آخر الأخبار

الأمن الطاقي : تونس بين ضغط الواردات ورهان التكرير

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تمثل أول مصفاة نفط في تونس حجر الزاوية في منظومة الطاقة الوطنية، باعتبارها المنشأة الوحيدة المكلّفة بتكرير النفط الخام وتوفير المشتقات للسوق المحلية. ففي مدينة بنزرت، وتحديدًا بمنطقة جرزونة على بعد 62 كيلومترًا من تونس العاصمة، تواصل الشركة التونسية لصناعات التكرير إدارة مصفاة الستير منذ إنشائها عام 1963، في موقع استراتيجي يسهّل استقبال الشحنات عبر البحر المتوسط.

ورغم الضغوط المرتبطة بتراجع الإنتاج المحلي من الخام، حافظت المصفاة خلال عام 2024 على استقرار كميات التكرير عند 1.1 مليون طن، أي ما يعادل نحو 21 ألف برميل يوميًا، دون تغيير عن عام 2023، وذلك رغم توقف وحدة التقطير الجوي لمدة 60 يومًا. ويعكس هذا الأداء قدرة تشغيلية مرنة في مواجهة تحديات الإمداد والصيانة.

تراجع الإنتاج المحلي وتنامي الاعتماد على الخارج

يأتي استقرار التكرير في وقت انخفض فيه إنتاج البلاد من النفط الخام بنحو 13 بالمائة على أساس سنوي ليبلغ 28.5 ألف برميل يوميًا حسب المعطيات الإحصائية، وهو ما عمّق فجوة العجز الطاقي ورفع مستوى الاعتماد على الواردات.

وخلال 2024 اعتمدت المصفاة بشكل شبه كامل على الخام المستورد، مع تحوّل لافت نحو النفط الأذربيجاني الذي استحوذ على 74 بالمائة من إجمالي الخام المكرر، مقابل 55 بالمائة في 2023، في حين تراجعت مساهمة الخام المحلي إلى 26 بالمائة فقط، بعدما كانت تونس تنوّع مصادرها سابقًا بين روسيا ونيجيريا.

هذا التحول يعكس سعيًا لإعادة ترتيب سلاسل التوريد وفق اعتبارات السعر والانتظام، في ظل تقلبات السوق العالمية.

نمو إنتاج المشتقات رغم التحديات

على الرغم من محدودية الطاقة التكريرية التي تبلغ نحو 34 ألف برميل يوميًا وتغطي قرابة 30 بالمائة فقط من احتياجات السوق، سجل إنتاج المشتقات النفطية في 2024 نموًا لافتًا.

وبلغ إجمالي الإنتاج 1.15 مليون طن مقابل 1.06 مليون طن في 2023، مدفوعًا بارتفاع إنتاج الديزل بنسبة 15 بالمائة إلى 477 ألف طن، وزيت الوقود بنسبة 7 بالمائة إلى 338 ألف طن، إضافة إلى زيادة إنتاج النافثا بنسبة 29 بالمائة ليصل إلى 291 ألف طن. كما ارتفع إنتاج مادة “الوايت سبيريت” بنسبة 23 بالمائة إلى 10 آلاف طن، في حين تراجع إنتاج غاز النفط المسال بنسبة 19 بالمائة إلى 21 ألف طن.

وتزامن ذلك مع ارتفاع الاستهلاك المحلي للمشتقات بنسبة 3 بالمائة ليبلغ 4.55 مليون طن، نتيجة زيادة الطلب على البنزين بنسبة 9 بالمائة إلى 870 ألف طن، والديزل بنسبة 6 بالمائة إلى أكثر من مليوني طن، مدفوعًا بتوسع أنشطة النقل البري وانتعاش قطاع الخدمات.

الواردات تتصاعد… والصادرات تتحسن

في ظل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، ارتفعت واردات البلاد من المواد النفطية بنسبة 7 بالمائة خلال 2024 لتصل إلى 3.92 مليون طن. وتصدر الديزل قائمة الواردات بـ1.07 مليون طن، تلاه البنزين عند 899 ألف طن بزيادة سنوية بلغت 31 بالمائة، إضافة إلى 600 ألف طن من غاز النفط المسال.

في المقابل، سجلت صادرات المنتجات النفطية نموًا قويًا بنسبة 24 بالمائة لتبلغ 612 ألف طن، بما يعكس تحسنًا نسبيًا في كفاءة التشغيل واستغلال فترات الذروة الإنتاجية لتوجيه فوائض نحو الأسواق الخارجية.

مصفاة الصخيرة… رهان استراتيجي لتقليص العجز

ضمن استراتيجية تقليص العجز في الميزان الطاقي، تخطط الحكومة لإنشاء مصفاة جديدة في منطقة الصخيرة. ويهدف المشروع إلى مضاعفة قدرات التكرير وتقليل الاعتماد على استيراد المنتجات المكررة، بما يتيح لتونس مرونة أكبر في إدارة وارداتها من الخام وتسويق منتجات ذات قيمة مضافة.

ويُنتظر أن يسهم المشروع في خلق فرص عمل جديدة وتنشيط الخدمات اللوجستية والصناعية في الجنوب، إلى جانب تحسين الميزان النفطي عبر إدارة أكثر كفاءة لتدفقات الخام والمشتقات.

ومن هنا، فان قطاع التكرير يمثل أحد الأعمدة الاستراتيجية للاقتصاد الوطني، ليس فقط لتأمين الوقود، بل أيضًا للحد من تأثير تقلبات الأسعار العالمية على السوق المحلية. وتواصل الشركة التونسية لصناعات التكرير تنفيذ برامج تحديث وحداتها الإنتاجية وتطوير أنظمة السلامة والامتثال البيئي وفق المعايير الدولية.

ورغم أن الطاقة التكريرية الحالية لا تتجاوز مليون طن سنويًا، فإن تحديث مصفاة بنزرت ومشروع الصخيرة يشكلان مسارين متوازيين ضمن رؤية أوسع لتعزيز الاستقلال الطاقي، وتقليص فاتورة الواردات، وترسيخ موقع تونس كطرف إقليمي أكثر قدرة على إدارة أمنه الطاقي في السنوات المقبلة.

اشترك في النشرة الإخبارية اليومية لتونس الرقمية: أخبار، تحليلات، اقتصاد، تكنولوجيا، مجتمع، ومعلومات عملية. مجانية، واضحة، دون رسائل مزعجة. كل صباح.

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

تحقّق من صندوق بريدك الإلكتروني لتأكيد اشتراكك.

تعليقات
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك

الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا