اختار الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال أسوأ توقيت ــ أو ربما، من وجهة نظره، أفضل توقيت ــ ليعود إلى الواجهة: لحظة التقارب بين باريس والجزائر بعد أشهر من التوتر.
فصنصال، الذي أُدين في الجزائر بجرائم خطيرة ثم شمله عفو لأسباب إنسانية، لا يبدو أنه ينوي مواكبة ديناميكية التهدئة التي أطلقها وزير الداخلية لوران نونيز، بل على العكس تمامًا، يريد نسفها بالكامل.
و كان ذلك واضحًا منذ عودته إلى باريس، إذ بدا مصممًا على تأجيج الخطاب المعادي للجزائر. وقد بلغت حدة مداخلاته الأولى في وسائل الإعلام الفرنسية حدًّا دفع الجزائر إلى سحب جواز سفره.
و يزيد عضو الأكاديمية الفرنسية من هذا المنحى بانضمامه إلى دار النشر “غراسيه”، التابعة لمجموعة “لويس هاشيت” التي يسيطر عليها الملياردير فانسان بولوريه، مالك قناة “سي نيوز” وغيرها من المنابر المعروفة بترويج الإسلاموفوبيا والعداء للجزائر.
و بذلك يهجر ناشره التاريخي “غاليمار” ليلتحق برجل أُدينت قناته التلفزيونية مرات عديدة بسبب انزلاقاتها العنصرية وكراهيتها للأجانب. وأقل ما يمكن قوله إن صنصال لن يكون طرفًا في أي جهد للتهدئة، فضلًا عن أن يسهم في استئناف العلاقات الدبلوماسية بين فرنسا والجزائر…
و قد كشف عن نواياه بوضوح خلال احتفال المجموعة التابعة لبولوريه بمرور مائتي سنة على تأسيسها، الجمعة الماضية. وقال الكاتب على قناة “سي نيوز”: “لقد تعرضت لاعتداء من طرف حكومة، من طرف نظام، وأنا لا أتحدث عن الانتقام، لكنني أريد المضي إلى النهاية، وأريد يومًا ما أن ألجأ إلى العدالة الدولية وأطالب الحكومة الجزائرية بالمحاسبة: لماذا اعتقلتموني؟ لماذا سلبتموني عامًا من حياتي، أنا وزوجتي، وغير ذلك؟”. ووصف الأمر بأنه “وضع يستحيل قبوله”، مؤكدًا أن لا شيء سيوقفه.
و من جهة أخرى، حاول تفسير أسباب تخليه عن دار النشر التي ساندته خلال فترة احتجازه في الجزائر. وقال: “كان ذلك مسألة حيوية بالنسبة إليّ. لم أكن قادرًا على البقاء في الوضع الذي كنت فيه بعد خروجي من السجن، أشبه برهينة لدى الجميع. أنا بحاجة إلى فرنسا وألمانيا، ولجنة الدعم ساهمت في الإفراج عني. أما ما يأتي بعد ذلك، فعليّ أن أقوم به بنفسي. يجب أن أحرر نفسي بنفسي. يجب أن أتعلم الحرية من جديد في سياق جديد، لكنني أريد أيضًا أن أواصل النضال”، بحسب تعبير صنصال.
و بحسب صحيفة “لو كانار أونشيني”، فإن الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، وهو من كبار أصدقاء بولوريه، هو من أوحى للكاتب بضرورة الانفصال عن “غاليمار”. وقالت الصحيفة : “كانت المناسبة فرصة للرئيس السابق للتقليل من دور ماكرون في الإفراج عن الكاتب، مع إطلاق تعليقات غير ودية تجاه ساكن الإليزيه، وهو ما صدم صنصال ودفعه إلى إنهاء اللقاء سريعًا. لكن ساركوزي كان يريد قبل كل شيء تمرير رسالة: لماذا لا يغير الأكاديمي الجديد دار النشر ويلتحق بـ’فايار’، دار بولوريه التي تنشر خصوصًا… لاسم معيّن هو ساركوزي؟”. وأضافت الصحيفة أن الأخير سأل صنصال، بحضور عدد من ممثلي دار النشر: “كم يدفعون لك في غاليمار؟”. وختمت الأسبوعية بسخرية: “أن تكون رئيسًا سابقًا، فذلك مهنة بحد ذاته”.
ساركوزي، الذي لا يزال يحرك الخيوط رغم وضعه كشخص مدان في قضايا مُشينة بالنظر إلى مكانته كرئيس دولة سابق. ووفق عدة وسائل إعلام فرنسية، فإن صنصال حصل على تسبيق يُقدّر بنحو مليون يورو عن كتابه المقبل، الذي سيتناول سنة سجنه في الجزائر. في المقابل، لم تعرض عليه “غاليمار” سوى 100 ألف يورو بالكاد. ومن المعروف أن ساركوزي، في ما يتعلق بالأموال والصفقات، يُعدّ مستشارًا بارعًا.
و علقت صحيفة “ليبيراسيون” بالقول: “بقطعه مع ناشره التاريخي غاليمار والتحاقه بدار مرتبطة بملياردير من اليمين المتطرف، يكون الكاتب الجزائري الحاصل على الجنسية الفرنسية قد اتخذ خيارًا مشبوهًا يسيء إلى صورته”. وتوالت، على إثر ذلك، اتهامات الخيانة، فيما رأى آخرون في اصطفاف الكاتب الفرنسي الجزائري تأكيدًا إضافيًا على انزياحه نحو اليمين المتطرف…
كما أن الظرف السياسي يصب في مصلحة منتقدي عضو الأكاديمية الفرنسية. إذ لم يَفُت أحدًا أن فرنسا تميل أكثر فأكثر نحو اليمين، وأن حزبًا من اليمين المتطرف، هو “التجمع الوطني”، يتصدر ــ بحسب جميع استطلاعات الرأي ــ نوايا التصويت للانتخابات الرئاسية لسنة 2027. كما أكدت الانتخابات البلدية، الأحد الماضي، هذا التوجه. لذلك، لا ينبغي لأحد أن يقنعنا بأن تموضع صنصال داخل مجرة بولوريه تحكمه فقط اعتبارات الانتشار الأدبي…
و لن يكون مستغربًا أن نرى، خلال الأشهر المقبلة، توظيف الكاتب من قبل “التجمع الوطني” بصفته صوتًا لـ”الاندماج على الطريقة الفرنسية”، لكن أيضًا بوصفه رمزًا لاكتمال عملية تبييض صورة حزب مارين لوبان.
و مع ذلك، كان جوردان بارديلا، الأقل حدة من راعيته السياسية في ما يتعلق بالجزائر، قد صرح يوم 27 فيفري الماضي على قناة “إل سي آي” بأنه، إذا انتُخب سنة 2027 ــ وهو يتقدم حتى على السيدة لوبان ــ فسيتوجه إلى الجزائر من أجل الحوار والتفاوض. وسيقوم بذلك في وقت لا يرى فيه ابن الجزائر بوعلام صنصال سوى خيار الحرب ضد وطنه.
و ليس من المؤكد أن الفرنسي الجزائري سيخدم طموحات بارديلا، الذي لا مصلحة له في أن يرث فرنسا وهي في صراع مع شريحة مهمة من سكانها.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية