آخر الأخبار

الذكاء الاصطناعي في العمل: بعد التسريحات، الشركات تعيد اكتشاف سبب بقاء البشر عنصراً لا غنى عنه

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

بعد أن جرى تقديمه باعتباره آلة قادرة على تعويض الموظفين، بدأ الذكاء الاصطناعي يصطدم بواقع أكثر تعقيداً. فمنذ الطفرة التي عرفها الذكاء الاصطناعي التوليدي، برّرت العديد من الشركات خفض عدد موظفيها، أو تجميد الانتدابات، أو إعادة هيكلة فرقها، بالمكاسب الإنتاجية التي وعدت بها الأدوات الجديدة.

كانت الفكرة مغرية: أتمتة المهام المتكررة، خفض التكاليف، والإنتاج بسرعة أكبر وبعدد أقل من الموظفين.

لكن ردّ الفعل العكسي بدأ يظهر تدريجياً. ليس لأن الذكاء الاصطناعي عديم الجدوى، ولا لأن الشركات تراجعت عن الأتمتة. بل على العكس، فقد أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً دائماً من المؤسسات. ما تغيّر هو فهم دوره الحقيقي: فالذكاء الاصطناعي يعمل بشكل أفضل كأداة لتعزيز العمل البشري، لا كبديل كامل عن الموظفين.

لذلك، فإن الاتجاه الحقيقي ليس استبدال الإنسان بالآلة بشكل كامل ومباشر، بل إعادة تشكيل العمل: بعض المهام تختفي، وأخرى تصبح أسرع، غير أن وظائف الحكم والتقييم، والرقابة، والعلاقة الإنسانية، والمسؤولية، والخبرة، لا تزال صعبة الأتمتة بالكامل.

ما الذي ظنت الشركات أنها قادرة على أتمتته؟

الموجة الأولى من الحماس حول الذكاء الاصطناعي طالت أساساً الوظائف التي اعتُبرت متكررة، مثل خدمة العملاء، والدعم الداخلي، والتسويق التشغيلي، والترجمة، والتحرير المعياري، والبرمجة البسيطة، والموارد البشرية، وتحليل الوثائق، والمهام الإدارية.

في هذا السياق، أوضحت عدة مجموعات كبرى أنها تستطيع إبطاء بعض الانتدابات بفضل الذكاء الاصطناعي. فقد أعلنت IBM، منذ سنة 2023، عن تعليق أو إبطاء الانتدابات في بعض وظائف المكاتب الخلفية التي يمكن أتمتتها.

أما Salesforce، فتؤكد اليوم أن أدواتها المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في البرمجة تتيح لها الحفاظ على عدد مهندسيها عند مستوى مستقر، دون الحاجة إلى الانتداب بنفس الوتيرة السابقة في هذا المجال.

هذه الإعلانات لا تعني أن جميع الموظفين قابلون للاستبدال. بل تُظهر، بالأحرى، أن الشركات تحاول تحديد المجالات التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يمتص فيها جزءاً من حجم العمل.

لكن الخطر يبدأ عندما تُدفع هذه المنهجية إلى أبعد من اللازم: فاستبدال أشخاص ذوي خبرة بأنظمة لا تزال غير مكتملة قد يخلق تكاليف جديدة، أقل وضوحاً، لكنها أحياناً أكثر ثقلاً.

عودة الواقع: الأتمتة لا تعني الفهم

الحالة الأكثر دلالة هي خدمة العملاء. يستطيع الذكاء الاصطناعي الإجابة عن أسئلة بسيطة، أو العثور على إجراء معين، أو تلخيص ملف، أو توجيه موظف. لكنه يبلغ حدوده بسرعة عندما تصبح الحالة غامضة، أو عاطفية، أو عاجلة، أو قانونية، أو تجارية.

وهذا بالضبط ما تؤكده دراسة غارتنر المنشورة في بداية 2026: فبحلول سنة 2027، يُتوقع أن تعيد 50% من الشركات التي خفّضت عدد موظفي خدمة العملاء باسم الذكاء الاصطناعي انتداب موظفين لأداء وظائف مماثلة، غالباً تحت مسميات أخرى. هذا الرقم مهم، لأنه لا يروي فشل الذكاء الاصطناعي، بل يروي فشل أتمتة تم التفكير فيها بسرعة مفرطة باعتبارها حذفاً للعنصر البشري.

وقد قُدّمت Klarna، شركة التكنولوجيا المالية السويدية المتخصصة في الدفع بالتقسيط، لفترة طويلة بوصفها أحد أكثر أمثلة الأتمتة إثارة. فقد روّجت الشركة لمحادثها الآلي المعتمد على الذكاء الاصطناعي، والذي قالت إنه قادر على أداء عمل مئات المستشارين. لكنها أعادت لاحقاً إدخال مزيد من العنصر البشري في خدمة العملاء، مع اعترافها بأن العملاء يجب أن يظلوا قادرين على التحدث إلى شخص حقيقي عندما تفرض الحالة ذلك.

هذا التحول لا يعني أن الذكاء الاصطناعي فشل. بل يعني أنه وُضع في الموقع الخطأ. فهو فعال في استيعاب الطلبات البسيطة، وتسريع الردود، ومساعدة الفرق. لكنه أقل موثوقية بكثير عندما يُترك وحده للتعامل مع عميل غاضب، أو حالة خاصة، أو قرار قد يمسّ سمعة الشركة.

لقد تمثل خطأ بعض الشركات في الخلط بين السرعة والجودة. فالرد الآلي قد يكون سريعاً، لكنه إذا كان غير دقيق، أو بارداً، أو عاجزاً عن حل المشكلة الحقيقية، فإنه يدمّر الثقة.

وفي قطاعات كثيرة، تكون الثقة أغلى بكثير من التوفير الناتج عن حذف بعض الوظائف.

مثال IBM: الانتداب بطريقة مختلفة بدلاً من الحذف الدائم

تجسد IBM تطوراً مهماً آخر. فبعد أن تحدثت عن إمكانية أتمتة بعض الوظائف، تخطط المجموعة لمضاعفة انتداباتها للملفات المبتدئة في الولايات المتحدة ثلاث مرات خلال سنة 2026. لكن الأمر لا يتعلق بالعودة ببساطة إلى النموذج السابق. فالوظائف المبتدئة يُعاد تصورها منذ البداية على أساس إدماج الذكاء الاصطناعي.

هذا القرار يكشف أمراً أساسياً: فالشركة التي تتوقف عن انتداب المبتدئين تخاطر بكسر سلسلة بناء كفاءاتها الذاتية. فمن سيصبح مديراً، أو خبيراً، أو مهندس نظم، أو مسؤول مشروع بعد خمس سنوات إذا لم يتم تكوين المواهب الشابة اليوم؟

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد المبتدئ على أن يكون أكثر إنتاجية، لكنه لا يعوض تعلم المهنة، ولا فهم العملاء، ولا ثقافة المؤسسة، ولا القدرة على إدارة المواقف غير المتوقعة.

لذلك، لم يعد السؤال فقط: «كم وظيفة يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحذف؟» بل أصبح: «كيف نكوّن موظفين قادرين على العمل مع الذكاء الاصطناعي؟»

مثال Salesforce: المهندس لا يختفي، بل يتغير دوره

تقدم Salesforce مثالاً أكثر توازناً. ويوضح مارك بينيوف أن الشركة لم تكن بحاجة إلى زيادة كبيرة في عدد مهندسيها، لأن أدوات البرمجة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تتيح إنتاج المزيد بفريق مستقر. في المقابل، تواصل Salesforce الانتداب في الوظائف التجارية، حيث تظل العلاقة الإنسانية، والإقناع، وفهم العميل، والتفاوض عناصر محورية.

الدرس واضح: الذكاء الاصطناعي لا يحذف المهن آلياً. بل ينقل القيمة داخل المهن نفسها. ففي تطوير البرمجيات، أصبح إنتاج الكود أسرع. لكن تصميم البنية، وفهم الحاجة، وتأمين النظام، وصيانة تطبيق معقد، والتحقق من الجودة، والحسم بين عدة خيارات تقنية، تظل مهاماً ذات طابع بشري قوي.

مهندس الغد لن يكون فقط من يكتب الكود. بل سيكون من يعرف كيف يوجّه وكلاء الذكاء الاصطناعي، ويفحص نتائجهم، ويفهم أخطاءهم، ويدمج إنتاجهم في نظام موثوق، ويتحمل المسؤولية التقنية عن المنتج النهائي.

لماذا يعزز الذكاء الاصطناعي العمل أفضل مما يستبدله؟

تُظهر أكثر الدراسات جدية أن الذكاء الاصطناعي يحقق مكاسب حقيقية عندما يساعد الموظفين. ففي خدمة العملاء، يمكن لمساعد ذكي أن يعين على هيكلة الردود، والعثور على المعلومات الصحيحة، وتقليص الفجوة بين المبتدئين وأصحاب الخبرة.

وهنا تحديداً تكمن القيمة: يعمل الذكاء الاصطناعي كمسرّع للكفاءات. فهو لا يعوض بالضرورة المهني، بل يساعده على العمل بسرعة أكبر، وتوثيق قراراته بشكل أفضل، وتقليص المهام المتكررة، والتركيز على الحالات الأكثر أهمية.

لكن هذه المنهجية تفترض شرطاً أساسياً: يجب أن يبقى الإنسان داخل دائرة القرار. فعندما تغيب الرقابة البشرية، تزداد المخاطر: إجابات مختلقة، أخطاء في السياق، سوء تفسير، مشكلات تتعلق بالسرية، قرارات غير مبررة، أو عجز عن التعامل مع الاستثناءات.

ويذكّر تقرير MIT NANDA حول الذكاء الاصطناعي في المؤسسات لسنة 2025 بقسوة الواقع: فرغم استثمار ما بين 30 و40 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي التوليدي، فإن 95% من المؤسسات التي شملتها الدراسة لم تسجل أي عائد قابل للقياس. المشكلة ليست تكنولوجية فقط. إنها مرتبطة قبل كل شيء بالإدماج: فقد اشترت شركات كثيرة أدوات، وأطلقت مشاريع تجريبية، وكثفت العروض التوضيحية، لكنها لم تغيّر فعلياً مسارات العمل.

هذا الرقم يلخص المفارقة الحالية: الذكاء الاصطناعي يثير الإعجاب في العرض التجريبي، لكنه لا يخلق قيمة مستدامة إلا عندما يندمج في مهنة، ومنهجية، وسلسلة قرار، ومسؤولية بشرية.

هل قد يكون هذا الارتداد مؤقتاً فقط؟

مع ذلك، يجب تجنب قراءة مريحة أكثر من اللازم. فبعض الخبراء يعتبرون أن الحدود الحالية للذكاء الاصطناعي ليست سوى مرحلة انتقالية. فالنماذج تتقدم بسرعة، والوكلاء يصبحون أكثر استقلالية، والأنظمة ترتبط بقواعد البيانات الداخلية، وأدوات التحقق تتحسن.

وفق هذه الفرضية، لن يكون الرجوع الحالي إلى الإنسان انتصاراً نهائياً على الأتمتة، بل مرحلة تعديل. فقد تكون الشركات قد خفّضت موظفيها بسرعة مفرطة، قبل أن تصبح الأدوات موثوقة بما يكفي. وبالتالي، يمكن للأجيال المقبلة من النماذج أن تسد جزءاً من الثغرات الحالية، خاصة في خدمة العملاء، والبرمجة، وتحليل الوثائق، والمهام الإدارية.

هذا الاعتراض جدي. وهو يفرض إدخال قدر من التوازن على التشخيص. فالذكاء الاصطناعي لا يعوض بعد كل الموظفين على نطاق واسع، لكنه يتقدم بسرعة. والمهن التي تقوم أساساً على مهام معيارية تظل معرضة للخطر. في المقابل، تبدو الوظائف التي تجمع بين الخبرة، والعلاقة الإنسانية، والمسؤولية، والإبداع، والتحكيم، ومعرفة الميدان، أكثر قدرة على الصمود.

لذلك، ليست الخلاصة أن «الذكاء الاصطناعي لن يعوض أحداً». بل الخلاصة الأقرب هي أن «الذكاء الاصطناعي سيعوض مهاماً، وسيحوّل مِهناً، وسيمنح أفضلية للموظفين القادرين على استخدامه بتمييز وحسن تقدير».

الرهان الحقيقي: عدم حذف الذاكرة البشرية للمؤسسة

لا يتمثل الخطر الذي تواجهه الشركات في الجانب الاجتماعي فقط. إنه خطر اقتصادي أيضاً. فعندما تسرّح مؤسسة موظفيها بسرعة مفرطة، فإنها تفقد جزءاً من ذاكرتها: الحالات الخاصة، وعادات العملاء، والأخطاء المعروفة مسبقاً، والتسويات غير الرسمية، والتفاصيل التشغيلية التي لا تصفها الإجراءات بالكامل أبداً.

هذه الذاكرة البشرية يصعب تعويضها بنموذج ذكاء اصطناعي. يمكن تخزين البيانات، لكن التجربة لا تختزل في قاعدة وثائق. فهي تُبنى في المواقف الحقيقية، والأخطاء، والتبادل مع العملاء، والقيود الداخلية، والقرارات المتخذة تحت الضغط.

لهذا السبب، لا تبحث الشركات الأكثر حذراً عن الأتمتة فقط. بل تسعى إلى إعادة تنظيم العمل حول ثنائي واضح: آلة سريعة، وإنسان مسؤول. يتولى الذكاء الاصطناعي معالجة الحجم الكبير من المهام، بينما يتولى الإنسان الاستثناء، والرقابة، والاستراتيجية، والثقة.

وعليه، فإن ردّ الفعل العكسي الحالي لا يعني فشل الذكاء الاصطناعي. بل يعني فشل وعد مفرط في التبسيط: وعد الشركة القادرة على استبدال جزء كبير من موظفيها بسرعة بأدوات آلية.

الذكاء الاصطناعي قوي عندما يُستخدم كمساعد أو طيار مرافق. لكنه يصبح هشاً عندما يُستخدم كبديل كامل. وتكتشف الشركات أن الإنتاجية لا تعتمد فقط على سرعة التنفيذ، بل أيضاً على الجودة، والثقة، والمسؤولية، والقدرة على التعامل مع المواقف غير المتوقعة.

لذلك، فإن الثورة الحقيقية في عالم العمل لن تكون مؤسسة بلا بشر. بل ستكون مؤسسة قادرة على الجمع بين كفاءة الآلات وحكم المهنيين. فالذكاء الاصطناعي لا يجعل البشر غير ضروريين؛ بل يجعل أكثر قيمة أولئك الذين يعرفون كيف يستخدمونه، ويراقبونه، ويحوّلونه إلى رافعة لقيمة حقيقية.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك

الأكثر تداولا لبنان إيران أمريكا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا