تشير التطورات الجيوسياسية الأخيرة في الشرق الأوسط إلى أن الأمن الغذائي العالمي بات أكثر ارتباطًا من أي وقت مضى باستقرار أسواق الطاقة والتجارة الدولية. وفي هذا السياق، حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) من أن تداعيات الحرب على إيران لا تقتصر على اضطرابات مؤقتة في الإمدادات، بل تمتد إلى مخاطر أعمق قد تؤثر في القدرات الإنتاجية للقطاع الزراعي العالمي خلال الأشهر المقبلة.
وتبرز منظمة الفاو، عبر كبير خبرائها الاقتصاديين ماكسيمو توريرو، أن المزارعين في مختلف أنحاء العالم يواجهون ارتفاعًا حادًا في تكاليف الإنتاج، حيث قفزت أسعار سماد اليوريا بنسبة تتراوح بين 20 و60 بالمئة، بالتزامن مع زيادة تكاليف الوقود والنقل والري. وتمثل هذه التطورات تحديًا مباشرًا للقطاع الزراعي الذي يعتمد بصورة كبيرة على الطاقة والأسمدة والخدمات اللوجستية لضمان استمرارية الإنتاج واستقرار الأسواق.
وتكشف التجارب الاقتصادية الحديثة أن الصدمات الغذائية الكبرى لا تنشأ عادة من نقص فوري في السلع الأساسية، بل من تفاعل مجموعة من العوامل المتشابكة. ففي أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية خلال عام 2022، سجل مؤشر أسعار الغذاء العالمي للفاو مستويات قياسية تجاوزت 159 نقطة، فيما ارتفعت أسعار بعض الأسمدة عالميًا بأكثر من 80 بالمئة في فترات معينة. واليوم، يخشى الخبراء من تكرار سيناريو مشابه إذا استمرت الاضطرابات الحالية في التأثير على أسواق الطاقة وسلاسل التوريد.
وتتجسد المخاطر الأساسية في ما تصفه الفاو بسلسلة الصدمات المتتابعة التي تبدأ بارتفاع أسعار الطاقة، ثم تنتقل إلى اضطراب النقل البحري والخدمات اللوجستية، لتصل لاحقًا إلى نقص الأسمدة وارتفاع أسعار المدخلات الزراعية، قبل أن تنعكس في النهاية على مستويات الإنتاج الزراعي العالمي وأسعار الغذاء. وتؤكد المنظمة أن العالم قد يواجه أزمة غذائية محتملة خلال فترة تتراوح بين ستة أشهر وسنة إذا لم يتم احتواء هذه الضغوط في الوقت المناسب.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية إضافية بالنظر إلى الدور المحوري الذي يلعبه مضيق هرمز في الاقتصاد العالمي، إذ يمر عبره ما يقارب 20 بالمئة من تجارة النفط العالمية وحوالي خمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال. وقد أدى إعلان إيران خلال مارس إغلاق المضيق أمام حركة السفن إلا بتنسيق مسبق، إلى زيادة حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة، خاصة بعد فرض الولايات المتحدة حصارًا على موانئ إيرانية استراتيجية خلال أبريل. كما ساهمت الحرب التي اندلعت في 28 فبراير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، قبل التوصل إلى وقف مؤقت لإطلاق النار في 8 أبريل، في تعميق المخاوف بشأن استقرار الإمدادات العالمية.
وتؤكد تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي أن التوترات الجيوسياسية أصبحت من أبرز المخاطر التي تواجه سلاسل الإمداد الدولية، في ظل التشابك المتزايد بين أسواق الطاقة والغذاء والتجارة. ويزداد تأثير هذه الصدمات على الاقتصادات النامية التي تخصص نسبة مرتفعة من دخلها للإنفاق الغذائي، حيث تشير بيانات البنك الدولي إلى أن الغذاء يمثل أكثر من 40 بالمئة من إنفاق الأسر في العديد من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
وتدعو الفاو الحكومات إلى اعتماد سياسات استباقية تركز على حماية الفئات الأكثر هشاشة، ودعم الأسر الريفية، وضمان انسيابية التجارة الدولية للغذاء والأسمدة والطاقة، مع تجنب فرض قيود تصديرية قد تؤدي إلى تفاقم الاختلالات العالمية. كما تبرز المؤشرات الأخيرة المتعلقة بإمكانية إعادة فتح مضيق هرمز ضمن ترتيبات دبلوماسية أوسع بوصفها عاملًا إيجابيًا قد يساهم في تهدئة الأسواق وتقليص الضغوط التضخمية.
وتؤكد التطورات الراهنة أن الأمن الغذائي لم يعد قضية زراعية بحتة، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في معادلة الاقتصاد الكلي العالمي، حيث تتداخل اعتبارات الطاقة والتجارة والجغرافيا السياسية لتحدد مسار الأسعار والنمو والاستقرار الاجتماعي خلال المرحلة المقبلة.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية