يمثل إطلاق “غرفة الصفقات الدائمة” من قبل مجلس الأعمال التونسي الإفريقي والكونسورتيوم التونسي للتنمية في إفريقيا خطوة نوعية في مسار تعزيز اندماج تونس في الديناميكية الاقتصادية الإفريقية المتسارعة ذلك أن المبادرة لا تقتصر على توفير فضاء للتعارف بين أصحاب المشاريع والممولين فحسب، اذ تؤسس لمنصة مؤسساتية دائمة تعمل على مدار السنة لربط المشاريع الإفريقية ذات الإمكانات العالية بالمستثمرين والبنوك والمؤسسات المالية وصناديق الاستثمار والشركاء التقنيين وفاعلي التنمية.
وتأتي هذه الخطوة في سياق الزخم الذي أحدثه مؤتمر “فيتا 2026″، الذي ساهم في تعزيز حضور تونس داخل منظومة الأعمال الإفريقية. كما تعكس تحولا من منطق اللقاءات الظرفية والمناسباتية إلى منطق بناء آلية مستدامة لاكتشاف المشاريع الواعدة وهيكلتها ومرافقتها وربطها بالشركاء القادرين على تمويلها أو تطويرها.
تعزيز حضور المؤسسات في المشاريع الإفريقية
تكتسي هذه المبادرة أهمية خاصة بالنسبة للمؤسسات التونسية التي تسعى إلى توسيع حضورها في الأسواق الإفريقية حيث تشهد القارة السمراء حاليا واحدة من أكبر دورات الاستثمار في العالم، خصوصا في قطاعات البنية التحتية والطاقة والصناعة والرقمنة والخدمات اللوجستية.
وتشير تقديرات مؤسسات التمويل الإفريقية إلى أن حاجيات القارة من تمويل البنية التحتية تتراوح بين 130 و170 مليار دولار سنويا، في حين لا يزال العجز التمويلي يتجاوز 100 مليار دولار كل عام. كما يتوقع أن يتجاوز عدد سكان إفريقيا 2.5 مليار نسمة بحلول سنة 2050، مع توسع سريع للطبقة الوسطى وارتفاع الطلب على الخدمات الأساسية والبنية التحتية والطاقة والغذاء.
وتتيح “غرفة الصفقات الدائمة” للمؤسسات التونسية النفاذ المباشر إلى هذه الفرص عبر آليات تشبيك منظمة مع كبار المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين في القارة. كما تسمح بتطوير شراكات ثلاثية تجمع بين الخبرة التونسية والتمويل الدولي والاحتياجات التنموية الإفريقية، وهو نموذج أثبت نجاعته في العديد من الأسواق الصاعدة.
توسيع موقع تونس داخل الأسواق الإفريقية
تفرض التحولات الاقتصادية الدولية على تونس تنويع أسواقها الخارجية وتقليص اعتمادها التقليدي على الفضاء الأوروبي. ورغم التطور المسجل خلال السنوات الأخيرة، لا تزال حصة إفريقيا جنوب الصحراء من المبادلات التجارية التونسية دون مستوى الإمكانات المتاحة.
وتبرز أهمية المنصة الجديدة في كونها لا تستهدف فقط دعم الصادرات، بقدر ما تسعى إلى دمج المؤسسات التونسية داخل سلاسل القيمة الإفريقية ومشاريع الاستثمار المباشر فالقيمة المضافة الحقيقية في المرحلة المقبلة لن تكون مرتبطة ببيع السلع والخدمات فحسب، ولكن بالمشاركة في تنفيذ المشاريع الكبرى وفي عمليات التحول الاقتصادي التي تعرفها القارة.
وتشمل القطاعات المستهدفة من قبل “غرفة الصفقات الدائمة” مجالات البنية التحتية والطاقة والصناعة والتكنولوجيا والرقمنة والصحة والفلاحة والصناعات الغذائية واللوجستيك والخدمات ذات القيمة المضافة العالية والتعليم والتكوين، إضافة إلى مشاريع التوسع والتطوير والتدويل.
وتنسجم هذه الأولويات مع التوجهات الاقتصادية الإفريقية الراهنة اذ ان القارة تستقطب سنويا استثمارات متزايدة في الطاقة المتجددة، كما يتوقع أن يتضاعف حجم الاقتصاد الرقمي الإفريقي ليبلغ مئات المليارات من الدولارات خلال العقد المقبل، مدفوعا بارتفاع نسبة استخدام الإنترنت والخدمات الرقمية.
دعم الدبلوماسية الاقتصادية التونسية في إفريقيا
يفرض نجاح مثل هذه المبادرات مواصلة تعزيز الحضور التونسي الرسمي والمؤسساتي داخل القارة بحكم ان التجارب الدولية تؤكد أن اختراق الأسواق الإفريقية يعتمد على تنافسية الشركات، وكذلك على الارتباط بفاعلية الدبلوماسية الاقتصادية وقدرتها على بناء شبكات الثقة والتعاون مع الحكومات والمؤسسات المالية الإقليمية.
وتستفيد تونس من رصيد مهم في مجالات التعليم العالي والخدمات الصحية والهندسة والاستشارات وتكنولوجيا المعلومات والخدمات المالية، وهي قطاعات تشهد طلبا متزايدا في العديد من الاقتصادات الإفريقية. غير أن تحويل هذه المزايا إلى حصص سوقية واستثمارات فعلية يتطلب مزيدا من التنسيق بين القطاعين العام والخاص وتكثيف الحضور الدبلوماسي والاقتصادي في العواصم الإفريقية الكبرى.
تسعى “غرفة الصفقات الدائمة” إلى اختيار مشاريع قوية ومهيكلة وذات إمكانات نمو مرتفعة، مع توفير مرافقة مالية واستراتيجية ومؤسساتية لأصحابها. كما سيتمتع أصحاب المشاريع المختارة بفرص عرض موجهة وربط مباشر مع المستثمرين والشركاء المحتملين، بما يسهل النفاذ إلى التمويل ويزيد من فرص إنجاز المشاريع.
وتندرج هذه المقاربة ضمن توجه إفريقي أوسع يهدف إلى رفع حجم الاستثمارات الخاصة وتعبئة الموارد المالية لخدمة التحول الاقتصادي للقارة، فحسب تقديرات مؤسسات التنمية الدولية، تحتاج إفريقيا إلى مئات المليارات من الدولارات سنويا لتحقيق أهدافها في مجالات التصنيع والطاقة والبنية التحتية والتنمية البشرية.
وتؤكد هذه المبادرة أن تونس بدأت تنتقل تدريجيا من موقع المتابع للتحولات الإفريقية إلى موقع المساهم فيها ذلك انه كلما توسعت قدرة المؤسسات التونسية على الاندماج في المشاريع الكبرى بالقارة، ازدادت فرص الاقتصاد التونسي في تحقيق نمو قائم على التدويل والاستثمار والشراكات الإقليمية، وهو مسار أصبح اليوم أحد أهم رهانات التنمية الاقتصادية خلال العقد القادم.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية