تُعيد تونس اليوم فتح واحد من أكثر الملفات الاقتصادية والمالية حساسية منذ عقود، في ظل تحولات عالمية متسارعة تفرض مراجعة عميقة للمنظومة القانونية المنظمة لحركة رؤوس الأموال والاستثمارات والتحويلات المالية.
وتكتسي جلسة الاستماع التي عقدتها لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب يوم الخميس 14 ماي الجاري حول مقترح قانون إصدار مجلة الصرف أهمية خاصة، باعتبارها تعكس بداية تشكل توافق مؤسساتي حول ضرورة الانتقال من منطق الرقابة التقليدية إلى منطق الحوكمة الاقتصادية المرنة.
وتُظهر المعطيات الرسمية أن الإطار الحالي للصرف في تونس ما يزال يستند بدرجة كبيرة إلى فلسفة تعود إلى سبعينات وثمانينات القرن الماضي، حين كانت الأولوية موجهة لحماية احتياطي العملة الأجنبية وتحديد حركة رؤوس الاموال لكن الاقتصاد الوطني أصبح اليوم أكثر انفتاحًا وتعقيدًا، إذ تمثل المبادلات التجارية الخارجية أكثر من 95% من الناتج الداخلي الخام، فيما تجاوزت الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال سنة 2025 مستوى 3.5 مليار دينار وفق بيانات وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي، مع تنامي دور المؤسسات التكنولوجية والخدمات العابرة للحدود.
المراجعة المنتظرة ورهانات الاستثمار والتنافسية
أكد رئيس لجنة المالية والميزانية ماهر الكتاري أن مجلة الصرف تمثل إحدى الركائز الأساسية المؤطرة للسياسات الاقتصادية والمالية والاستثمارية للدولة، وهو توصيف يعكس البعد الهيكلي لهذا الإصلاح. كما شدد ممثلو مجلس الغرف المشتركة على أن فعالية قانون الاستثمار تبقى مرتبطة مباشرة بوجود إطار صرفي مرن ومتناسق مع متطلبات الاقتصاد الحديث.
وتتمثل إحدى أبرز النقاط المثارة في إعادة تعريف صفة “المقيم” و”غير المقيم”، وهي مسألة تتجاوز بعدها القانوني نحو تأثيرات مباشرة على الجباية، والاستثمار، وحرية تحويل الأرباح، وإدارة الأصول العابرة للحدود. وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل وجود عدد هام من المؤسسات غير المقيمة المصنفة ضمن فئة المؤسسات الصغرى والمتوسطة، التي تعتمد على المرونة المالية وسرعة المعاملات الدولية.
وتُشير التقديرات الدولية إلى أن الدول التي نجحت في تحديث تشريعات الصرف سجلت تحسنًا ملحوظًا في تدفقات الاستثمار الأجنبي. ففي المغرب مثلًا، أدى التحرير التدريجي لقواعد الصرف منذ سنة 2017 إلى ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بأكثر من 40% خلال خمس سنوات، وفق بيانات البنك الدولي. كما نجحت مصر، بعد إصلاحاتها النقدية وتعويم الجنيه سنة 2016، في مضاعفة احتياطي النقد الأجنبي من أقل من 20 مليار دولار إلى أكثر من 44 مليار دولار قبل أزمة 2022.
التجارب الدولية تعيد صياغة فلسفة قوانين الصرف
تكشف التجارب المقارنة أن نجاح إصلاح قوانين الصرف لا يرتبط فقط بدرجة التحرير المالي، ولكن بقدرة الدولة على تحقيق توازن دقيق بين الانفتاح والاستقرار النقدي ففي تركيا، أدى التحرير السريع وغير المتدرج لحركة رؤوس الاموال خلال العقود الماضية إلى هشاشة مرتفعة أمام الصدمات الخارجية وتقلبات سعر الصرف. أما في ماليزيا، فقد اعتمدت السلطات نموذجًا أكثر تدرجًا يقوم على تحرير انتقائي ومدروس مع الحفاظ على أدوات رقابية مرنة.
وتُبرز تجربة المغرب أهمية الانتقال التدريجي نحو مرونة أكبر في سعر الصرف بالتوازي مع إصلاح المنظومة البنكية والجبائية. كما تُظهر تجربة الإمارات وسنغافورة أن تحديث قوانين الصرف كان عنصرًا محوريًا في التحول إلى منصات إقليمية لجذب الاستثمارات والخدمات المالية الدولية.
وفي هذا السياق، تبدو تونس مطالبة بصياغة نموذج خاص بها يأخذ بعين الاعتبار محدودية احتياطي العملة الأجنبية، الذي يغطي حاليًا نحو 106 يوم توريد تقريبًا، مقابل الحاجة الملحة لتحسين جاذبية الاستثمار ودعم تمويل الاقتصاد.
نحو تطوير المنظومة الحالية
انتقد المتدخلون خلال جلسة الاستماع الطابع الرقابي والزجري السائد في المنظومة الحالية، معتبرين أنه يحد من ديناميكية الاستثمار والنمو. كما دعوا إلى ربط العقوبات الجزائية بحالات التحيل وسوء النية فقط، بما يكرس مبادئ العدالة والتناسب والأمن القانوني.
وتُعد هذه النقطة من بين أبرز التحولات المنتظرة، خاصة وأن المستثمرين الأجانب والمؤسسات المالية الدولية يضعون مسألة الأمن القانوني ووضوح القواعد التنظيمية ضمن أولويات تقييم مناخ الأعمال. وتُصنف تونس حاليًا في مراتب متوسطة عالميًا من حيث سهولة ممارسة الأعمال وجاذبية الاستثمار، رغم امتلاكها قاعدة بشرية وموقعًا جغرافيًا تنافسيًا.
كما برز خلال النقاش مطلب إعادة النظر في بعض الصلاحيات الواسعة المخولة للبنك المركزي، في اتجاه إرساء توازن أفضل بين الرقابة النقدية ومتطلبات المرونة الاقتصادية، غير أن هذا التوجه يظل مرتبطًا بقدرة الدولة على تطوير أدوات الرقابة الذكية والرقمنة المالية وتعزيز الشفافية الجبائية.
تتطلع المؤسسات الاقتصادية التونسية إلى مجلة صرف جديدة تسمح بتسهيل المعاملات الدولية، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتحسين قدرة الشركات الناشئة والمؤسسات المصدرة على النفاذ إلى التمويل الخارجي والأسواق الدولية. كما ينتظر التونسيون بالخارج إصلاحات تمنح مرونة أكبر في إدارة ممتلكاتهم واستثماراتهم وتحويلاتهم المالية.
وفي المقابل، تظل المخاوف قائمة من أن يؤدي أي تحرير غير مدروس إلى ضغوط إضافية على سعر صرف الدينار واحتياطي النقد الأجنبي، خاصة في ظل العجز التجاري الهيكلي الذي تجاوز 21 مليار دينار خلال سنة 2025، وارتفاع خدمة الدين الخارجي.
وتفرض هذه المعادلة الدقيقة اعتماد مقاربة تدريجية تقوم على إصلاح متكامل يشمل المنظومة البنكية والجبائية والرقمية، بالتوازي مع تحسين الإنتاجية والصادرات ذلك ان نجاح مجلة الصرف الجديدة لن يُقاس بمدى تحريرها لحركة الاموال فحسب، ولكن بقدرتها على تحويل تونس إلى اقتصاد أكثر تنافسية وجاذبية واستقرارًا في آن واحد.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية