آخر الأخبار

أوكرانيا: الاتحاد الأوروبي يفرج عن 90 مليار يورو، ويعتمد الحزمة العشرين من العقوبات، ويفتح مرحلة استراتيجية جديدة

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

بالنسبة إلى كييف، شكّل يوم 23 أفريل منعطفًا حقيقيًا. فقد لخّص وزير الخارجية الأوكراني، أندريه سيبيها، هذه اللحظة باعتبارها محطة أعادت أملًا ملموسًا إلى أوكرانيا وأوروبا، وفي الوقت نفسه بدّدت جزءًا من أوهام روسيا. وفي خلفية هذا التحول، تبرز ثلاثة تطورات كبرى: الإفراج عن 90 مليار يورو، واعتماد الحزمة العشرين من العقوبات الأوروبية ضد روسيا، وظهور ديناميكية جديدة حول فتح ست مجموعات تفاوضية في مسار انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي.

وفي الرسالة التي نشرها عقب هذه التطورات، شدد سيبيها على دور العمل الدبلوماسي الذي قاده فولوديمير زيلينسكي خلال الأسابيع الأخيرة. فقد كثّف الرئيس الأوكراني، خلال زيارته إلى قبرص، اتصالاته مع المسؤولين الأوروبيين، ولا سيما أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا، إلى جانب قادة ليتوانيا والدنمارك. وبالنسبة إلى كييف، فإن ما كان يبدو مغلقًا إلى وقت قريب بدأ يتحرك، في دليل على أن العراقيل السياسية يمكن رفعها متى توفرت طاقة دبلوماسية مستمرة.

90 مليار يورو وحزمة عقوبات أوروبية عشرون

تبقى الإشارة الأقوى، بطبيعة الحال، مالية. فالغلاف المالي البالغ 90 مليار يورو يمثل بالنسبة إلى أوكرانيا تقدمًا كبيرًا، سواء لدعم الجهد الوطني في مواجهة الحرب أو لترسيخ مسارها الأوروبي.

وفي الوقت نفسه، صادق الاتحاد الأوروبي على حزمته العشرين من العقوبات ضد روسيا. ويستهدف هذا الإطار الجديد عدة مجالات أساسية، من بينها قطاع الطاقة الذي يواصل تغذية عائدات الحرب لدى الكرملين، والقطاع المالي، بما في ذلك العمليات بالعملات المشفرة، إلى جانب التجارة، والمجمع الصناعي العسكري، فضلًا عن هياكل الدعاية وعمليات التأثير المعلوماتي.

وتؤكد كييف أيضًا أن هذه الحزمة تحمل بصمة واضحة للعمل الأوكراني. ووفق السلطات، فإن 70% من عناصر الحزمة العشرين تتضمن مقترحات أو تحليلات أعدها الجانب الأوكراني. كما أن عدة شركات وأفراد وهياكل شملتها العقوبات الأوروبية كانت قد استُهدفت سابقًا بالعقوبات الأوكرانية، من بينها سفن “أسطول الظل”، ومصافٍ، وبنى تحتية مرفئية، وبنوك، ومزودون للمجمع الصناعي العسكري الروسي. ويتعلق جانب مهم من هذه الحزمة أيضًا بمكافحة الالتفاف على العقوبات، وهو أحد أكثر الثغرات حساسية في الضغط الغربي على موسكو.

وبالنسبة إلى أوكرانيا، فإن الخلاصة واضحة: ما دام العدوان الروسي مستمرًا، يجب أن يتصاعد الضغط أكثر. وترحب كييف منذ الآن بانطلاق العمل على حزمة عقوبات حادية وعشرين، تريد أن تساهم فيها بفاعلية. والمنطق هنا بسيط: فالعائدات المتأتية من المحروقات لا تزال من أبرز مصادر العملة الصعبة للميزانية الروسية، وبالتالي من أهم محركات تمويل الحرب.

“هرمز وأوربان”.. عائقان تحدّثت عنهما كييف

استخدم أندريه سيبيها عبارة لافتة لوصف الأشهر الأخيرة، معتبرًا أن العائقين اللذين أضرّا بأوكرانيا أكثر خلال مارس وأفريل كانا “هرمز وأوربان”. وإذا كانت المسألة الأولى لا تزال معقدة، فإن الثانية بدأت أخيرًا تنفرج.

وفي كييف، يُنظر إلى هذا التطور باعتباره انتكاسة جدية لموسكو. فقد كانت روسيا تراهن بوضوح على أن تواصل نقاط ارتكازها أو الجهات القريبة منها داخل الاتحاد الأوروبي تعطيل القرارات الأساسية لصالح أوكرانيا، وإبطاء الضغط على الكرملين، وإضعاف الوحدة الأوروبية. لذلك فإن بداية تراجع هذه العراقيل تغيّر المعادلة.

لكن، أبعد من الأثر المباشر على أوكرانيا، تكشف هذه المرحلة أيضًا عن أمر آخر: قدرة أوروبا على استعادة انسجامها السياسي وتجاوز انقساماتها الداخلية عندما تشعر بأنها موضوعة مباشرة أمام اختبار حاسم.

أوروبا تريد استعادة موقعها كقوة سياسية

لا يقتصر الخطاب الأوكراني بشأن هذا اليوم على المساعدات والعقوبات. فهو يتضمن أيضًا فكرة أوسع، مفادها أن أوروبا بصدد إعادة اكتشاف قوتها السياسية. بل يتحدث سيبيها عن شكل من أشكال النهضة الأوروبية، يتجلى في عودة الثقة، واستعادة الفاعلية السياسية، والقدرة على التحرك.

وفي هذه الرؤية، لم تعد أوكرانيا مجرد مستفيد من المساعدات. بل أصبحت أحد العناصر المركزية في هذه القوة الأوروبية الجديدة الآخذة في التشكل. فتجربتها، وصمودها، وقدراتها العسكرية والتكنولوجية، تضعها في قلب إعادة الانتشار الاستراتيجي للقارة.

كييف تطرح رؤيتها الخاصة للأمن الأوروبي

ينعكس هذا التوجه نفسه في التفكير الأوكراني بشأن المستقبل الأمني لأوروبا. فقد طرح فولوديمير زيلينسكي رؤية لهندسة أمنية جديدة تقوم على دول مثل أوكرانيا وتركيا والمملكة المتحدة والنرويج. ووفق هذا الطرح، تجمع هذه الدول الأربع اليوم أحد أقوى الإمكانات الدفاعية في القارة.

والرسالة واضحة: يجب أن يستند الأمن الأوروبي من الآن فصاعدًا إلى قدرات عسكرية حقيقية، لا إلى ضمانات مفترضة أو ردود فعل موروثة من الماضي. وبالتالي، لا يتمثل الهدف في انتظار تسوية سلام محتملة بشكل سلبي، بل في بناء إطار أمني موثوق منذ الآن في مواجهة روسيا.

وقد أتاحت المحادثات التي جرت في إسطنبول بين زيلينسكي ورجب طيب أردوغان تحقيق خطوات جديدة في التعاون العسكري بين أوكرانيا وتركيا، في البحر والجو والبر. وبالتوازي، عملت المملكة المتحدة والنرويج وهولندا مع كييف على تطوير أسطول من الطائرات المسيّرة البحرية، ينشط بالفعل في البحر الأسود.

الدبلوماسية الأوكرانية تؤثر في التسوية المستقبلية

ما يبرز من هذه المرحلة هو تطور واضح في الموقف الأوكراني. فكييف لم تعد تفصل بين الدبلوماسية والحرب. وهي تعتبر الآن أن المبادرة الدبلوماسية يجب أن تساهم بنفسها في تشكيل الإطار المستقبلي لأي نقاش سياسي.

بعبارة أخرى، ترفض أوكرانيا أن يتم الحديث عن السلام من دونها أو بدلًا عنها. وتريد أن تضمن أن أي تسوية مستقبلية ستأخذ في الاعتبار موقفها ومصالحها ومصالح شركائها. ومن هذا المنطلق، لا تسعى الدبلوماسية الأوكرانية إلى مواكبة الأحداث فحسب، بل تريد التأثير الفعلي في مآلاتها.

ويشمل هذا النهج أيضًا عنصرًا تعتبره كييف لا غنى عنه، وهو مسؤولية المعتدي. فبالنسبة إلى السلطات الأوكرانية، لا يمكن أن يكون هناك سلام مستقر من دون عدالة، ومن دون اعتراف بالجرائم المرتكبة، ومن دون آليات قادرة على منع تكرار العدوان.

ميدانيًا.. أوكرانيا تواصل ضرب آلة الحرب الروسية

في الوقت الذي تتشكل فيه هذه المكاسب الدبلوماسية، يواصل الجيش الأوكراني استراتيجيته الرامية إلى إضعاف القدرات العسكرية الروسية تدريجيًا. ففي ليلة 18 أفريل، استهدفت القوات الأوكرانية أربع منشآت تكرير تقع في إقليم كراسنودار وفي منطقتي سامارا ولينينغراد. كما استهدفت طائرات مسيّرة مباني تابعة للأسطول الروسي في البحر الأسود، ومعدات اتصالات، وخزان وقود في شبه جزيرة القرم المحتلة.

وبالنسبة إلى كييف، تندرج هذه العمليات في إطار حق الدفاع الشرعي عن النفس، كما تنص عليه المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. ويتمثل الهدف في تقليص قدرات روسيا على شن ضربات ضد أوكرانيا، مع إضعاف العائدات الطاقية التي تتيح للكرملين مواصلة عدوانه.

وتشدد السلطات الأوكرانية أيضًا على تمييز سياسي وأخلاقي: فالضربات الأوكرانية تستهدف أهدافًا عسكرية وبنى تحتية مرتبطة بتمويل الحرب، في حين تواصل روسيا، من جهتها، ترهيب المدنيين الأوكرانيين.

تفوق تكنولوجي يتأكد

تسلط كييف الضوء كذلك على عنصر آخر، وهو أن روسيا لم تنجح في حماية بعض سفن أسطولها في البحر الأسود، ولا عدة منشآت طاقية داخل أراضيها بشكل فعال. وترى أوكرانيا أن ذلك يعكس تقدمًا واضحًا في تفوقها التكنولوجي، ولا سيما في استخدام الطائرات المسيّرة.

ويُقدَّم الضعف التدريجي للقدرات البحرية الروسية باعتباره عاملًا مباشرًا لتحسين الأمن في البحر الأسود. وعلى نطاق أوسع، تسعى أوكرانيا إلى إثبات قدرتها على ضرب مفاتيح استراتيجية أساسية لاستمرار الحرب الروسية.

أوروبا أقوى وروسيا أكثر عزلة

تبدو الصورة العامة، بالنسبة إلى السلطات الأوكرانية، واضحة إلى حد بعيد: أوروبا تبدو أقوى، وأكثر وحدة، وأكثر قدرة على تجاوز عراقيلها الداخلية؛ وأوكرانيا تؤكد نفسها فاعلًا مركزيًا في هذه الديناميكية؛ وروسيا ترى جزءًا مما كانت تراهن عليه لعرقلة المساعدة الأوروبية يتآكل تدريجيًا.

وتختصر كييف رسالتها النهائية في كلمات قليلة: خلافًا لما تروّجه الدعاية الروسية، فإن أوروبا ليست ضعيفة ولا محكومة بالعجز. إنها تعيد تنظيم نفسها، وتصبح أكثر تسييسًا، وتعيد تدريجيًا تعريف قوتها. وتعتزم أوكرانيا أن تكون أحد أعمدة هذه المرحلة الجديدة.

أما الهدف المقبل فقد بات محددًا: الحصول سريعًا على الدفعات الأولى من قرض الـ90 مليار يورو، وفتح المجموعات التفاوضية في مسار الانضمام، والتحضير دون تأخير للحزمة الحادية والعشرين من العقوبات، والحفاظ على الضغط على صادرات الطاقة الروسية، والتقدم نحو إجراءات أشد صرامة، مثل منع دخول الروس الذين شاركوا في العدوان على أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي.

وبالنسبة إلى كييف، لا تمثل هذه المرحلة مجرد نجاح دبلوماسي ظرفي. إنها تؤشر إلى بداية مرحلة جديدة: أوروبا أكثر هجومية، وأكثر انسجامًا، وأكثر تصميمًا على عدم السماح للكرملين بمواصلة اللعب على انقساماتها.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا