منذ اللحظة الأولى لتصاعد المواجهة العسكرية بين إيران وكلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل، لم يكن السؤال المركزي في تونس سياسياً بقدر ما كان اقتصادياً: كيف ستترجم هذه الحرب إلى أرقام في ميزان المدفوعات، وفي قانون المالية، وفي دعم الحبوب والمحروقات؟
فبالنسبة إلى اقتصاد محدود الموارد الطاقية، يشهد عجزاً تجارياً هيكلياً وضغوطاً على احتياطيات النقد الأجنبي، فإن أي صدمة في أسواق الطاقة أو الغذاء لا تبقى خارجية، بل تنتقل سريعاً إلى الداخل عبر قنوات الأسعار والتمويل وبيئة الاعمال.
مضيق هرمز والضغط أسعار النفط
يكمن التحدي الجيو-اقتصادي الاساسي المترتب عن تصاعد التوتر في الشرق الاوسط في أن نحو 20% من النفط العالمي المنقول بحراً، أي ما يقارب 20 إلى 21 مليون برميل يومياً، يمر عبر مضيق هرمز. ومن هنا، فإن اي ارتفاع لمنح تغطية المخاطر الجيوسياسية ينعكس فوراً على الأسعار الآنية والعقود الآجلة للذهب الاسود.
وبالرجوع للسلاسل الاحصائية المتعلقة بالتقييمات على المدى القصير، فان تطور السعر من معدل 80–85 دولاراً ليصل إلى حدود 100 دولار للبرميل هو امر جد وارد، وهو ما يعني زيادة تفوق 15 إلى 20 دولاراً للبرميل الواحد. وبالنسبة إلى تونس، التي تستورد جانباً مهماً من حاجياتها الطاقية، يمكن أن يرفع هذا التطور فاتورة الطاقة بمئات ملايين الدولارات سنوياً، ويضيف ما بين 0.4 و0.6 نقطة مئوية إلى التضخم، مع ما يستتبعه من ضغط على منظومة الدعم والمالية العمومية.
في المدى القصير أي من 3 إلى 6 أشهر، يتمثل السيناريو المرجح في استمرار التوتر دون انقطاع كامل للإمدادات. في هذه الحالة، قد تستقر الأسعار في نطاق 95–105 دولارات، مع تقلبات حادة مرتبطة بالأحداث الميدانية. هذا السيناريو يعني لتونس ارتفاعاً فورياً في كلفة الدعم الطاقي، وتوسّع العجز الجاري إذا لم يُقابل بزيادة في الصادرات أو تحويلات التونسيين بالخارج. كما ستواجه الحكومة معضلة مزدوجة: إما امتصاص الصدمة عبر الميزانية، مما يفاقم الحاجة إلى التمويل، أو تمرير جزء منها إلى المستهلك، بما يرفع معدلات التضخم ويضغط على القدرة الشرائية.
المدى المتوسط: أسعار أعلى وعجز أكبر
أما في المدى المتوسط (6 إلى 18 شهراً)، فإن استمرار الحرب أو اتساعها قد يدفع أسعار النفط إلى ما فوق 110 دولارات، خاصة إذا تعرضت منشآت طاقية للتعطيل أو تم تقييد الملاحة عبر مضيق هرمز. في هذا السيناريو، يمكن أن يتراجع النمو العالمي بنحو نصف نقطة مئوية أو أكثر، مع تسارع موجة تضخم مستورد. بالنسبة إلى تونس، قد يتجاوز الأثر المالي لهذه الوضعية 1% من الناتج المحلي الإجمالي من حيث توسع عجز الميزانية، بينما قد ترتفع خدمة الدين إذا اقترنت الأزمة بزيادة منح المخاطر على الديون السيادية في الأسواق الناشئة بما بين 100 و300 نقطة أساس.
غير أن أثر الحرب لا يقتصر على الطاقة، فأسواق المواد الغذائية تمثل قناة انتقال حاسمة للازمة، خاصة في بلد يستورد نسبة معتبرة من حاجياته من الحبوب والزيوت النباتية ذلك ان ارتفاع أسعار النفط ينعكس على كلفة الإنتاج الفلاحي والنقل عالمياً، بما قد يرفع أسعار القمح بين 5 و15% في حال استقرار النفط فوق 100 دولار. وفي تونس، حيث يشكل الدعم الغذائي ركيزة من ركائز الاستقرار الاجتماعي، فإن زيادة مزدوجة في أسعار الطاقة والغذاء قد ترفع التضخم الغذائي بعدة نقاط مئوية، وتزيد الضغط على صندوق الدعم، أو تفرض مراجعات تدريجية في الأسعار.
القطاع الأجنبي في مرمى التوتر
على مستوى القطاع الخارجي، تتأثر تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بإعادة تسعير المخاطر الإقليمية، ففي فترات النزاعات الكبرى، قد تتراجع التدفقات نحو المناطق القريبة من بؤر التوتر بنسبة 20–30% خلال السنة الأولى. ويعني هذا أن تونس، التي تسعى إلى جذب استثمارات صناعية موجهة للتصدير، قد تواجه تباطؤاً في المشاريع الجديدة، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بسلاسل القيمة الأوروبية. غير أن الصورة ليست أحادية بالكامل، ففي حال سعت الشركات الأوروبية إلى تنويع مواقعها الإنتاجية بعيداً عن مناطق النزاع المباشر، قد تنشأ فرص لإعادة التموقع، شرط توفر مناخ استثماري مستقر.
السياحة تمثل بدورها نقطة حساسة في المدى القصير، فالتوترات الإقليمية غالباً ما تخلق أثراً نفسياً يتجاوز حدود مسرح العمليات. وفي حال امتداد التصعيد عدة أشهر، قد تتراجع الحجوزات السياحية في جنوب المتوسط بين 5 و15%. وبالنسبة لتونس، يمكن أن يعني انخفاض بـ10% في العائدات خسارة مئات ملايين الدولارات من العملة الاجنبية، مما يضغط على احتياطيات البنك المركزي ويحد من هامش التدخل في سوق الصرف.
أما في مجال اللوجستيك والنقل البحري، فإن ارتفاع المخاطر في الخليج والبحر الأحمر يؤدي إلى زيادة أقساط التأمين البحري بنسبة قد تتجاوز 50% في أوقات الذروة، مع ارتفاع تكاليف الشحن بين 10 و25% إذا تغيرت المسارات. تونس، المرتبطة تجارياً بالأسواق الأوروبية عبر سلاسل توريد سريعة، قد تواجه تأخيرات وكلفة إضافية في استيراد المواد الوسيطة، مما يؤثر في تنافسية صادراتها الصناعية، خاصة في قطاعات النسيج والمكونات الميكانيكية والكهربائية.
مقارنة مغاربية: من يتحمل الصدمة؟
على الصعيد المغاربي، من المرتقب ان تستفيد الجزائر مرحلياً من ارتفاع أسعار النفط عبر تعزيز احتياطياتها وتحسين ميزانها الخارجي، غير أن اعتمادها البنيوي على المحروقات يبقيها رهينة تقلبات السوق. أما المغرب، فيمتلك قاعدة إنتاجية أكثر تنوعاً وقدرة أفضل على امتصاص الصدمات، رغم تأثره بارتفاع فاتورة الطاقة والسياحة. تونس، في المقابل، تجمع بين ارتفاع الحساسية لأسعار الطاقة، وضيق الحيز المالي، واعتماد ملحوظ على السياحة والتحويلات، ما يجعلها الأكثر تعرضاً لصدمة مركبة.
واستشرافياً، يمكن رسم ثلاثة مسارات رئيسية. المسار الأول، احتواء سريع للتصعيد، يسمح بعودة الأسعار تدريجياً إلى ما دون 90 دولاراً خلال عام، مع أثر تضخمي عابر يمكن استيعابه. المسار الثاني، حرب استنزاف محدودة دون إغلاق كامل للممرات البحرية، يُبقي الأسعار بين 100 و110 دولارات، ويؤدي إلى تباطؤ اقتصادي إقليمي وضغوط مالية متواصلة على تونس. أما المسار الثالث، وهو الأسوأ، فيفترض اتساع المواجهة أو إغلاقاً مطولاً لمضيق هرمز، ما قد يدفع الأسعار فوق 120 دولاراً ويدخل الاقتصاد العالمي في مرحلة ركود تضخمي، مع انعكاسات اجتماعية حادة في الاقتصادات الهشة.
يفرض الأفق الاستشرافي على تونس جملة من الأولويات العاجلة تتمحور بالاساس حول تسريع الانتقال الطاقي لتقليص التبعية للنفط المستورد، وإعادة هيكلة منظومة الدعم بما يحمي الفئات الهشة دون استنزاف الميزانية، وتعزيز الأمن الغذائي عبر تنويع مصادر التوريد ورفع الإنتاج المحلي، وذلك بالتوازي مع تحسين مناخ الاستثمار لاستقطاب مشاريع ذات قيمة مضافة، فالحرب على إيران، مهما كان مآلها، تكشف هشاشة الارتباط بين الاستقرار الجيوسياسي والاقتصادي، وتؤكد أن بناء هوامش أمان داخلية لم يعد خياراً إصلاحياً مؤجلاً، بل شرطاً ضرورياً للصمود في عالم تتزايد فيه الصدمات وتتشابك فيه الجغرافيا السياسية مع المعيشة اليومية للمواطنين.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية