بعد استقالته من رئاسة لجنة الفلاحة والأمن الغذائي والمائي والصيد البحري بالبرلمان، يكشف النائب حسن الحربوعي عن جملة من المعطيات التي اعتبرها سببا مباشرا لقراره الذي وصفه بـ"المبدئي والذي لا رجعة فيه".
كما يتطرق النائب حسن الجربوعي في حديث لـ"الشروق" إلى ما يعتبره تعطيلا للإصلاح وعن صعوبات وصفها بالهيكلية في علاقة اللجان البرلمانية بالوظيفة التنفيذية.
وقد أكد النائب حسن الحربوعي في مستهل الحوار أن قرار الاستقالة نهائي، مشددا على أنه "يعبر عن مبدأ لا تنازل عنه"، موضحا أنه تولى رئاسة اللجنة منذ نحو 5 أشهر بعد تجربة امتدت لثلاث سنوات كعضو فيها، وقال إنه حمل منذ البداية "استراتيجية إصلاح" شملت المجالات الكبرى للفلاحة و التي تتمثل في الصيد البحري والزراعات والألبان والواحات والثروة الحيوانية، معتبرا أن توليه رئاسة اللجنة كان "محاولة لتجاوز أخطاء من سبقوه في المسؤولية".
وفي حديثه عن واقع العمل داخل اللجنة، كشف حسن الحربوعي أن النواب اشتغلوا على عدة مشاريع قوانين ومحاور إصلاحية، و تابع "لكننا كنا نصطدم بمسؤولين يكذبون علينا" وفق تعبيره، مضيفا أن قرض كبير قد تم توجيهه للزراعات الكبرى قبل ان يتم توظيفه في مجالات أخرى.
وتفاعلا مع سؤال حول أبرز ما أثار استياءه خلال التجربة، تحدث الحربوعي عن شعوره بالعجز أمام الفلاحين قائلا إن "أكثر ما يؤلمني أن يوقفني فلاح ويسألني: أين وصلتم؟ فلا نجد جوابا نقدمه له", واعتبر أن الإشكال لا يتعلق بالتشريعات فحسب، بل أساسا بغياب التفاعل التنفيذي، موضحا أن اللجنة لا تستطيع حتى استدعاء مدير عام بصفة عاجلة عند حدوث طارئ بسبب الإجراءات المعقدة التي تمر عبر رئاسة الحكومة أو رئاسة الجمهورية، وهو ما يجعل التدخل يتأخر أحيانا لأكثر من شهر رغم أن "التوقيت في القطاع الفلاحي مسألة حاسمة".
وفي هذا السياق، أشار محدثنا إلى أنه يجري الحديث بكثافة عن "ثورة تشريعية" بينما لا يمكن للجنة فتح ملف استعجالي مثل مرض اللسان الأزرق والتفاعل معه في الإبان، مضيفا أن رئاسة اللجنة تختلف جذريا عن العضوية، لأن رئيس اللجنة يجد نفسه مطالبا بلعب دور المعدّل بين النواب والحكومة دون وجود تفاعل فعلي من الوظيفة التنفيذية.
ولم يخف النائب حسن الحربوعي انتقاده لطريقة إدارة الملفات الفلاحية، مؤكدا أن اللجنة كانت تطالب بالأرقام والمعطيات لكنها تصطدم في كل مرة بـ"الشعارات", واستشهد في هذا الإطار بملف توريد الأضاحي، قائلا إن "النتيجة كانت كارثية حتى إن تونسيين كانت اضحيتهم من الدواجن "، مضيفا أن منطقة بحجم ولاية صفاقس لا يوجد بها حاليا مندوب جهوي للفلاحة.
كما اعتبر الحربوعي أن البرلمان أصبح يُحمّل مسؤولية كل الإخفاقات، قائلا: "ليوم يتم التسويق إلى أن البرلمان سبب فشل التعليم والاستثمار والنصوص الترتيبية وكل شيء، بينما يتم التغاضي عن السبب الاصلي للفشل".
كما طرح النائب تساؤلات بشأن طبيعة التقارير التي تصل إلى رئيس الجمهورية، قائلا إنه لا يعلم إن كانت "تقارير مغلوطة" أم أن الصورة واضحة ، لكنه أشار إلى أن زيارات رئيس الجمهورية الميدانية واحتكاكه المباشر بالمواطنين تؤكد أن جوهر الأزمة يوجد في حلقة الإنتاج، أي لدى الفلاح البسيط الذي يمثل نحو 70 بالمائة من منظومة الإنتاج.
وشدد الحربوعي على أن الحل لا يكون عبر "الشعارات"، بل عبر الوقوف الحقيقي إلى جانب الفلاح، معتبرا أن البلاد لم تحقق أي منجز فعلي في القطاع الفلاحي رغم تعدد المجالس الوزارية واللقاءات الرسمية الخاصة بالقطاع.
وفي حديثه عن دور مجلس نواب الشعب، حمّل حسن الجربوعي رئيس البرلمان جزءا من المسؤولية، موضحا أنه طالبه بعرض مقترحات القوانين المدروسة على الجلسة العامة وتحميل السلطة التنفيذية مسؤولياتها عند الغياب، لكنه اعتبر أن هناك سعيا إلى "الحفاظ على التوازنات".
كما توقف النائب عند تخصيص أول جلسة عامة مرتقبة يوم 23 جوان الجاري للنظر في مطالب لرفع الحصانة، متسائلا: «أي رسالة تقدم للناس في هذا الظرف؟ وأين الثورة التشريعية؟».
ويرى النائب حسن الجربوعي أن الأزمة لم تعد قطاعية بل أصبحت "هيكلية" مذكّرا بأن القطاع الفلاحي عاش أزمات متواصلة منذ الاستقلال، وأنه استبشر خيرا عندما أصبح الملف الفلاحي محل اهتمام مباشر من أعلى هرم السلطة، غير أنه يعتبر أن كثرة المجالس الوزارية واللقاءات لم تنتج أي تغيير ملموس على أرض الواقع رغم وضوح التشخيص.
وفي رده على سؤال حول ما إذا كان قد فقد الثقة في الإصلاح، قال إن المشكلة ليست في غياب الفرص بل في إهدارها، مضيفا: "حين تتوفر لك الفرص وتواصل المراهنة على الفاشلين فهنا يكمن الإشكال". واعتبر أن أول خطوة للإصلاح هي الاعتراف بالفشل.
واستشهد الجربوعي بمثال دعوته منذ ثلاث سنوات إلى تشجيع غراسة الفستق، باعتبار أن المناخ التونسي قريب من المناخ الإيراني، قائلا إن تونس كانت قادرة على التحول إلى أحد أبرز منتجي الفستق و مصدريه خاصة في ظل التحولات الدولية، و تابع "لكننا نكتفي بالشعارات دون انعكاس حقيقي في الواقع".
ورغم انتقاداته ، أكد الناىب أن فرص الإصلاح ما تزال قائمة، معتبرا أن تونس التي كانت "مطمور روما" وقادرة تاريخيا على تغطية حاجيات أوروبا الفلاحية، يمكنها استعادة هذا الدور إذا توفرت الإرادة الحقيقية.
وبخصوص إمكانية امتداد "الأزمة" إلى لجان أخرى داخل البرلمان، قال الجربوعي إن "الجرأة تنقص البعض"، مضيفا أن طريقته في التفكير تقوم على الانسحاب عندما يشعر بعدم القدرة على الإضافة، ولم يستبعد في هذا السياق الاستقالة من مجلس نواب الشعب نفسه.
كما اعتبر أن مقترحات القوانين أصبحت تُناقش في اللحان اليوم أحيانا "للتسويق فحسب"، بينما الإشكال الحقيقي أعمق من ذلك بكثير، مشيرا إلى أن دولا مثل إيطاليا وتركيا وسوريا تستعد لتسجيل صابات قياسية في زيت الزيتون، في وقت لا تتحرك فيه تونس إلا عند وقوع الأزمات.
النائب حسن الجربوعي اعتبر أيضا أن الأزمة تشمل كامل الحكومة، قائلا إن مختلف الأطراف "لا علاقة لها بالقطاع الفلاحي سوى عبر الشعارات", مضيفا أنه طالب بإحداث لجنة متابعة بين رئاسة الجمهورية والحكومة لتنفيذ مخرجات المجالس الوزارية المتعلقة بالزراعات الكبرى وديوان الأراضي الدولية والمحافظة على القطيع وزيت الزيتون، "كن لا شيء طُبق على أرض الواقع", وفق قوله
وفي ختام الحوار، شدد النائب المستقيل من رئاسة لجنة الفلاحة على أن الفلاحة تختلف عن بقية القطاعات لأنها لا تمتلك نخب ضغط تدافع عن منظوريها، معتبرا أن الفلاح البسيط بقي خارج دائرة الاهتمام الحقيقي، وأن إصلاح القطاع يتطلب قرارات استراتيجية يبدأ أثرها بعد سنوات طويلة.
المصدر:
الشروق