آخر الأخبار

التحول الإحصائي في تونس: شرط لنجاعة السياسة الاقتصادية

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تسعى تونس إلى تعزيز بنيتها الإحصائية عبر مراجعة عميقة للإطار التشريعي والمؤسساتي المنظم لإنتاج وتداول المعلومة الإحصائية، في سياق يتسم بتزايد الطلب على بيانات دقيقة وموثوقة لدعم السياسات العمومية.

ويُبرز الملتقى الرابع للمعلومة الإحصائية، الذي احتضنته المهدية مؤخرا بمشاركة أكثر من 150 إطاراً وخبيراً من الإدارة المركزية والجهوية والجامعات والمجتمع المدني، ديناميكية جديدة في التفكير الجماعي حول تحديث المنظومة .

ويؤكد هذا التوجه أن تطوير الإحصاء صار يتجاوز بعد المسألة التقنية المحضة، ليتحول الى خيار استراتيجي يرتبط مباشرة بجودة الحوكمة الاقتصادية وقدرة الدولة على الاستشراف. وفي هذا الإطار، يبدو دور المجلس الوطني للإحصاء و المعهد الوطني للإحصاء كركيزتين أساسيتين في إعادة بناء منظومة أكثر تنسيقاً ونجاعة، بما يضمن تقليص تشتت البيانات وتحسين انسجامها بين مختلف المنتجين العموميين للمعلومة .

إطلاق الاستراتيجية الوطنية لتطوير الإحصاء

تنطلق تونس في مسار إعداد استراتيجية وطنية لتطوير الإحصاء، تُعد الأولى من نوعها وفق معايير منهجية دولية، وتهدف إلى إرساء إطار مرجعي موحد لإنتاج البيانات الرسمية. وتندرج هذه الاستراتيجية ضمن أولويات المخطط التنموي 2026-2030، بما يعكس إدراكاً متزايداً بأن جودة السياسات الاقتصادية ترتبط مباشرة بجودة المعطيات الإحصائية .

وتعمل هذه المقاربة، بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، على إعادة صياغة الحوكمة الإحصائية من خلال تحسين التنسيق بين المنتجين العموميين، وتعزيز القدرات الفنية، وتحديث أدوات جمع البيانات وتحليلها. كما تقوم على فرضية مركزية مفادها أن غياب المعلومة الدقيقة والمحينة يؤدي إلى تشوهات في اتخاذ القرار العمومي ويحد من فعالية الإنفاق العمومي والاستثمار .

هذا وتتجه تونس إلى مواءمة منظومتها الإحصائية مع التحولات الرقمية والتكنولوجية العميقة التي تعيد تشكيل طرق إنتاج البيانات عالمياً. ويعني ذلك الانتقال التدريجي من الأساليب التقليدية إلى الاعتماد على البيانات الضخمة، والسجلات الإدارية الرقمية، والمنصات الذكية في جمع وتحليل المعلومات .

ويؤكد هذا التحول أن التحدي لم يعد مرتبطاً فقط بتجميع البيانات، ولكن بإدارتها وتحيينها وتوظيفها في الزمن الحقيقي، مما يسمح بقراءة أدق للتطورات الاقتصادية والاجتماعية. كما يفتح هذا التوجه الباب أمام تطوير مؤشرات أكثر تفصيلاً على المستوى الجهوي، بما يعزز قدرة السياسات العمومية على استهداف الفوارق التنموية بدقة أكبر .

توسيع قاعدة مستخدمي البيانات الإحصائية

يمضي المسار الإصلاحي نحو تعزيز جودة المعلومة الإحصائية عبر تحسين المنهجيات، وتطوير أدوات التدقيق، واعتماد معايير دولية أكثر صرامة في الإنتاج والنشر. ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة في ظل تزايد اعتماد المستثمرين والمؤسسات المالية على البيانات الرسمية في تقييم المخاطر واتخاذ قرارات التمويل .

ويؤكد الفاعلون في القطاع أن توفر إحصائيات دقيقة ومحينة وسهلة النفاذ أصبح شرطاً أساسياً لجاذبية الاستثمار، خاصة في سياق تنافسي إقليمي ودولي متسارع. كما يجري العمل على تنويع قاعدة المستخدمين لتشمل الباحثين وصناع القرار والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بما يعزز شفافية المعلومة ويكرّس ثقافة إحصائية أوسع داخل المجتمع .

في نفس السياق، يتجه التفكير الاستراتيجي الجديد إلى اعتبار الإحصاء أداة مركزية للتخطيط وليس مجرد نشاط إداري. ويعكس هذا التحول وعياً متزايداً بأن تحقيق أهداف التنمية المستدامة والتوازن الجهوي يتطلب قاعدة بيانات قوية قادرة على دعم التقييم المستمر للسياسات العمومية .

ويأتي إعداد التقرير الوطني الطوعي الثالث حول أهداف التنمية المستدامة، المزمع تقديمه في نيويورك، ليعزز هذا التوجه نحو حوكمة مبنية على الأدلة. كما يبرز هذا المسار الحاجة إلى رفع الوعي المجتمعي بأهمية البيانات، ليس فقط لدى صناع القرار، بل أيضاً لدى الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين .

ترسم تونس اليوم ملامح مرحلة جديدة في مسار تحديث منظومتها الإحصائية، تقوم على التلاقي بين الإصلاح التشريعي، والتحول الرقمي، وتعزيز الحوكمة، وتوسيع استخدام البيانات. ويبدو أن الرهان الأساسي يتمثل في بناء منظومة قادرة على إنتاج معرفة اقتصادية دقيقة، تشكل أساساً لقرارات أكثر نجاعة واستدامة، في اقتصاد يتجه بشكل متزايد نحو التعقيد والتداخل بين المستويات المحلية والجهوية والوطنية .

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا