آخر الأخبار

تونس – سلاسل القيمة الفلاحية، رهان استراتيجي لتحسين التوازنات الاقتصادية

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تُبرز دراسة حديثة حول “إعادة تأهيل مسالك التوزيع الفلاحي في تونس”، تم تقديمها خلال الدورة العاشرة لـمنتدى تونس الاقتصادي، أن أكثر من 50 بالمائة من المبادلات المتعلقة بالمنتجات الفلاحية داخل مسالك التوزيع ما تزال خاضعة لهيمنة القطاع غير المنظم، في مؤشر يعكس عمق الاختلالات الهيكلية التي تعاني منها منظومة التجارة الداخلية والاقتصاد الفلاحي في البلاد.

وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة بالنظر إلى الوزن الاقتصادي والاجتماعي للقطاع الفلاحي الذي يساهم بما يناهز 10 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر قرابة 16 بالمائة من مواطن الشغل المباشرة، إلى جانب دوره المحوري في الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.

وتؤكد الدراسة، التي أنجزها المعهد العربي لرؤساء المؤسسات، أن سيطرة الاقتصاد الموازي على مسالك التوزيع لا تقتصر فقط على تشويه الأسعار وارتفاع التهرب الضريبي، بل تمتد أيضا إلى إضعاف قدرة سلط الاشراف على مراقبة المخزون والتصدي للمضاربة والاحتكار، وهو ما ينعكس مباشرة على معدلات التضخم الغذائي التي بقيت خلال السنوات الأخيرة من بين أعلى مكونات التضخم في تونس. وتشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى أن أسعار المواد الغذائية سجلت في بعض الفترات ارتفاعات تجاوزت 13 بالمائة على أساس سنوي، مدفوعة باضطرابات التوزيع واختلال حلقات التزويد.

نحو إصلاح عاجل لمنظومة الأسواق والمسالخ

تُظهر الدراسة أن البنية التحتية الحالية لأسواق الجملة والمسالخ تعاني تدهورا متسارعا نتيجة ضعف الصيانة وقصر مدة عقود اللزمات وغياب الكفاءات البلدية المتخصصة في إدارة الأسواق. كما تحذر من المخاطر الصحية المرتبطة بوضعية المسالخ وغياب أنظمة معلوماتية حديثة لمتابعة العمليات التجارية ومسالك التوزيع.

ويكتسب هذا الملف أبعادا اقتصادية كلية بالنظر إلى أن خسائر ما بعد الإنتاج والتبذير الغذائي في تونس تُقدّر، وفق تقديرات منظمات دولية مختصة، بما بين 20 و30 بالمائة من بعض المنتجات الفلاحية الطازجة، وهو ما يؤدي إلى ضياع جزء مهم من القيمة المضافة الزراعية وارتفاع كلفة التوزيع والاستهلاك. كما يؤدي ضعف اللوجستيك والتخزين والتبريد إلى زيادة الضغط على الأسعار، خاصة في فترات الذروة الموسمية.

وتقترح الدراسة ثلاثة محاور استراتيجية للإصلاح تتمثل في تحديث الإطار القانوني، وتأهيل البنية التحتية، وإدماج القطاع غير المنظم ضمن الاقتصاد الرسمي، إلى جانب تطوير الفلاحة التعاقدية وإرساء منظومة رقمية تحت اسم “السوق الإلكترونية” لتقليص عدد الوسطاء بين المنتج والمستهلك.

مشاريع رقمية لإعادة هيكلة السوق الفلاحية

تتضمن خارطة الطريق الممتدة على خمس سنوات، بين 2026 و2030، حزمة من المشاريع الاقتصادية ذات الطابع الهيكلي. وتخصص المرحلة الأولى الممتدة بين 2026 و2027 لإعداد الأمر الحكومي المنظم لصيغ التصرف الجديدة، وإطلاق صندوق دعم لرواد الأعمال، فضلا عن تطوير نسخة تجريبية من المنصة الوطنية الرقمية للأسعار وإنشاء شركتين جهويتين نموذجيتين مكلفتين بالحوكمة.

أما مرحلة التنفيذ الممتدة بين 2028 و2030 فتشمل إعادة تأهيل خمسة أسواق جملة ومسلخين وفق المعايير الدولية، إلى جانب مراجعة الإطار القانوني للمنافسة وتعميم المنصة الرقمية الوطنية للربط بين مختلف المتدخلين في سلسلة التوزيع.

ورغم أن الدراسة لم تحدد القيمة الإجمالية للاعتمادات المرصودة لهذه المشاريع، فإن التقديرات في مجال الاقتصاد الفلاحي تشير إلى أن تحديث البنية اللوجستية والتخزينية والرقمية للقطاع قد يتطلب استثمارات بمئات ملايين الدنانير خلال السنوات المقبلة، خاصة مع الحاجة إلى تطوير شبكات التبريد والنقل الذكي ومنصات التتبع والفوترة الإلكترونية.

ويُنتظر أن تساهم هذه الإصلاحات في رفع المداخيل الجبائية للدولة عبر توسيع قاعدة الاقتصاد المنظم وتقليص التهرب الضريبي، إلى جانب تحسين شفافية المعاملات التجارية ومكافحة المضاربة بشكل أكثر نجاعة.

دعم الإصلاحات للفلاحين الصغار

تسعى المقاربة الجديدة المقترحة إلى تحسين مداخيل الفلاحين الصغار عبر تقليص عدد الوسطاء غير الضروريين وتنظيم العلاقة بين المنتجين والمشترين من خلال عقود مسبقة تحدد الأسعار والكميات وآجال التسليم. ويكتسي هذا التوجه أهمية بالغة في ظل هشاشة جزء واسع من صغار الفلاحين الذين يواجهون صعوبات مرتبطة بارتفاع كلفة الإنتاج وضعف النفاذ إلى التمويل والأسواق.

وتوصي الدراسة بإدماج الوسطاء ضمن المنظومة الرسمية عبر ادراجهم في السجلات القانونية ومنحهم بطاقات مهنية، مع توفير حوافز جبائية واجتماعية، بما يسمح بإعادة تنظيم النشاط التجاري بدل إقصائه. كما تدعو إلى إنشاء شبكة وطنية لمراكز التجميع والتبريد وأسواق فلاحية حضرية ووحدات تحويل مدمجة داخل أسواق الجملة بهدف تثمين المنتجات غير المباعة والوصول تدريجيا إلى “صفر خسائر”.

وتنسجم هذه التوجهات مع تجارب دولية ناجحة، التي اعتمدت على تطوير سلاسل القيمة الزراعية وتعزيز التجميع المهني للفلاحين، مما ساهم في رفع صادرات المنتجات الفلاحية وتحسين دخل المنتجين. وفي هذا الصدد نجحت إسبانيا، في بناء منظومات تعاونية متطورة مكنت صغار الفلاحين من النفاذ المباشر إلى الأسواق الأوروبية عبر منصات لوجستية ورقمية حديثة.

اهمية تعزيز الرقمنة والفلاحة التعاقدية

تبرز المقترحات الجديدة اهمية التحول التدريجي في فلسفة إدارة القطاع الفلاحي من منطق التدخل الظرفي إلى منطق الحوكمة الاقتصادية المستدامة ذلك ان إرساء منصة رقمية وطنية موحدة للتتبع والفوترة الإلكترونية من شأنه أن يعزز شفافية الأسعار ويوفر معطيات فورية حول العرض والطلب والمخزون، وهو ما يساعد على تحسين اتخاذ القرار الاقتصادي وتقليص التقلبات الحادة في الأسواق.

كما يُنتظر أن يؤدي تطوير الفلاحة التعاقدية إلى توفير رؤية أوضح للفلاحين حول الإنتاج والتسويق، بما يعزز الاستثمار والإنتاجية والاستقرار المالي داخل القطاع. وتُظهر تجارب دول مثل فرنسا وهولندا أن العقود الزراعية المسبقة والرقمنة الشاملة لمسالك التوزيع ساهمتا في تحسين تنافسية المنتجات وتقليص الفاقد الغذائي ورفع كفاءة سلاسل الإمداد.

وتؤكد المؤشرات أن نجاح تونس في إصلاح مسالك التوزيع الفلاحي لن يكون إصلاحا قطاعيا محدودا، بقدر ما يمثل خطوة استراتيجية لإعادة التوازن إلى الاقتصاد الكلي، عبر دعم الأمن الغذائي، وكبح التضخم، وتحسين المالية العمومية، وتقليص الفوارق الجهوية، وخلق منظومة تجارية أكثر عدالة وشفافية واستدامة.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا