آخر الأخبار

استقرار التضخم في تونس: قراءة في مسار التهدئة النقدية

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تدخل تونس، في ربيع 2026، واحدة من أكثر المراحل حساسية في دورتها النقدية منذ سنوات، فبعد فترة طويلة من الضغوط السعرية الحادة، بدأ المشهد الكلي يبعث على قدر محسوب من الارتياح حيث استقرّ التضخم عند 5% في مارس 2026، دون تغيير عن فيفري، بينما ناهزت نسبة التضخم الأساسي، أي باستثناء المواد الغذائية الطازجة والأسعار المؤطرة، نحو %4.6، حسب بيانات المعهد الوطني للإحصاء. وعلى مستوى الأشهر الثلاثة الأولى من السنة، انخفض متوسط التضخم إلى 5.2% مقابل 7% في الفترة نفسها من 2025، وهو فارق يعبّر بوضوح عن أن موجة الأسعار فقدت جزءًا مهمًا من زخمها.

لا ينبغي التقليل من أهمية هذا التحسن بحكم ان اقتصادا مثل الاقتصاد التونسي، شديد التعرض للهزات المرتبطة بتقلب اسواق الواردات الغذائية والطاقة والتمويل، لا يملك دائمًا ترف إدارة التضخم بهوامش واسعة. ومن هنا، فإن النجاح في خفض سرعة انتقال الصدمات إلى الأسعار الداخلية يمثل بحد ذاته إنجازًا نقديًا ومؤسساتيًا لكنه، في الوقت نفسه، لا يرقى بعد إلى مرتبة “الانتصار النهائي”، لأن استقرار التضخم عند 5% لا يعني أن معركة كلفة العيش قد حُسمت.

الإنجاز النقدي قائم

في العمق، ما حققته تونس حتى الآن هو مرحلة نزع التضخم أكثر مما هو عودة فعلية إلى بيئة أسعار مريحة ذلك ان الفارق هنا جوهري باعتبار ان الاقتصاد لا يرسل اليوم إشارة تقول إن الأسعار تراجعت، بل إشارة أكثر دقة مفادها ان الأسعار ما زالت ترتفع، لكن بوتيرة أبطأ.

تعد هذه النقطة مركزية لفهم التباين القائم بين المعطى الاقتصادي الرسمي والشعور اليومي للأسر حين يهبط التضخم من 7% إلى 5%، لا يعني ذلك أن سلة الاستهلاك أصبحت أرخص، ولكن فقط أن وتيرة الغلاء تباطأت. وإذا كانت الأسعار قد راكمت، خلال السنوات الماضية، زيادات كبيرة في الغذاء، النقل، الإيجارات، والخدمات، فإن هذا الإرث السعري لا يختفي بمجرد تحسن المؤشر الشهري أو السنوي ولهذا السبب تحديدًا، لا يشعر جزء واسع من التونسيين بأن “التضخم انخفض” حتى عندما تؤكد البيانات الرسمية أن المنحى أصبح أكثر هدوءًا.

لماذا يبدو التضخم مستقرًا إحصائيًا ؟

السبب الأول أن المؤشر العام يخفي اختلالًا داخل مكونات الاستهلاك نفسها ففي مارس 2026، تراجعت أسعار المواد الغذائية إلى %7.8 بعد %7 في فيفري، لكنها ظلت من أكثر المجموعات ضغطًا على ميزانيات الأسر، فيما سجلت مجموعة المطاعم والمقاهي والفنادق 11.7%، وهي من أعلى النسب داخل السلة الاستهلاكية. في المقابل، هدأت مجموعات أخرى نسبيًا، مما سمح بخفض المعدل العام. ويعني هذا أن التضخم لم يعد واسع الانتشار كما في ذروة الأزمة، لكنه ما يزال متركزًا في القطاعات الأكثر حساسية اجتماعيًا.

السبب الثاني يرتبط بما يمكن تسميته “الذاكرة التضخمية” اذ ان المستهلك لا يقيس الأسعار كما يقيسها الاقتصادي، بل يقارن ما يدفعه اليوم بما كان يدفعه قبل عامين أو ثلاثة، لا بما كان يدفعه الشهر الماضي فقط. لذلك، فإن أي استقرار في التضخم يظل ضعيف الأثر النفسي طالما أن المستوى العام للأسعار بقي مرتفعًا. أما السبب الثالث، فهو يتمثل في أن تحسن القدرة الشرائية لا ينتج آليًا عن تباطؤ التضخم بل يحتاج إلى معادلة أكثر تعقيدًا تقوم على استقرار الأسعار من جهة، وارتفاع الأجور أو المداخيل بوتيرة أسرع من الأسعار من جهة أخرى وما لم يحدث هذا التوازن، فإن المؤشر قد يتحسن، لكن الإحساس الاقتصادي سيبقى متأخرًا عنه.

تونس ومرحلة الاستقرار السعري البنيوي

السؤال هنا ليس ما إذا كانت السياسة النقدية نجحت، ولكن إلى أي مدى يمكن لهذا النجاح أن يصمد والمؤشرات الحالية توحي بأن البلاد تتقدم نحو استقرار نسبي أكثر رسوخًا مما كان عليه الوضع في 2024 و2025، لكن دون أن تبلغ بعدُ مستوى الاطمئنان البنيوي الكامل.

المعطى الإيجابي أن توقعات التضخم بدأت تنكسر نزوليًا، وهو عنصر حاسم في أي دورة تهدئة نقدية ناجحة. كما أن ثبات سعر الفائدة المديرية عند 7% منح الاقتصاد إطارًا نقديًا أكثر قابلية للتوقع، وسمح للبنك المركزي بالحفاظ على توازن دقيق بين مقاومة التضخم وتفادي خنق النشاط بشكل مفرط. في المقابل، يبقى الجانب الأقل راحة أن جزءًا معتبرًا من التضخم في تونس ليس داخلي المنشأ بالكامل، اذ يظل مستوردًا أو شبه مستورد الى حد بعيد، وهو ما يجعل استدامة التراجع مرتبطة ببيئة خارجية لا تتحكم فيها البلاد.

اختبار الجغرافيا السياسية

هنا تبدأ المرحلة الأصعب باعتبار أن آفاق مؤشر أسعار الاستهلاك العائلي في بقية 2026 ستتوقف، بدرجة كبيرة، على تقلب اسواق الطاقة، وتكاليف الشحن، وتطور مستوى اسعار الحبوب العالمية. وقد أعادت التوترات الجيوسياسية في الأشهر الأخيرة تذكير الأسواق بهشاشة هذا التوازن اذ توقعت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن يبلغ متوسط سعر خام برنت 68.65 دولارًا للبرميل في 2026، لكن مع قابلية مرتفعة للتقلب تبعًا لتطورات الشرق الأوسط ومسارات العرض العالمي.

وفي الوقت نفسه، أظهرت منظمة الأغذية والزراعة أن مؤشر أسعار الغذاء العالمي بلغ127.1 نقطة في مارس 2026، مرتفعًا6.9 % على أساس سنوي، مدفوعًا خصوصًا بالحبوب واللحوم ومنتجات الألبان. وبالنسبة إلى تونس، كبلد يعتمد بدرجة كبيرة على التوريد في الطاقة والحبوب والزيوت، فإن هذا يعني أن أي اضطراب خارجي يمكن أن يعيد تنشيط التضخم المستورد بسرعة.

سيناريو 2026: مزيد من التهدئة

في القراءة الكمية الصرفة، يبدو السيناريو المرجح أن يتحرك التضخم في تونس خلال ما تبقى من 2026 داخل نطاق بين 4.6% و5.8%، مع إمكانية ملامسة%4.5 في نهاية السنة إذا بقيت أسعار النفط والحبوب تحت السيطرة، وإذا استمر سعر الصرف في أداء دور ممتص للصدمات. أما السيناريو الأقل راحة، فيتمثل في عودة المؤشر فوق 6% إذا تجددت صدمات الطاقة أو ارتفعت كلفة الواردات الغذائية أو تعطلت سلاسل النقل البحري.

عموما لا تعيش تونس اليوم انتصارًا كاملاً على التضخم، لكنها تعيش تحولًا مهمًا في طبيعة المعركة ذلك انها خرجت، على ما يبدو، من مرحلة الخطر السعري المرتفع إلى مرحلة الإدارة الدقيقة للتهدئة. وهذه خطوة أساسية في حد ذاتها. غير أن القيمة الاقتصادية الحقيقية لهذا التحسن لن تُقاس فقط بما يقوله المؤشر العام، ولكن بمدى قدرة الاقتصاد على تحويل هذا الاستقرار النسبي إلى انفراج فعلي في كلفة العيش، وتحسن في ثقة الأسر، وبيئة أوضح لقرارات الاستثمار والتمويل. وعند هذه النقطة فقط، يمكن القول إن السياسة النقدية لم تُبطئ التضخم فحسب، بل ساعدت فعلًا على إعادة بناء الاستقرار الاقتصادي من الداخل.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا