آخر الأخبار

ورشات الفنانين: علياء حمزة توثّق 40 مبدعًا تونسيًا في كتاب فني من 270 صفحة

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

مصدر الصورة

من خلال كتابها «ورشات الفنانين»، الصادر عن دار Simpact، توقّع علياء حمزة عملًا من 270 صفحة مخصصًا للأماكن التي يولد فيها الفن التونسي.

يجمع الكتاب أكثر من 40 فنانًا، بين أسماء راحلة ومبدعين معاصرين وأسماء ذات إشعاع دولي. وهو عمل لا يوثّق الأعمال الفنية فحسب، بل يوثّق قبل ذلك الفضاءات، والحركات، والصمت الذي يسبق ولادتها.

ماذا تخفي ورشة الفنان؟

قبل العمل المعروض، وقبل الافتتاح، وقبل الكتالوغ ونظرة الجمهور، يوجد مكان غالبًا ما يظل غير مرئي: الورشة.

هذا الفضاء الحميم هو ما تستكشفه علياء حمزة في كتاب «ورشات الفنانين»، الصادر حديثًا عن دار Simpact. فالكتاب لا يكتفي بعرض الأعمال المنجزة، بل يفتح أبواب الأماكن التي تبحث فيها الأعمال عن شكلها، وتُرسم ملامحها الأولى، وتُصحح، وتُهجر أحيانًا، قبل أن تكتمل.

في هذه الورشات، توجد طاولات عمل، وجدران مغطاة بالآثار، وفرش، وأصباغ، وكتب، وأشياء جُلبت من أسفار، ورسوم أولية، وأدوات، وصور فوتوغرافية، ومواد تنتظر أن تتحول إلى عمل فني. وهناك أيضًا حضور أصعب في الالتقاط: حضور الزمن، والشك، والصبر، والحركة المتكررة.

تتحول الورشة هنا إلى ما تصفه علياء حمزة بأنه «المصفوفة الصامتة لكل ما يُتاح لنا أن نراه من دون أن نعرف حقًا مصدره». تختصر هذه العبارة جوهر المشروع: النظر لا إلى الفن فقط، بل إلى المكان السري الذي ينبثق منه.

أكثر من 40 فنانًا وعدة أجيال

تكمن القوة الكبرى للكتاب في اتساعه. إذ يوثّق «ورشات الفنانين» فضاءات الإبداع لأكثر من 40 فنانًا تونسيًا أو مرتبطًا بالساحة الفنية التونسية، ينتمون إلى أجيال مختلفة.

نلتقي في الكتاب بفنانين معاصرين حاضرين بقوة على الساحتين التونسية والدولية، من بينهم رشيد قريشي، و إل سيد، وناصر خمير، ومريم بودربالة، وخالد بن سليمان، وعائشة الفيلالي، وعمر باي، والطاهر الجاوي، وفريال الأخضر، وسليمان الكامل، ومحمد بن سلطان، وريم القروي، وعادل مقديش، ومحمد أمين حمودة، وماجد زليلة، ووليد زواري.

كما يفسح الكتاب المجال لتجارب أخرى، وكتابات تشكيلية مختلفة، وعوالم ورشات متنوعة، من بينها: عكاشة، ورشيدة عمارة، وسامي بن عامر، وعبد المجيد بن مسعود، وصبري بن ملوكة، و إيمان برحومة، وسندة بلحسن، ونوتايل، ونجاة الذهبي، وقيس الضيفي، وحمدة دنيدن، ووسام العابد، وعماد جميّل، ومنى جمال، والطاهر مقدميني، وإنصاف سعادة، وفيكتور سرفاتي، والهادي السلمي.

تمنح هذه القائمة المشروع عمقه. فالأمر لا يتعلق بكتاب حول أسلوب واحد، أو جيل واحد، أو مدرسة واحدة، بل هو عبور في تنوع الخلق التونسي: الرسم، والخزف، والخط، والفنون البصرية، والتنصيبات، والرسم التخطيطي، والتصوير الفوتوغرافي، والذاكرة، والتجريد، والتشخيص، والكتابات المعاصرة.

تحية إلى رموز رحلوا

يحمل «ورشات الفنانين» أيضًا بُعدًا ذاكراتيًا.

فالكتاب يكرّم عددًا من الفنانين الراحلين الذين لا تزال ورشاتهم أو أرشيفاتهم أو آثارهم تتكلم. ومن بينهم حمادي بن سعد (1948-2025)، وعلي بالآغة (1924-2006)، ورودولف ديرلانجي (1872-1932)، وجلال بن عبد الله (1921-2017)، وعبد العزيز القرجي (1928-2008)، ووديع مهيري.

تذكرنا هذه الأسماء بأن الورشة ليست مجرد مكان عمل. فقد تتحول، بعد رحيل الفنان، إلى فضاء للذاكرة. طاولة، أداة، عمل غير مكتمل، صورة أو وثيقة، قد تصبح آخر الشهود على حضور ما.

ومن خلال إدماج هذه الوجوه الراحلة إلى جانب فنانين معاصرين، تبني علياء حمزة حوارًا بين الأجيال. فالكتاب لا ينظر فقط إلى الفن وهو في طور التشكل، بل ينظر أيضًا إلى ما ينبغي حفظه وصونه.

منهج علياء حمزة: زيارات وحكايات وأرشيف

وُلد مشروع علياء حمزة من حدس بسيط: الورشات تستحق أن تُروى.

في عملها الصحفي، زارت كثيرًا من ورشات الفنانين. وقد منحتها هذه الأماكن شعورًا بأنها تحمل حقيقة خاصة: شيئًا أكثر خفاءً، وأكثر خامًا، وأكثر حميمية من العمل الفني بعد عرضه.

وتوضح علياء حمزة أن الفكرة كانت كشف «ما يوجد خلف اللوحة، خلف ما يمنحه لنا الفنان لنراه». وهذه المقاربة هي ما يمنح الكتاب قوته: فالأمر لا يتعلق بعرض فضاءات جميلة فقط، بل بفهم ما تقوله هذه الفضاءات عن المبدع.

يقوم الكتاب على منهج هجين: زيارات إلى الورشات، حوارات مع الفنانين، صور فوتوغرافية، روايات، أرشيفات ووثائق تم العثور عليها. أما بالنسبة إلى الفنانين المقيمين في الخارج، فقد أرسل بعضهم صورًا ورووا علاقتهم بمكان الخلق. وبالنسبة إلى الفنانين الراحلين، استند العمل إلى الأرشيف والآثار والوثائق.

تمنح هذه المنهجية الكتاب قيمة توثيقية حقيقية. فـ«ورشات الفنانين» لا يقدم نفسه كألبوم صور بسيط، بل كعمل ذاكرة، وبحث حساس، ونقل للتجربة.

عمل فوتوغرافي أساسي

لا يمكن لكتاب عن الورشات أن يوجد من دون نظرة فوتوغرافية قوية.

تحتل الصور هنا مكانة مركزية. فهي تتيح الوصول إلى ما لا يستطيع النص وحده التقاطه دائمًا: ضوء المكان، وفوضى الطاولة، وتراكم الأشياء، وسماكة الجدار، والأدوات الموضوعة قرب عمل فني، والحضور الصامت للفنان داخل فضائه.

يحمل العمل الفوتوغرافي، خصوصًا، كل من صلاح جابر وبشير زيان. كما يستند الكتاب إلى صور أرشيفية وصور موقعة من محمد العايب، وجلال القسطلي، واستوديو كاهية.

هذا البعد البصري مهم، لأنه يتيح للقارئ أن يفهم أن لكل ورشة مناخها الخاص، وإيقاعها، وضوءها، وهندستها الداخلية.

الورشة: ملاذ ومختبر ومسرح صامت

تؤكد النصوص المرافقة للصور فكرة مركزية: الورشة توجد دائمًا بين عالمين.

هي أولًا فضاء خاص. لا ندخلها كما ندخل رواقًا فنيًا. يجب أن نُدعى إليها. ويجب أن نقبل التقدم داخلها بحذر، وأن ننظر من دون إزعاج، وأن نفهم أن كل ما وُضع هناك قد تكون له دلالة.

لكن الورشة هي أيضًا مختبر. هناك يبحث الفنان، ويخطئ، ويعيد المحاولة، ويركب، ويمحو، ويرسم، وينحت، ويشطب، ويقطع، ويلصق، ويصقل، ويشكل أو ينتظر.

في نص «مسرح الخلق»، تصف لور دوتفيل، القيّمة المستقلة على المعارض ومؤسسة ومديرة Menart Fair وBeirut Art Fair، الورشة كديكور شبه مسرحي: كراسٍ، أوراق، أصباغ، علب مفتوحة، شظايا من اليومي، صور، رسوم غير مكتملة، كتب نصف مفتوحة، فناجين قهوة، وآثار ليلة عمل.

لا شيء هنا عابر تمامًا. حتى الفوضى تبدو كأن لها منطقها الداخلي. وخلف الاضطراب الظاهر، توجد هندسة سرية يستمد منها الفنان قوته.

هكذا تصبح الورشة فضاء للحقيقة. لا تقول كل شيء، لكنها تحتفظ بآثار الحركة، والشك، والعمل، والزمن. وغالبًا ما تكشف ما لم يعد العمل المنجز يقوله.

Grafiflow، مكان رمزي لتقديم الكتاب

قُدم الكتاب في مكان يواصل معناه تمامًا: Grafiflow، المقام في المطبعة التاريخية القديمة Grafi بسكرة.

وليس هذا الاختيار اعتباطيًا. فقد أصبح Grafiflow فضاء ثالثًا مخصصًا للكتاب والفن والخلق. والمطبعة القديمة، التي اشتراها وأعاد ابتكارها ناصر الجلجلي، مؤسس Simpact، تقدم إطارًا منسجمًا مع كتاب مخصص للورشات.

مطبعة تحولت إلى فضاء ثقافي لاحتضان كتاب عن أماكن الإبداع: للرمز هنا قوته. نجد فيه المفاهيم ذاتها: المادة، والورق، والحبر، والحركات، والصناعة، والنقل.

وقد أقيم أول حفل توقيع للكتاب يوم 9 ماي 2026 في هذا المكان، ضمن حلقة قراءة أدارتها مريم بالقاضي، على صلة بمعرض «Papier d’art et livre-objet». أما السينوغرافيا فكانت بتوقيع مامية طقطق.

لماذا يهم هذا الكتاب؟

يكتسب «ورشات الفنانين» أهميته لأنه يوثّق ما نادرًا ما يُعرض.

للأعمال الفنية معارضها، وكتالوغاتها، وجامعوها، ومبيعاتها، ونقادها. أما الورشات، فتبقى غالبًا غير مرئية. إنها تتغير، وتنتقل، وتختفي، وتفرغ، وتتحول.

غير أن هذه الأماكن أساسية. فهي تروي تاريخًا آخر للفن: تاريخ الحركات، والأدوات، والمواد، والتعب، والمحاولات، والأشياء المعثور عليها، والأرشيفات الشخصية، والعادات، والهواجس.

ومن خلال تثبيت هذه الفضاءات في كتاب، تسهم علياء حمزة في حفظ جزء هش من التراث الفني التونسي. إنها لا توثق الفنانين فحسب، بل توثق طريقتهم في السكن داخل الخلق.

مرجع في تاريخ ورشات الفنانين

الاهتمام بورشات الفنانين ليس جديدًا في تاريخ الفن. فقد أصبحت بعض الورشات شبه أسطورية، مثل ورشة فرانسيس بيكون في لندن، الواقعة في ساوث كنسينغتون، والتي أعيد تركيبها بعد وفاته في Hugh Lane Gallery بدبلن.

تظهر هذه الإحالة أن الورشة يمكن أن تصبح، لاحقًا، عملًا قائمًا بذاته. فهي تساعد على فهم منهج، وهوس، وطريقة في النظر والعمل.

في السياق التونسي، يندرج «ورشات الفنانين» ضمن المنطق نفسه، لكن بمقاربة خاصة: إظهار فضاءات حية، لا يزال بعضها مأهولًا، فيما اختفى بعضها الآخر أو أعيد تركيبه، وإدراج هذه الأماكن في الذاكرة الثقافية للبلاد.

كتاب لعشاق الفن… ولكن ليس لهم وحدهم

سيثير هذا العمل اهتمام عشاق الفن، وجامعي الأعمال الفنية، وأصحاب الأروقة، والقيّمين على المعارض، والفنانين. لكنه يمكن أيضًا أن يمس جمهورًا أوسع.

ذلك أن الورشة تتحدث عن شيء كوني: الحاجة إلى مكان خاص. فضاء للتفكير، والبحث، وإعادة المحاولة، والخطأ، والتجريب، وترك الأشياء تنضج.

في زمن تسير فيه الأمور بسرعة، وتُستهلك فيه الصورة فورًا، وتتنقل فيه الأعمال عبر الشاشات قبل أن تُرى فعليًا، يذكّر «ورشات الفنانين» بحقيقة بديهية: الإبداع يحتاج إلى وقت. وغالبًا ما يولد في الصمت، والتراكم، والانتظار، والصبر.

لذلك يدعو هذا الكتاب إلى النظر إلى الفن التونسي بطريقة مختلفة. ليس فقط من خلال النتيجة النهائية، بل من خلال الطريق الذي يقود إليها.

صدر «ورشات الفنانين» عن دار Simpact. ولمعرفة نقاط البيع، والسعر العمومي، ومواعيد التوقيعات المقبلة، أو المعلومات المتعلقة بمعرض «Papier d’art et livre-objet» في Grafiflow، يمكن للقراء التواصل مع دار Simpact وGrafiflow.

وهكذا، توقّع علياء حمزة، من خلال «ورشات الفنانين»، كتابًا مهمًا في الساحة الفنية التونسية. مهم بحجمه، 270 صفحة. مهم بطموحه، إذ يوثق أكثر من 40 فنانًا. مهم بمنهجه، بين الزيارات والصور والأرشيف والروايات. ومهم أخيرًا بموضوعه: الأماكن التي يبدأ فيها الفن.

من رشيد قريشي إلى إل سيد، ومن ناصر خمير إلى مريم بودربالة، ومن الوجوه الراحلة إلى الفنانين المعاصرين، يؤلف الكتاب عبورًا حساسًا في الخلق التونسي.

ويذكرنا بأن الفن لا يولد فقط في الأروقة أو المتاحف. بل يولد أولًا في ورشة: مكان للعزلة والحوار، للفوضى والدقة، للحميمية والنقل.

ومن خلال فتح هذه الأبواب، لا تعرض علياء حمزة فضاءات فحسب، بل تكشف جزءًا أساسيًا من الفن التونسي: أصله السري، الإنساني والحي.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا