقطاب المؤمن لهم وزيادة الأقساط المحصلة، كعوامل لتحسين المؤشرات المالية للمؤسسة ودعم قدرتها على الاستثمار وتكوين الاحتياطيات الفنية اللازمة لمواجهة الالتزامات المستقبلية.

ويفسر الامر الطبيعة الاقتصادية لنشاط التأمين على الحياة، حيث تمثل الأقساط المورد الأساسي الذي يسمح للشركات ببناء محافظ استثمارية طويلة الأجل وتحقيق عوائد تدعم استدامتها المالية وبالتالي فإن النمو لا يعني فقط توسيع الحصة السوقية، لكنه يعكس أيضًا قدرة المؤسسة على تعزيز ملاءتها المالية وترسيخ ثقة الحرفاء.

وتنسجم هذه النتيجة مع الاتجاهات الدولية، إذ تشير بيانات هيئات التأمين العالمية إلى أن التأمين على الحياة يمثل في العديد من الدول المتقدمة ما بين %50 و60% من إجمالي أقساط قطاع التأمين، كما يعد أحد أهم المستثمرين المؤسساتيين في أسواق السندات والأسهم والبنية التحتية.

تفند الدراسة فرضية أن الأكبر دائمًا هو الأقوى

تأتي النتيجة الأكثر إثارة في الدراسة لتقلب فكرة شائعة مفادها أن الحجم الكبير يشكل بالضرورة ضمانًا للأداء الأفضل. فقد أظهرت البيانات أن الشركات الأكبر حجمًا ليست الأكثر ربحية، بل إن المؤسسات متوسطة الحجم تحقق في المتوسط نتائج مالية أفضل.

ويرجع ذلك إلى ارتفاع تكاليف التشغيل داخل المؤسسات الكبيرة، وتعقد هياكلها الإدارية، وبطء عمليات اتخاذ القرار، فضلًا عن تزايد الأعباء التنظيمية مع التوسع. وفي المقابل، تستفيد الشركات المتوسطة من مرونة أكبر تسمح لها بالتكيف السريع مع تغيرات السوق وتحسين كفاءة استغلال مواردها.

وتؤكد هذه النتيجة ما تعرفه الأدبيات الاقتصادية بـ”عدم اقتصاديات الحجم” في بعض الخدمات المالية، حيث تتحول الزيادة المفرطة في الحجم إلى مصدر لتراجع الكفاءة بدلاً من تعزيزها. كما تثير هذه المعطيات تساؤلات مهمة حول سياسات تشجيع الاندماجات داخل القطاع، إذ إن تعزيز المنافسة والتنوع قد يكون أكثر فائدة من السعي إلى إنشاء مؤسسات عملاقة ذات هياكل ثقيلة.

تكشف المؤشرات أن بعض المعايير التقليدية ليست حاسمة في تفسير الأداء

تذهب الدراسة إلى أبعد من ذلك بعدما اختبرت تأثير مجموعة من المؤشرات المالية التي غالبًا ما ينظر إليها باعتبارها عوامل أساسية للحكم على جودة شركات التأمين، مثل مستوى المديونية والسيولة الفورية وحجم الأصول المادية ومستوى التعرض للمخاطر.

غير أن النتائج بينت أن هذه العناصر لم تقدم تفسيرًا ذا دلالة إحصائية للفوارق في الربحية بين الشركات محل الدراسة، وهو ما يشير إلى أن نجاح شركات التأمين على الحياة لا يعتمد فقط على المؤشرات المحاسبية التقليدية، وإنما يرتبط بدرجة أكبر بعوامل استراتيجية مثل الخبرة المتراكمة والقدرة على النمو والمحافظة على قاعدة العملاء.

وتنسجم هذه الخلاصة مع طبيعة قطاع التأمين الذي يعتمد على إدارة الالتزامات طويلة الأجل أكثر من اعتماده على تقييمات مالية قصيرة المدى، حيث تشكل السمعة والثقة ورأس المال البشري عناصر يصعب قياسها محاسبيًا لكنها تؤثر بقوة في الأداء الاقتصادي.

ترسم النتائج دليلًا عمليًا لاختيار شركة التأمين على الحياة

تؤكد هذه الدراسة أن اختيار شركة التأمين على الحياة ينبغي أن يستند إلى رؤية اقتصادية طويلة الأجل لا إلى الانطباعات المرتبطة بالحجم أو الانتشار الإعلامي. فالأقدمية، وسجل النمو التجاري، والقدرة على الحفاظ على ثقة العملاء تبدو مؤشرات أكثر دلالة على الاستدامة من ضخامة المؤسسة أو تعقيد هيكلها التنظيمي.

ومن ثم، فإن القرار الرشيد للمؤمن له يتمثل في دراسة تاريخ الشركة ومسارها في السوق ومدى نجاحها في تحقيق نمو مستقر عبر الزمن، باعتبار أن التأمين على الحياة ليس مجرد خدمة مالية آنية، بل عقد ثقة يمتد لعقود ويعتمد نجاحه على قدرة المؤسسة على الوفاء بوعودها عندما تصبح الحاجة إلى الحماية حقيقة اقتصادية واجتماعية. وفي النهاية، تؤكد الدراسة أن الثقة في قطاع التأمين لا تُشترى بالحجم، وإنما تُبنى بالتجربة والاستقرار والقدرة المستمرة على خلق القيمة.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة: تراجع , ربحية شركات التأمين
لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا