آخر الأخبار

التعهيد القريب في تكنولوجيا المعلومات : لماذا تجذب تونس الشركات الألمانية بشكل متزايد؟

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

بعد أن ظلّت تونس لفترة طويلة تُعتبر فاعلًا رقميًا يعمل في الظل، بدأت اليوم تفرض نفسها كوجهة جدية في مجال التعهيد القريب لتكنولوجيا المعلومات، خاصة لدى الشركات الألمانية.

و في سياق تسعى فيه الشركات الأوروبية إلى تأمين كفاءاتها التكنولوجية، وخفض تكاليفها، وتقريب فرق التطوير من مقراتها وأسواقها، يكتسب الموقع التونسي حضورًا متزايدًا.

و يؤكد مقال نشرته وكالة Germany Trade & Invest، وهي الوكالة الفيدرالية الألمانية المكلفة بالتجارة الخارجية والاستثمار، أن تونس تنتقل اليوم من مجرد «خطة جيدة غير معروفة» إلى موقع قريب وجدي على نحو متزايد في مجال تكنولوجيا المعلومات. وتبرز البلاد ثلاث نقاط قوة رئيسية: كفاءات مؤهلة، وقرب جغرافي من أوروبا، وتكاليف تنافسية.

و بحسب المعطيات التي أوردتها الوكالة، يضم القطاع الرقمي التونسي أكثر من 2000 مؤسسة ويوفر نحو 40 ألف موطن شغل مباشر. كما تتمتع تونس بنسبة نفاذ إلى الإنترنت تناهز 85%، إلى جانب تغطية واسعة لشبكة الجيل الرابع في المناطق الحضرية، وانطلاق نشر شبكة الجيل الخامس في فيفري 2025، في مرحلة أولى بالمدن الكبرى والمناطق الساحلية ذات الديناميكية الاقتصادية.

بديل قريب للشركات الألمانية

يستجيب التعهيد القريب لحاجة ملموسة جدًا، تتمثل في العثور على مهندسين ومطورين وكفاءات تكنولوجية مؤهلة، دون الابتعاد كثيرًا عن الأسواق الأوروبية. وبالنسبة إلى الشركات الألمانية، توفر تونس عدة مزايا عملية.

فمدة الرحلة الجوية بين فرانكفورت وتونس لا تتجاوز نحو ساعتين، والفارق الزمني محدود، فيما تبقى التكاليف أقل من عدة مواقع في أوروبا الشرقية. وبالنسبة إلى مشاريع تكنولوجيا المعلومات، والهندسة، وتطوير البرمجيات، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي أو الأنظمة المدمجة، تُعد هذه العوامل مهمة بقدر أهمية المستوى التقني للفرق.

و يستشهد مقال وكالة GTAI خصوصًا بالشركة التونسية Wevioo، التي تأسست سنة 2000 وتضم نحو 450 موظفًا، باعتبارها من أبرز الفاعلين في خدمات تكنولوجيا المعلومات.

و يرى مديرها العام مهدي تكاية أن تونس باتت تمتلك اليوم مصداقية حقيقية في مجالي التعهيد والتعهيد القريب، بفضل مهندسيها وكفاءاتها التكنولوجية وخبرتها في المشاريع الدولية.

الغزالة.. واجهة لمنظومة تكنولوجية منظمة

يُقدَّم القطب التكنولوجي بالغزالة، في تونس الكبرى، باعتباره التجمع الرئيسي لتكنولوجيا المعلومات في البلاد. ويضم مؤسسات تنشط في تطوير البرمجيات، والاتصالات، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والأنظمة المدمجة.

و توجد فيه شركات دولية ومزودون تونسيون كبار، من بينهم Orange/Sofrecom وActia وSagemcom وSopra HR وVermeg وProxym Group. كما تمتلك المجموعة الألمانية Kromberg & Schubert مركزًا تكنولوجيًا وهندسيًا في هذا الفضاء.

و لا تكمن أهمية القطب التكنولوجي بالغزالة في وجود الشركات فقط، بل أيضًا في احتضانه مؤسسات تكوين وبحث مثل ISET’COM وSUP’COM وESPRIT وجامعة SESAME. ويخلق هذا التقارب بين التكوين والبحث والمؤسسات منظومة ملائمة للمشاريع التكنولوجية والتعاون الصناعي.

عدد كبير من المهندسين.. وتحدي الاحتفاظ بالكفاءات

تمتلك تونس رصيدًا تقنيًا مهمًا. ففي كل عام، يتخرج نحو 10 آلاف طالب من مسارات الهندسة، وتشكل النساء قرابة نصف هذا العدد. كما تضم البلاد حوالي 45 مدرسة مهندسين، فيما تعمل أكثر من عشرين مؤسسة على اعتماد بعض مساراتها من قبل وكالات أوروبية.

و يُعد هذا العامل أساسيًا بالنسبة إلى الشركات الألمانية التي تواجه غالبًا صعوبات في التوظيف ضمن المهن التكنولوجية. ويمكن لتونس أن توفر لها فرقًا مؤهلة ومتاحة وقريبة ثقافيًا من أوروبا.

لكن التحدي يبقى كبيرًا. فبحسب عمادة المهندسين التونسيين، يغادر نحو 6000 مهندس البلاد سنويًا. غير أن وكالة GTAI تشير إلى تطور لافت، يتمثل في أن عددًا متزايدًا من المهندسين التونسيين يختارون البقاء في تونس مع العمل عن بعد لفائدة حرفاء دوليين.

و من شأن هذا التوجه أن يحول هجرة الكفاءات إلى فرصة، إذا تمكنت البلاد من هيكلة عروضها من الخدمات القابلة للتصدير بشكل أفضل.

الدور الإيجابي لسفارة تونس في ألمانيا

لا تقوم هذه الديناميكية على الشركات وحدها، بل تستند أيضًا إلى عمل دبلوماسي واقتصادي متزايد النشاط. وتضطلع سفارة تونس في ألمانيا، في هذا السياق، بدور إيجابي في الترويج للموقع التونسي لدى الأوساط الاقتصادية الألمانية.

و في سوق ألمانية تتسم بمتطلبات عالية، تُعد الثقة عنصرًا حاسمًا. ولا يقتصر دور السفارة على التمثيل البروتوكولي، إذ يمكنها تسهيل الاتصالات، ودعم إبراز الكفاءات التونسية، ومرافقة المبادلات الاقتصادية، والمساهمة في تحسين تموقع تونس كشريك تكنولوجي موثوق.

و تزداد أهمية هذا الدور بالنظر إلى أن أحد أبرز الملاحظات التي يطرحها مهنيّو القطاع يتعلق بنقص التسويق الدولي للموقع التونسي. ويأسف مهدي تكاية لكون تونس لا تزال تعاني من ضعف في الرؤية، رغم جودة مهندسيها وكفاءاتها التكنولوجية وخبرتها في المشاريع الدولية.

ومن ثم، يمكن لسفارة تونس في ألمانيا أن تلعب دور جسر يربط الشركات الألمانية بالفاعلين التونسيين في المجال الرقمي، ويعبئ الكفاءات التونسية المقيمة في ألمانيا، ويثمن النجاحات القائمة، ويساعد على بناء خطاب اقتصادي أكثر جرأة حول تونس الرقمية.

تعاون تونسي ألماني متين

يندرج الإمكان التكنولوجي لتونس ضمن علاقة اقتصادية أوسع. فألمانيا تُعد من أبرز الشركاء الاقتصاديين لتونس. ووفق أرقام تداولتها الصحافة التونسية، توجد أكثر من 300 شركة ألمانية في تونس، وقد ساهمت في خلق عشرات آلاف مواطن الشغل في الصناعة، والسيارات، والإلكترونيات، والنسيج التقني، والخدمات التكنولوجية.

و يشكل هذا الحضور الصناعي ميزة لفائدة التعهيد القريب في تكنولوجيا المعلومات. فالشركات الألمانية تعرف تونس بالفعل كموقع إنتاج وهندسة ومناولة صناعية.

و يتمثل التحدي اليوم في تطوير هذه الصورة نحو بُعد أكثر تكنولوجيًا، بحيث لا يُنظر إلى تونس فقط كمنصة صناعية تنافسية، بل أيضًا كمزود لكفاءات رقمية ذات قيمة مضافة عالية.

Tech216 وAHK وGIZ.. أدوات ربط مع الشركات الألمانية

يسلط مقال وكالة GTAI الضوء أيضًا على دور المؤسسات الألمانية الحاضرة في تونس. فمبادرة Tech216، التي تنفذها الوكالة الألمانية للتعاون الدولي GIZ لحساب الوزارة الفيدرالية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية، ترافق تطوير مشاريع التعهيد في تكنولوجيا المعلومات والتعهيد القريب بين الفاعلين الألمان والتونسيين.

كما تضطلع الغرفة التونسية الألمانية للصناعة والتجارة بدور محوري في الربط بين الفاعلين، ودخول السوق، وتنظيم لقاءات الأعمال. وفي نوفمبر 2026، يعتزم Import Promotion Desk تنظيم مهمة إلى تونس، بالتعاون مع عدة شركاء ألمان، مخصصة للخدمات والمنتجات الرقمية، وتشمل زيارات ميدانية لمؤسسات، ولقاءات ثنائية، وتشبيكًا مؤسساتيًا.

و تكتسي هذه الآليات أهمية خاصة، لأن قرار التعهيد القريب لا يُتخذ على أساس الكلفة وحدها. فالشركات الألمانية تبحث أيضًا عن الأمن القانوني، والجودة التشغيلية، والامتثال، وحماية البيانات، والقدرة على العمل طويل المدى مع شركاء موثوقين.

الكلفة.. ميزة حقيقية لكنها غير كافية

تبقى ميزة الكلفة من أكثر الحجج وضوحًا. ويوضح يوسف الهذيلي، مؤسس Scope Merge، لوكالة GTAI أن الكلفة الإجمالية بالنسبة إلى حريف أوروبي قد تمثل نحو 60% من كلفة منصب مماثل في ألمانيا. ويقوم نموذجه على مساعدة الشركات الأوروبية على بناء فرق هندسية مخصصة في تونس، دون الحاجة فورًا إلى إنشاء هيكل محلي.

لكن الكلفة لا يمكن أن تكون الحجة الوحيدة. فحتى تفرض تونس نفسها أمام الهند ورومانيا وصربيا وفيتنام وأوكرانيا، عليها الدفاع عن عرض أكثر شمولًا، يقوم على القرب الجغرافي، والتقارب الثقافي، وتوفر مهندسين مكونين، وإتقان اللغة الإنجليزية في المشاريع الدولية، والخبرة الصناعية، وضعف الفارق الزمني، وإمكانية العمل بطريقة مدمجة مع الفرق الأوروبية.

التحدي الحقيقي : تسويق تونس التكنولوجية بشكل أفضل

يُعد مقال وكالة GTAI إيجابيًا، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن نقطة ضعف استراتيجية، وهي أن تونس تمتلك العديد من المزايا، لكنها لا تحولها بعد بالقدر الكافي إلى صورة علامة دولية.

فالبلاد تملك مهندسين ومدارس وشركات ومراجع مهنية وكفاءات في المهجر بألمانيا وقربًا واضحًا من أوروبا. ومع ذلك، يبقى تموقعها أقل وضوحًا من بعض منافسيها في أوروبا الشرقية أو آسيا.

و هنا يصبح الدور المشترك للشركات والدولة وسفارة تونس في ألمانيا ووكالة النهوض بالاستثمار الخارجي والجالية وغرف التجارة والفاعلين الخواص حاسمًا. فالتعهيد القريب في تكنولوجيا المعلومات هو سوق قائم على الثقة، ولذلك يجب طمأنة الشركاء، وإثبات القدرات، وتوثيق التجارب، وسرد ما تعرف تونس فعله بطريقة أفضل.

نافذة فرصة يجب تحويلها إلى مكسب

تمتلك تونس اليوم نافذة فرصة حقيقية. فالشركات الألمانية تبحث عن كفاءات، وتسعى إلى خفض بعض التكاليف، وتأمين مشاريعها الرقمية، وتقريب فرق التطوير التابعة لها. وفي هذا السياق، تمتلك تونس حججًا قوية.

فالبلاد ليست بعد عملاقًا في مجال التعهيد القريب لتكنولوجيا المعلومات، لكنها لم تعد فاعلًا هامشيًا. فمهندسوها وشركاتها الرقمية ومنظومتها التكنولوجية وقربها من أوروبا تمنحها موقعًا يستحق الدفاع عنه.

و يمكن للدور النشط لسفارة تونس في ألمانيا أن يعزز هذه الديناميكية، شرط أن يندرج ضمن استراتيجية أوسع للترويج الاقتصادي. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بتكوين المهندسين.

بل أصبحت اليوم تتعلق بإيصال رسالة واضحة إلى ألمانيا وأوروبا مفادها أن تونس يمكن أن تكون منصة جدية وتنافسية وموثوقة للخدمات الرقمية والهندسة والمشاريع التكنولوجية المستقبلية.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا