في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، شهدت أسعار النفط العالمية قفزات حادة وصلت إلى نحو 120 دولاراً للبرميل قبل أن تتراجع إلى مستويات حول 100 دولار.
هذه الارتفاعات لم تكن محصورة بدول الإنتاج فحسب، بل امتدت تأثيراتها إلى الدول المستوردة للطاقة، بما في ذلك تونس، التي تعتمد بشكل كبير على واردات النفط والغاز لتغطية استهلاكها المحلي . ويبدو أن هذه التقلبات ستشكل عبئاً إضافياً على التوازنات المالية العامة، وستؤثر مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين، في وقت يواجه فيه الاقتصاد التونسي تحديات متعددة بما فيها ضعف الإنتاج المحلي للطاقة، وتراجع الاحتياطات النقدية، والضغط على الميزانية .
تونس بين صدمة الاستيراد وضغوط الدعم
تشير بيانات وثيقة قانون المالية لسنة 2026 إلى أن تونس اعتمدت في إعداد ميزانيتها على سعر برميل النفط عند نحو 63.3 دولاراً، بينما الأسعار الفعلية اليوم تتجاوز هذا الرقم بفارق كبير. ووفق التقديرات، كل ارتفاع بدولار واحد في سعر النفط يكلف الدولة نحو 160 مليون دينار، ما يعكس مدى هشاشة الميزانية أمام تقلبات السوق العالمية .
يستورد الاقتصاد الوطني الجزء الأكبر من حاجاته الطاقية، إذ يقدر الإنتاج المحلي بحوالي 35% فقط من الاستهلاك، ما يجعل أي ارتفاع عالمي للنفط أو الغاز له أثر فوري على فاتورة الطاقة الحكومية وميزانية الدعم. وكان من المقرر أن تصل ميزانية دعم المحروقات والكهرباء هذا العام إلى نحو 4.9 مليارات دينار، انخفاضاً من 5.7 مليارات دينار في 2025، إلا أن ارتفاع أسعار النفط سيجعل تحقيق هذا الهدف أكثر صعوبة .
ومن هنا، فان تثبيت أسعار المحروقات في ظل هذه الظروف سيصبح أمراً دقيقا وصعبا للغاية، لا سيما مع اتساع العجز بين الإنتاج المحلي والاستهلاك الفعلي. كما أن تونس ليست معزولة عن الأسواق العالمية، فالسلع المستوردة، سواء النفط الخام أو الغاز الجزائري المستخدم لإنتاج الكهرباء، ستشهد ارتفاعات مماثلة لتلك المسجلة عالمياً .
انعكاسات اقتصادية ومخاطر تضخمية
ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس على الميزانية العامة من خلال زيادة تكلفة الدعم، ويضغط على احتياطيات النقد الأجنبي، كما أنه يرفع تكاليف النقل والإنتاج في جميع القطاعات الاقتصادية، وهو ما قد يؤدي إلى موجة تضخم جديدة تضرب القدرة الشرائية للمواطنين. في ظل هذا الواقع، تواجه الحكومة التونسية معادلة صعبة بين الحفاظ على الاستقرار المالي وتجنب موجة تضخمية في سياق تسجيل ارتفاع هيكلي للأسعار .
ويتجاوز بالتأكيد تأثير هذه الصدمات حدود الطاقة ليشمل جميع مجالات الاقتصاد، إذ من المتوقع أن ينعكس ارتفاع تكلفة الوقود على أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية، وبالتالي على القدرة الشرائية للمواطن التونسي. وتكاد السياسة السابقة لتثبيت الأسعار منذ عام 2022 تكون عرضة للتراجع إذا استمرت هذه القفزات في أسعار النفط دون حلول هيكلية .
دروس من تجارب المنطقة
التجربة المصرية والأردنية في مواجهة ارتفاعات النفط توفر إشارات واضحة لتونس. فقد واجهت مصر ضغوطاً مزدوجة نتيجة تراجع الجنيه وخروج الاستثمارات الأجنبية وارتفاع أسعار الطاقة، فيما اضطر الأردن إلى زيادة الاعتماد على الوقود الثقيل لتعويض نقص الغاز المورد، مع تحمل تكاليف إضافية فاقت 2.5 مليون دولار يومياً .
هذه الأمثلة تؤكد أن الدول المستوردة للطاقة في الشرق الأوسط تواجه تحديات مالية مباشرة من أي صدمة نفطية، وأن الخيارات المتاحة تتراوح بين الدعم المكثف للمواطنين، أو تعديل الأسعار وتحمل الاشكالات الاجتماعية، أو البحث عن مصادر بديلة للطاقة لتخفيف الاعتماد على الأسواق العالمية .
تونس أمام مسار صعب
مع استمرار التصعيد في الشرق الأوسط، تبدو تونس أمام اختبار صعب لإدارة ميزانيتها وتأمين الطاقة بأسعار مقبولة، وفي الوقت نفسه حماية القدرة الشرائية للمواطنين. وحسب التقديرات، أي استمرار لقفزات النفط على المدى القريب سيجعل البلاد مضطرة لمراجعة استراتيجيات الدعم، وإعادة النظر في الاعتماد على واردات الطاقة، وربما التحرك نحو تعزيز الإنتاج المحلي أو تنويع مصادر الطاقة لضمان استقرار الأسعار والحد من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية .
باختصار، جنون أسعار النفط لا يمثل مجرد أزمة خارجية، بل هو اختبار حقيقي للسياسات الاقتصادية والاجتماعية لتونس، مع تأثير مباشر على ميزانيتها، واقتصادها، ومستوى معيشة مواطنيها، في وقت تتجه فيه جميع المؤشرات نحو صعوبات جديدة ما لم تتخذ الحكومة خطوات عاجلة للتكيف مع هذا الواقع المتقلب .
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية