أعلن وزير الدفاع البريطاني، جون هيلي، الخميس 11 جوان 2026، استقالته من منصبه، معتبرا أن حكومة كير ستارمر لا تخصص موارد كافية للقوات المسلحة، في ظرف يتسم بالحرب ضد إيران، والتصعيد في أوكرانيا، والتهديدات الروسية في الشمال الأقصى.
وفي رسالته الموجهة إلى رئيس الوزراء، أكد جون هيلي أن خطة الاستثمار العسكري المستقبلية للمملكة المتحدة لا تزال أدنى بكثير من حاجيات البلاد. وتكشف مغادرته إلى العلن التوترات التي كانت قائمة منذ أشهر بين وزارة الدفاع والخزانة البريطانية وداونينغ ستريت بشأن تمويل إعادة التسلح.
أوضح جون هيلي أن الحاجيات المالية للدفاع تم تقييمها منذ جانفي، غير أن الحكومة لم تلتزم بعد بتوفير الموارد التي اعتُبرت ضرورية.
وبحسب قوله، لم يتمكن كير ستارمر من الحصول من الخزانة على التمويلات الضرورية لحماية المملكة المتحدة في مرحلة تتزايد فيها التهديدات.
ويرى الوزير المستقيل أن الخيارات المالية المرتقبة ضمن خطة الاستثمار الدفاعي البريطانية المقبلة، Defence Investment Plan، تبقى «دون بكثير مما هو ضروري للدفاع وللبلاد في هذه الفترة الخطيرة».
ويمثل هذا التصريح انتقادا مباشرا لرئيس الوزراء ووزارة المالية، وهو انتقاد نادرا ما يصدر بهذه الحدة عن عضو في الحكومة.
ويفترض أن تترجم هذه الوثيقة، بشكل عملي، توجهات المراجعة الاستراتيجية للدفاع التي نُشرت في جوان 2025. وتنص هذه المراجعة، خصوصا، على تعزيز مخزونات الذخيرة والطائرات المسيّرة والقدرات الرقمية والبنية التحتية العسكرية والردع النووي والاستعداد لنزاع عالي الكثافة.
غير أن نشر الخطة تأجل في عدة مناسبات، أساسا بسبب الخلافات حول تمويلها.
وكانت الحكومة تأمل في الكشف عنها قبل قمة حلف شمال الأطلسي، الناتو، المقررة في أنقرة بتركيا يومي 7 و8 جويلية 2026. غير أن استقالة جون هيلي تجعل هذا الجدول الزمني أكثر غموضا.
شهدت المبالغ المطروحة خلال المفاوضات تباينا كبيرا.
وبحسب عدة وسائل إعلام بريطانية، فإن الحاجيات التي دافعت عنها وزارة الدفاع والقيادات العسكرية قد تصل إلى 28 مليار جنيه إسترليني إضافية على مدى أربع سنوات.
غير أن الحكومة كانت تتجه نحو غلاف مالي أكثر محدودية، يتراوح بين 13.5 و15 مليار جنيه إسترليني.
كما طُرح سيناريو آخر، جرى تداوله في شهر ماي، يتحدث عن زيادة بنحو 18 مليار جنيه إسترليني على مدى أربع سنوات.
ولا تمثل هذه الأرقام ميزانية نهائية معتمدة، بل تعكس الفرضيات المختلفة التي دُرست خلال المفاوضات بين وزارة الدفاع والخزانة وداونينغ ستريت.
ولم يكن الخلاف، بالتالي، حول ضرورة زيادة الإنفاق العسكري، بل حول حجم هذا الجهد وسرعة تنفيذه.
تعهد كير ستارمر برفع الإنفاق العسكري البريطاني إلى 2.5% من الناتج الداخلي الخام بحلول سنة 2027، ثم إلى 3% في سنة 2034.
لكن جون هيلي وعددا من كبار المسؤولين العسكريين يعتبرون أن هذا الجدول الزمني لا يستجيب بالشكل الكافي للتهديدات الفورية.
ويرون أن الجيوش بحاجة إلى إعادة تكوين مخزوناتها بسرعة، وتحديث معداتها، وتحسين قدرتها على دعم عدة عمليات في الوقت نفسه.
غير أن المملكة المتحدة مطالبة بتمويل هذه الزيادة في وقت لا تزال فيه المالية العمومية تحت الضغط. وتسعى الحكومة إلى الحد من المديونية، والحفاظ على الخدمات العمومية، وتجنب زيادات ضريبية جديدة.
لذلك، فإن أي زيادة كبيرة في الميزانية العسكرية تفترض إما تقليص نفقات وزارات أخرى، أو رفع الإيرادات العامة، أو القبول بعجز أعلى.
في رسالته، لم يقتصر جون هيلي على الحرب في أوكرانيا.
فقد أبرز أيضا الموارد المتزايدة التي تتطلبها الحرب ضد إيران، والتهديدات الروسية في الشمال الأقصى، وتصاعد الحاجيات العسكرية في أوروبا.
وتواجه لندن ضرورة تمويل دعمها لأوكرانيا، وتعزيز مراقبة شمال الأطلسي والقطب الشمالي، وحماية بنيتها التحتية وطرقها البحرية، مع تحمل التكاليف الجديدة المرتبطة بالتصعيد في الشرق الأوسط.
وتستدعي الحرب ضد إيران، خصوصا، تعبئة وسائل جوية وبحرية واستخباراتية، إضافة إلى حماية القواعد العسكرية. كما تزيد من استهلاك الذخيرة والضغط على سلاسل الإمداد العسكري الغربية.
ويكشف تراكم هذه الأزمات حدود جيش مطالب بالرد في الوقت نفسه على عدة تهديدات، في ظل مخزونات وميزانيات محدودة أصلا.
تعتبر المملكة المتحدة أيضا أن الوجود العسكري الروسي في شمال الأطلسي والقطب الشمالي يمثل تهديدا متزايدا.
وتراقب القوات البريطانية بانتظام الغواصات والسفن الروسية التي تتحرك قرب المياه البريطانية والبنى التحتية الاستراتيجية تحت البحر.
وتتطلب حماية الكابلات والطرق البحرية والمنشآت الطاقية وممرات الوصول إلى الأطلسي وسائل بحرية وجوية واستخباراتية كبيرة.
وترى لندن أن هذه المهمة تكتسب بعدا استراتيجيا أكبر، في وقت تطلب فيه الولايات المتحدة من الدول الأوروبية تحمل جزء أكبر من مسؤولية أمنها الذاتي.
تحذر الشركات البريطانية العاملة في القطاع العسكري منذ عدة أشهر من تداعيات تأخر خطة الاستثمار الدفاعي.
وتؤكد هذه الشركات أنها لا تستطيع الاستثمار بشكل مستدام في مصانع جديدة، أو انتداب كفاءات مؤهلة، أو رفع قدراتها الإنتاجية، دون طلبات والتزامات مالية واضحة ومحددة.
فصناعة الصواريخ والذخيرة والسفن والطائرات العسكرية تتطلب استثمارات صناعية تُبرمج على مدى سنوات.
وبالتالي، فإن الضبابية المالية تبطئ مباشرة قدرة المملكة المتحدة على إعادة تكوين مخزوناتها وتهيئة صناعتها لفترة توتر طويلة.
كان جون هيلي يشغل منصب وزير الدفاع منذ 5 جويلية 2024، بعد فوز حزب العمال في الانتخابات التشريعية.
وتشكل مغادرته ضربة جديدة لكير ستارمر، الذي أضعفته بالفعل عدة استقالات داخل حكومته.
وكان وزير الصحة، ويس ستريتنغ، قد غادر منصبه يوم 14 ماي 2026، مؤكدا أنه فقد الثقة في قيادة رئيس الوزراء، وداعيا إلى نقاش مفتوح حول خلافته على رأس حزب العمال.
وقبل ذلك بيومين، في 12 ماي، استقالت جيس فيليبس، الوزيرة المكلفة بحماية الأشخاص الضعفاء، منتقدة غياب التوجه الواضح وضعف قدرة الحكومة على اتخاذ القرار.
غير أن مغادرة جون هيلي تكتسي بعدا مختلفا، إذ لا تتعلق فقط بالقيادة السياسية لحزب العمال، بل بمسألة مركزية في الأمن القومي، وهي الفجوة بين الطموحات العسكرية التي تعلنها لندن والموارد التي تلتزم بها فعليا.
ليست الانتقادات بشأن نقص الموارد جديدة.
فقد سبق لعدة مسؤولين عسكريين وبرلمانيين وخبراء دفاع أن حذروا من أن تأخر خطة الاستثمار يضعف مصداقية المملكة المتحدة لدى حلفائها.
وتتعهد الحكومة بدعم أوكرانيا على المدى الطويل، وتحديث الردع النووي، وتعزيز القوات التقليدية، والرد على التهديدات الجديدة في الأطلسي والقطب الشمالي والشرق الأوسط.
لكن هذه الالتزامات تتنافس على الموارد نفسها.
ويخشى المسؤولون العسكريون، خصوصا، من أن تستحوذ النفقات المخصصة للبرامج النووية والمعدات الكبرى على جزء متزايد من الميزانية، على حساب مخزونات الذخيرة والموارد البشرية والصيانة اليومية.
لم يكن داونينغ ستريت قد أعلن بعد اسم خليفة جون هيلي لحظة استقالته.
وسيتعين على الوزير المقبل استئناف المفاوضات بسرعة مع الخزانة، وطمأنة القيادات العسكرية، ومحاولة استكمال خطة الاستثمار قبل قمة الناتو.
وسيكون عليه، قبل كل شيء، الإجابة عن سؤال سياسي شديد الحساسية: كيف يمكن تمويل زيادة سريعة في نفقات الدفاع دون تقليص الميزانيات الاجتماعية، أو رفع الضرائب بشكل كبير، أو تعميق الدين العام؟
وقد تجد الحكومة نفسها مضطرة إلى الاختيار بين زيادة الإيرادات الضريبية، أو تحقيق وفورات في وزارات أخرى، أو اعتماد جدول عسكري أقل طموحا.
تتجاوز استقالة جون هيلي مجرد خلاف حول غلاف مالي.
فالمملكة المتحدة تريد أن تبقى قوة عسكرية كبرى، وأن تدعم أوكرانيا، وأن تساهم في العمليات المرتبطة بالحرب ضد إيران، وأن تعزز دفاعات الناتو، وأن تحدث قواتها المسلحة.
غير أن هذه الطموحات تتطلب موارد ضخمة ومستدامة.
ومن خلال مغادرته الحكومة، يؤكد جون هيلي أن الفجوة بين الوعود الاستراتيجية والتمويلات المتاحة أصبحت كبيرة إلى درجة لا تسمح له بمواصلة تحمل مسؤوليتها.
وتضع استقالته كير ستارمر الآن أمام خيار صعب: إما إيجاد عدة مليارات إضافية من الجنيهات الإسترلينية بسرعة، أو الإقرار بأن بعض الطموحات العسكرية البريطانية يجب تأجيلها أو تقليصها.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية