في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يضع تقرير حديث صادر عن المعهد العربي لرؤساء المؤسسات صناع القرار في تونس أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن تحويل الصدمات الخارجية إلى فرصة لإعادة هيكلة الاقتصاد؟
التقرير يرصد بدقة تداعيات التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ويقترح حزمة سياسات تجمع بين التدخل العاجل والإصلاح العميق، معتمداً على تحليل كمي لمسارات انتقال الأزمة إلى الداخل التونسي.
قنوات الصدمة: الطاقة والتجارة والتضخم
يؤكد التقرير أن الاقتصاد التونسي يواجه صدمة خارجية مركبة، تنتقل أساساً عبر ثلاث قنوات رئيسية. أولها قناة الطاقة، حيث يُرجّح أن يتجاوز سعر النفط عتبة 100 دولار للبرميل بشكل مستدام، في حين بُنيت ميزانية 2026 على فرضية لا تتجاوز 63.3 دولار. هذا الفارق يضع المالية العمومية تحت ضغط مباشر، إذ يؤدي كل ارتفاع بدولار واحد إلى زيادة تلقائية في كلفة الدعم، في ظل عجز طاقي هيكلي يفوق 6% من الناتج المحلي الإجمالي واعتماد على التوريد لتغطية نحو 65% من الحاجيات الوطنية.
القناة الثانية تتمثل في ميزان المدفوعات، حيث تعتمد تونس على النقل البحري في 98% من تجارتها الخارجية وبالتالي فان أي اضطراب في الممرات الاستراتيجية، خصوصاً في منطقة الخليج، يترجم فوراً إلى ارتفاع في كلفة الشحن وتفاقم العجز التجاري، ما يضغط على احتياطي العملة الصعبة ويهدد استقرار سعر الصرف.
أما القناة الثالثة فهي التضخم، الذي يظل مستورداً في طبيعته، لكنه يتضخم محلياً بفعل ارتفاع أسعار المواد الأولية الصناعية والمنتجات الزراعية وتكاليف النقل. هذه الضغوط لا تبقى اقتصادية فحسب، بل تمتد إلى المجالين الاجتماعي والمؤسساتي، مع خطر الدخول في دوامة تضخمية يصعب كبحها، خاصة إذا تم اللجوء إلى التمويل النقدي.
النمو تحت الضغط: ارتباط وثيق بأوروبا
على مستوى النمو، يكشف التقرير عن هشاشة إضافية مرتبطة بالاعتماد الكبير على السوق الأوروبية ومن هنا فان تباطؤ ديناميكية الطلب في منطقة اليورو سينعكس مباشرة على الصادرات التونسية، خاصة في قطاعات النسيج والصناعات الميكانيكية والكهربائية. كما يمكن ان تتأثر قطاعات أخرى مثل الفلاحة، التي تعتمد على الأسمدة المستوردة، والنقل الجوي الذي يواجه ارتفاعاً في كلفة التشغيل.
ويرسم التقرير، في ذات السياق، صورة دقيقة لمخاطر اختلال التوازنات المالية حيث يبين ان ارتفاع أسعار المحروقات سيؤدي إلى تضخم نفقات الدعم، بما قد يفاقم عجز الميزانية ويزيد من حاجيات التمويل. كما يرجح تعرض المؤسسات العمومية، خاصة في قطاعي الطاقة والنقل، لضغوط إضافية نتيجة ارتفاع التكاليف، وهو ما يعمّق هشاشتها المالية ويزيد اعتمادها على دعم الدولة. في الاطار ذاته، يُرجّح أن تتشدد شروط التمويل الخارجي، مما يرفع كلفة الاقتراض السيادي.
سيناريوهات ثلاث: من التصعيد إلى الانفراج
يعتمد التقرير مقاربة استشرافية عبر ثلاثة سيناريوهات محتملة. السيناريو الأول يفترض تصعيداً إقليمياً يؤدي إلى اضطراب إمدادات الطاقة. أما السيناريو الثاني، الأكثر حدة، فيقوم على فرضية إغلاق مضيق هرمز، ما سيحدث صدمة نفطية كبرى. في المقابل، يفترض السيناريو الثالث تهدئة تدريجية تعيد الاستقرار للأسواق. هذه السيناريوهات تتيح تقييم حجم المخاطر وتحديد الاستجابات المناسبة لكل حالة.
في مواجهة هذه الاوضاع، يدعو التقرير إلى تحرك على مستويين. على المدى القصير، تبرز ضرورة امتصاص الصدمة عبر تكوين مخزونات استراتيجية، توجيه الدعم نحو الفئات والقطاعات الأكثر هشاشة، وضبط توقعات التضخم من خلال سياسات نقدية ومالية حذرة.
أما على المدى المتوسط، فيتطلب الأمر معالجة جذور الهشاشة عبر تسريع الانتقال الطاقي، وتعزيز الأمن الغذائي، وتنويع الشركاء التجاريين، إلى جانب تطوير مصادر تمويل جديدة، خاصة عبر تعبئة موارد الجالية والمؤسسات الدولية.
ولا يكتفي التقرير بتشخيص المخاطر، بل يقدّم رؤية متكاملة لتحويل الأزمة إلى رافعة إصلاح. فالتوترات الجيوسياسية الحالية تكشف بوضوح عن تحديات الاقتصاد التونسي، من تبعية طاقية واختلالات مالية إلى ضعف التنويع الإنتاجي. لكنها، في المقابل، تفتح نافذة لإعادة صياغة النموذج الاقتصادي على أسس أكثر صلابة وقدرة على الصمود أمام الصدمات الخارجية.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية