كيف هو حال فنزويلا بعد السقوط المدوي للحاكم المستبد نيكولاس مادورو وتهريبه إلى الولايات المتحدة برفقة زوجته؟ يبدو أن البلاد بخير، وأن الحياة سرعان ما استعادت وتيرتها الطبيعية. فالحياة أقوى من كل شيء، دائمًا. النسيان قد يكون كارثة في بعض الحالات، لكنه أيضًا نعمة إلهية، إذ يسمح بالتئام الجراح والمضي قدمًا. مادورو يقبع في السجون الأمريكية منذ الثالث من جانفي. حدثٌ حديث العهد، ومع ذلك يبدو أن مواطنيه قد «واروه الثرى» سياسيًا بالفعل.
زرع العنف فحصد الكراهية… وسيموت في طيّ النسيان
اثنا عشر عامًا على رأس البلاد، زوّر خلالها انتخابات تلو أخرى. قبضة حديدية سعت إلى قطع كل رأس يعلو، وقمعت وعذّبت وقتلت كل من تجرأ على تحديه. زرع العنف فحصد الكراهية، وسيموت في عزلة سجون أمريكا، بعيدًا عن بريق قصوره. وعندما غادر، خرجت قلة من الفنزويليين للاحتجاج…
تحصّن المواطنون في بيوتهم خوفًا — من الأمريكيين — لكن الغالبية لم تتحرك، لأنه لم يكن هناك ما يدعو لذلك. ماذا يدينون لمادورو؟ ماذا قدّم لهم سوى إبقائهم في الفقر، بينما كان هو ومحيطه ينعمون بالبذخ؟ فقرٌ مدقع في بلد يجلس فوق أكبر احتياطيات النفط في العالم. ابحثوا عن الخطأ.
لم يستطع مادورو — أو لم يشأ — الانفصال عن الأيديولوجيا المعادية لأمريكا التي ورثها عن الرئيس السابق هوغو تشافيز. صراع طفولي أوهمهم بأن سعادة الشعوب تكمن في تأميم صناعة النفط، وتقليص الاستثمارات بشكل حاد، وطرد الشركات الأمريكية سنة 2001. أرادوا البقاء وحدهم، في مواجهة نقص الاستثمارات، باسم العداء لأمريكا… وفي النهاية، كانت الولايات المتحدة هي الرابحة.
لا أقول إن الفنزويليين العاديين سيجنون مكاسب مباشرة من هذا «التحرير» الذي لم ينتظره أحد. فالجميع يعلم أن النفط هو ما يحرّك الرئيس دونالد ترامب، لا المبادئ الديمقراطية ولا دولة القانون. لكن، كما قال لاجئ فنزويلي على قناة LCI الفرنسية، فإنهم لم يروا يومًا لون هذا الذهب الأسود؛ وسواء استحوذت عليه واشنطن أم لا، فلن يتغير شيء في حياتهم…
المكاسب في مكان آخر. المكاسب الفورية تكمن في هذا الانفتاح الملموس، انفتاح فُرض منذ أن وطأت أقدام الجيش الأمريكي أرض البلاد مجددًا. لم يعد النظام قادرًا على القمع وممارسة العنف في ظلام الزنازين والثكنات؛ الآن كل شيء يُعرف ويُرى ويُروى، في ظل وسائل إعلام متأهبة. يوم الثالث من جانفي غيّر المعادلة بالكامل. لا محالة، سيكون هناك ما قبل وما بعد.
ديلسي رودريغيز تفعل كل شيء كي لا تلقى مصير مادورو
النظام اليوم تمثله نائبة الرئيس التي نُصّبت رئيسة، ديلسي رودريغيز. السيدة تبدو وكأنها نسيت رفاقها مع مادورو، والأهم أنها لا تريد أن تنتهي مثله أو أسوأ، كما قال الرئيس الأمريكي صراحة. تنتبه لكل ما تفعل وتقول، وحتى الآن تسجّل أداءً بلا أخطاء سياسيًا ودبلوماسيًا. الرئيس المخلوع لن يعبّر عن ذلك من زنزانته في نيويورك، لكن من يهتم به بعد الآن؟
ترامب و السيدة رودريغيز يتبادلان الودّ والمجاملات و يغدقان الثناء، و يرسمان ملامح المستقبل.
أوّل أمس، الأربعاء 14 جانفي، أجريا «محادثة مطوّلة»، أول اتصال يُكشف عنه علنًا منذ سقوط مادورو. «السيدة الحديدية» السابقة، التي وصفها ترامب بأنها «شخصية رائعة»، ذهبت أبعد من ذلك بالإعلان عن «عهد جديد». سنرى ما ستؤول إليه الأمور، لكن المؤكد أن الحماس حاضر، على الأقل في الظاهر.
ثم هناك تطورات أخرى، لا تقل دراماتيكية عن غرق مادورو. الرئيسة، وشقيقها خورخي رودريغيز رئيس الجمعية الوطنية، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو — الشخصيات الثلاث المحورية في النظام — مثلوا أمس الأربعاء أمام الصحافة في القصر الرئاسي. وقالت الرئيسة إن البلاد «تنفتح على عهد سياسي جديد، عهد يسمح بالتفاهم رغم الخلافات، ومن خلال التنوع الأيديولوجي والسياسي».
وعندما سأل الصحفيون عن زيارة محتملة إلى واشنطن أو كولومبيا (بلد آخر تقارب سريعًا مع ترامب)، رد شقيق الرئيسة مازحًا بأن جواز سفر رئيسة الدولة «منتهي الصلاحية». هكذا بات المشهد: نكات وطرائف بعد عقود من القمع. والأكثر دلالة أن السيدة رودريغيز أكدت استمرار الإفراج عن السجناء السياسيين، مشيرة إلى إطلاق سراح 406 معتقلين منذ ديسمبر الماضي.
وأضافت أن مادورو هو من أطلق هذه التهدئة قبل اعتقاله، لكنها تقول ذلك أساسًا لتفادي اتهامها بالانتهازية. وتتجاهل الإشارة إلى ثقل السفن الحربية الأمريكية المرابطة قبالة السواحل الفنزويلية، وهو ما أجبر الرئيس السابق على التراجع، لا غير. منذ رحيله تسارعت الوتيرة: شخصيات من المعارضة، وصحفيون، وأفراد من فرق إعلامية معارضة، ومواطنون أمريكيون، خرجوا من السجون.
ترامب حسم خياره… ولتذهب جائزة نوبل للسلام إلى الجحيم
لا يزال هناك نحو 800 سجين سياسي، بحسب منظمات غير حكومية، ما يعني أن الطريق لا يزال طويلًا، لكن الأمور تتحرك. على سبيل المثال، استعاد المواطنون مساء الثلاثاء الماضي شبكة التواصل الاجتماعي «إكس»، التي كان مادورو قد حجبها لأكثر من عام. وهذا في حد ذاته ليس أمرًا بسيطًا.
وقال ترامب بحماسة: «نحقق تقدمًا كبيرًا من خلال المساهمة في استقرار وتعافي فنزويلا. نوقشت مواضيع عديدة، من بينها النفط والمعادن والتجارة، وبالطبع الأمن القومي. هذه الشراكة بين الولايات المتحدة الأمريكية وفنزويلا ستكون مذهلة للجميع. ستعود فنزويلا قريبًا عظيمة ومزدهرة من جديد، وربما أكثر من أي وقت مضى!».
لا نعلم إن كان سيفي بكل ما قاله، لكن الأهم حاليًا هو الديناميكية الجديدة. الحماسة بلغت حدًّا جعل الجميع يرغب في أن يكون جزءًا منها، بدءًا بزَعيمة المعارضة والحائزة على جائزة نوبل للسلام، ماريا كورينا ماتشادو. كانت ترى نفسها في موقع مادورو، لكن مستشاري الرئيس الأمريكي أوضحوا له أن هذا الخيار لن ينجح، في ظل تمسك أركان النظام بالجيش والشرطة واستعدادهم للقتال من أجل امتيازاتهم.
فضّل ترامب الاستقرار، فهو الأفضل للأعمال، والاستقرار تمثله السيدة رودريغيز. أما السيدة ماتشادو، فستزور البيت الأبيض هذا الخميس، ويُقال إنها قررت حتى إهداء جائزة نوبل لترامب، بعد أن اقترحت على اللجنة إدراج اسمه ضمن المرشحين. ما يبيّن استعدادها لفعل أي شيء من أجل البقاء في المشهد ضمن البنية الجديدة في فنزويلا. لكن واشنطن حسمت خيارها…
وأشارت السيدة رودريغيز إلى مكالمة «طويلة، مثمرة وودية» مع الرجل الأقوى في الولايات المتحدة — وربما في العالم. وقالت: «تناولنا جدول أعمال ثنائيًا يعود بالنفع على شعبينا، إضافة إلى ملفات عالقة في العلاقة بين حكومتينا». عليها تراهن الولايات المتحدة الأمريكية… في الوقت الراهن.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية