آخر الأخبار

طهران أمام اختبار جديد.. الصواريخ أم التروي بعد غارات الجنوب اللبناني؟

شارك

طهران- في تطور لافت، كثفت إسرائيل غاراتها على الجنوب اللبناني عقب هجمات صاروخية إيرانية استهدفتها بسبب توسع قصفها إلى الضاحية الجنوبية لبيروت.

الأمر الذي يرسم علامة استفهام حول طبيعة الرد الإيراني المرتقب على التصعيد الإسرائيلي المتواصل، خاصة في ظل إصرار طهران على ربط أي اتفاق مع واشنطن بوقف العمليات في جميع الجبهات.

الجزيرة نت تفتح هذا التساؤل مع خبراء إيرانيين للوقوف على حدود الردع الإيراني المرتقب بعد التصعيد الإسرائيلي المتواصل.

الصواريخ التي أطلقتها طهران تجاه إسرائيل قبل ليلتين لم تكن مجرد رد عسكري على قصف الضاحية الجنوبية لبيروت، بل كانت رسالة سياسية بامتياز، وفق مراقبين إيرانيين، عنوانها العريض أن طهران لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء انهيار معادلات الردع التي ترعاها، وأن أذرعها الإقليمية ليست متروكة لمصيرها.

غير أن التصعيد الإسرائيلي الأخير في الجنوب اللبناني، مع إنذارات الإخلاء الواسعة، يعيد طرح الأسئلة الصعبة حول حدود هذا الردع الإيراني، وما إذا كانت طهران ستكتفي بما أنجزته في الجولة السابقة، أم أنها بصدد إعادة رسم خطوط الاشتباك من جديد.

مصدر الصورة إسرائيلي يتفقد حطام صاروخ إيراني سقط قرب مدينة أريحا في الضفة الغربية (أسوشيتد برس)

معادلة ردع وضغط لوقف الحرب

وفي هذا السياق، يرى مستشار وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الإيراني السابق والباحث المتخصص في دراسات الأمن القومي سجاد عابدي، أن طهران سعت من خلال الهجوم الصاروخي الأخير على إسرائيل إلى تحقيق عدة أهداف.

ويقول عابدي أن "أولها خلق ردع، وثانيها الضغط على واشنطن لإبقاء بند وقف الحرب في جميع الجبهات بما فيها لبنان ضمن أي تفاهمات، وثالثها منع أي هجوم إسرائيلي-أمريكي جديد على إيران، ورابعها تحذير دول المنطقة من التعاون مع العدو في أي هجوم محتمل".

إعلان

ويضيف عابدي، في تصريحات خص بها الجزيرة نت، أن العملية "حققت أهدافها بشكل نسبي، لكنها فشلت في تحقيق الردع الكامل".

وأشار إلى أن "الدليل على ذلك هو فرض واشنطن عقوبات جديدة على طهران بعد العملية، وكذلك الهجوم الأمريكي الأخير على إيران بذريعة إسقاطها مروحية أباتشي، والأهم استمرار العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان رغم البيان الصادر عن مقر خاتم الأنبياء".

مصدر الصورة عابدي يقول إن إسرائيل تسعى لتدمير حزب الله وقطع أذرع إيران في المنطقة (الجزيرة)

ويحذر عابدي من أن "إسرائيل تسعى إلى عرقلة أي تقارب بين إيران وأمريكا، وتشهد على ذلك عمليات التصعيد المتتالية في جنوب لبنان، التي تهدف إلى تحريض طهران على العودة إلى المواجهة العسكرية وإفشال أي مسار تفاوضي".

وأكد أن "تصعيد تل أبيب في جنوب لبنان قد يدفع إيران إلى رد عسكري آخر، لأن كيان الاحتلال يسعى لتدمير حزب الله وقطع أذرع إيران في المنطقة، كما فعل في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد".

وعن أسباب عدم الرد الإيراني الفوري على هذا التصعيد، يرجح عابدي أن "الأمر يعود إلى العقلانية السياسية في طهران، والإستراتيجية القائمة على إعطاء فرصة للدبلوماسية والوساطات الإقليمية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها إيران ومحاولتها رفع الحصار عن موانئها الجنوبية".

ويضيف أن "التهديد الإيراني بوقف الحرب في جميع الجبهات ما زال قائما، لكن القيادة السياسية والعسكرية تدرس التوقيت المناسب لأي رد، وقد تكون هناك مفاجآت في أي لحظة إذا قررت الجهات المختصة ذلك".

مصدر الصورة عامل إنقاذ يدخل مبنى سكنياً يغمره الدخان في منطقة الشويفات عقب غارة جوية إسرائيلية (الفرنسية)

الألم الإستراتيجي للتخفيف عن لبنان

من جانبه، يرى المحلل العسكري محمد مهدي يزدي أن ما يجري في جنوب لبنان ليس مجرد عملية عسكرية، بل اختبار منهجي لرفع "عتبة الألم" الإيرانية".

وأضاف أن "إسرائيل تختبر إيران من خلال التصعيد في جنوب لبنان، فإن لم تجد ردا حاسما تتقدم خطوة نحو بيروت، وذلك بناء على عقيدتها العسكرية والأمنية، والمطلوب إيرانيا ألا تسمح بأن تتحول إلى لقمة سائغة تُهضم على مراحل".

وفي حديثه للجزيرة نت، يضيف يزدي أن " الاحتلال الإسرائيلي لا يخفي رغبته في إفشال أي تقارب إيراني-أمريكي لأنه يرى في استمرار التوتر ضمانة لإبقاء واشنطن منحازة إليه بالكامل، وربما لجرها إلى مواجهة أوسع مع إيران".

مصدر الصورة يزدي يرى أن الهجمات الصاروخية الإيرانية على إسرائيل لا مفر منها في حال هددت الأخيرة الضاحية الجنوبية (الجزيرة)

وشدد على أنه كلما اقتربت طهران وواشنطن من تفاهم أولي، صعدت إسرائيل في لبنان، والهدف ليس حزب الله فقط، بل نسف طاولة المفاوضات.

كما يلفت يزدي إلى خط أحمر واضح قد يغير المعادلة، بقوله "إذا تجاوزت إسرائيل الجنوب اللبناني وهددت الضاحية أو بيروت مجددا، فإن استئناف العمليات الإيرانية سيصبح أمرا لا مفر منه، وعندها سوف تقضي على التهدئة".

وأضاف "أما إذا بقي الاستهداف محصورا في الخط الأمامي للجنوب، فقد تفضل طهران ضبط النفس لأجل إعطاء المسار الدبلوماسي فرصته الكاملة".

إعلان

ويخلص يزدي إلى أنه "طالما تملك إيران أوراقا، ومنها اليورانيوم المخصب ومضيق هرمز، فإن الردع قائم"، وبالتالي فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إيران سترد على التصعيد، بل أين ومتى، وكيف سيكون شكل هذا الرد إن تجاوزت إسرائيل الخط الأحمر في الضاحية وبيروت.

معركة إسرائيل وجودية

أما الأكاديمي الباحث في العلاقات الدولية ياسر شاماني، فيربط المشهد اللبناني مباشرة بالصراع الوجودي، ويقول إن "إسرائيل تقاتل من أجل بقائها وتوسعها في الإقليم، في حين تقاتل طهران من أجل حياض محور المقاومة وراية الإسلام"، وفق تعبيره.

وشدد شاماني على أن النظرة لدى الطرفين أيديولوجية في العمق، وطالما شعرت إسرائيل بأي أمل في التقدم، فإنها لن توقف سلوكها التوسعي.

مصدر الصورة شاماني يقول إن بلاده تدرك بأن لبنان من دون حزب الله قد يصبح لقمة سائغة للاحتلال (الجزيرة)

ويشير شاماني، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن "إيران لا تستطيع أن ترى حليفها الإستراتيجي يُباد في لبنان كما حدث لمن سبقه في سوريا"، موضحا أن سقوط نظام بشار الأسد كان فرصة إستراتيجية لإسرائيل التي تسعى الآن لتكرار النموذج نفسه في لبنان.

ولفت إلى أن إيران تدرك أن لبنان من دون حزب الله قد يصبح لقمة سائغة للاحتلال الإسرائيلي، وهذا خط أحمر إستراتيجي بالنسبة لإيران.

وأضاف أن طهران ملزمة أخلاقيا وإستراتيجيا بالدفاع عن حليفها، لكن التدخل في الشأن اللبناني دون طلب من الحزب قد يتحول إلى اتهام بالوصاية.

وأكد أنه "طالما طلب حزب الله اللبناني المساعدة من طهران، فنحن على استعداد لتقديمها في حدود قدراتنا، وإلا فإن الاقتحام غير المدعو قد يضر أكثر مما ينفع".

وفي ظل هذه المعطيات، يبقى المشهد في طهران ممسكا بعصا من المنتصف "لا تفريط بحليف في لبنان، ولا اندفاع نحو حرب شاملة قد تنسف كل المسارات الدبلوماسية الهشة"، وفق شاماني الذي يقول بثقة "إذا فشلت الوساطات، قد نكون على موعد مع حرب بنسق أشد وأقصر زمنا"، مستدركا أنه "ينبغي على طهران ألا تسمح بتحول بلادها إلى ساحة اختبار يومية للعدو".

وختاما، يبدو أنه لا أحد يريد الحرب في طهران، لكن في الوقت ذاته لا يستطيع أحد تجاهل ما يجري في جنوب لبنان. وبين وساطات إقليمية تتسابق مع الوقت، وقصف إسرائيلي يتصاعد، ومفاوضات أمريكية-إيرانية هشة، يبقى المشهد معلقا على حافة قرار قد يعيد رسم خريطة المواجهة برمتها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا