آخر الأخبار

كيف تُحدّد الشركات التونسية خياراتها التمويلية في اقتصاد متحوّل ؟

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تُطوّر الشركات التونسية المدرجة في السوق المالية أساليبها في تمويل استثماراتها ضمن بيئة اقتصادية تتّسم بتقلبات دورية في النمو والتضخم وتكلفة التمويل.

ويعكس سلوكها المالي بحثًا مستمرًا عن التوازن بين الاعتماد على الموارد الذاتية واللجوء إلى الاقتراض، بما يسمح بتأمين استمرارية النشاط وتعزيز القدرة التنافسية دون الإخلال بالاستقرار المالي. وتتحرك هذه القرارات ضمن منطق اقتصادي يقوم على المفاضلة بين تقليل المخاطر من جهة، وتسريع وتيرة النمو من جهة أخرى.

مستوى الربحية والاعتماد على التمويل

تُظهر المعطيات أن الشركات الأكثر ربحية تميل عادة إلى تقليص اعتمادها على الديون، إذ ترتفع قدرتها على تمويل استثماراتها من خلال الموارد الداخلية. ويُعدّ كل من العائد على الأصول والعائد على حقوق الملكية من أبرز المؤشرات التي تعكس هذه القدرة التمويلية الذاتية. وكلما تحسّنت هذه المؤشرات، تقلّ الحاجة إلى اللجوء إلى الأسواق الائتمانية، بما يحدّ من كلفة التمويل ويقلّل من مخاطر المديونية.

ويُفسَّر هذا السلوك من خلال منطق مالي مؤسسي يرسّخ أولوية التمويل الداخلي، ثم التمويل بالدين، على أن يُعتبر إصدار الأسهم خيارًا أخيرًا. ويعكس هذا الترتيب الحرص على تقليص كلفة رأس المال والحفاظ على مرونة مالية أكبر في مواجهة تقلبات السوق. كما يُبرز توجهًا واضحًا نحو تعزيز الاستقلالية التمويلية عندما تسمح الظروف التشغيلية بذلك.

هذا وتُبرز الديناميكيات المالية أن حجم الشركة ومستوى رسملتها يلعبان دورًا محوريًا في تحديد قدرتها على الاقتراض ذلك ان الشركات الكبرى غالبًا ما تستفيد من سمعة مالية أقوى، ومن قاعدة أصول أكثر توسعًا، مما يمنحها قدرة تفاوضية أعلى مع المؤسسات المالية ويُحسّن شروط التمويل المتاحة لها.

وفي هذا السياق، تميل الشركات ذات الحجم الكبير إلى استخدام الرافعة المالية بدرجة أكبر، نظرًا لقدرتها على إدارة مشاريع استثمارية واسعة وتحمل التزامات مالية أعلى دون تهديد استقرارها. في المقابل، تعتمد الشركات الصغيرة أو الأقل رسملة سياسات مالية أكثر تحفظًا، وتُفضّل تقليص مستويات المديونية لتفادي مخاطر السيولة وارتفاع كلفة التمويل، وهو ما يعكس تباينًا بنيويًا في القدرة على الوصول إلى التمويل الخارجي.

العوامل المحددة للرافعة المالية

تُوضح دراسة حديثة بعنوان “محددات الرافعة المالية في الشركات التونسية المدرجة”، اعتمدت على تحليل بيانات 30 شركة مدرجة في بورصة تونس خلال الفترة 2016-2023، أن قرارات التداين لا تتحدد بعامل واحد، بل بنتيجة تفاعل معقّد بين الربحية، وحجم الشركة، ومستوى الرسملة، والبيئة الاقتصادية الكلية، بما في ذلك النمو والتضخم. وتُبرز نتائج الدراسة أن الرافعة المالية تُستخدم كأداة توازن دقيقة بين تمويل التوسع وضبط المخاطر المالية، بما يعكس منطقًا عقلانيًا في إدارة الهيكل المالي داخل المؤسسات المدرجة.

وتتأثر قرارات الشركات التمويلية بشكل مباشر بالظروف الاقتصادية العامة، حيث يؤدي ارتفاع معدلات النمو إلى زيادة الميل نحو الاقتراض، مدفوعًا بتوقعات ربحية أعلى وفرص توسع أكبر. وفي هذه الحالات، تُصبح الرافعة المالية وسيلة لتعظيم الاستفادة من الدورة الاقتصادية الإيجابية وتسريع الاستثمار.

في المقابل، يؤدي ارتفاع التضخم أو عدم استقرار البيئة الاقتصادية إلى رفع كلفة الاقتراض، ما يدفع الشركات إلى إعادة ضبط هياكلها التمويلية وتقليص اعتمادها على الديون. كما تنخفض شهية المخاطرة في فترات عدم اليقين، لتتجه الشركات نحو سياسات مالية أكثر تحفظًا، ترتكز على تعزيز السيولة وتقليص الالتزامات قصيرة وطويلة الأجل.

تُؤكد التجربة المالية للشركات التونسية أن الرافعة المالية ليست مجرد أداة تمويل، بل عنصر استراتيجي في إدارة النمو والاستقرار فالاستخدام الرشيد للدين يسمح بتوسيع الاستثمارات وتعزيز القدرة التنافسية، بينما قد يؤدي الإفراط فيه إلى هشاشة مالية تُضعف قدرة المؤسسة على مواجهة الصدمات الاقتصادية.

ويُظهر التحليل العام أن سلوك الشركات في تونس خلال السنوات الممتدة بين 2016 و2023 يعكس قدرة على التكيّف مع المتغيرات الاقتصادية، عبر تعديل مستويات التداين وفقًا لتقلبات الربحية، والحجم، والرسملة، والظرف الكلي. ويجعل هذا التوازن الدقيق من إدارة الهيكل المالي عنصرًا حاسمًا في تعزيز صمود الشركات في بيئة اقتصادية تتّسم بعدم اليقين النسبي وتفاوت دورات النمو.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا