يعود مسلسل "صومعة" (Silo) إلى منصة "أبل تي في بلس" (Apple TV+) بموسمه الثالث، مواصلا اقتباس ثلاثية الكاتب الأمريكي هيو هاوي التي تحمل الاسم نفسه، وهو من تطوير غراهام يوست الذي يتولى كذلك مهام المنتج التنفيذي. ويجمع المسلسل بين الخيال العلمي والديستوبيا والغموض، وحقق منذ انطلاقه في عام 2023 حضورا لافتا بين أعمال المنصة، بفضل عالمه المغلق والمعقد وأسئلته بشأن السلطة والحقيقة والذاكرة.
تؤدي ريبيكا فيرغسون دور البطولة، إلى جانب كومون وهارييت والتر وتشينازا أوتشي وآفي ناش، بينما ينضم إلى الطاقم آشلي زوكيرمان وجيسيكا هينويك ولورا إينس وجيسيكا براون فيندلاي وكولين هانكس. يتكون الموسم الثالث من 10 حلقات، كما جددت أبل المسلسل لموسم رابع وأخير.
بدأ مسلسل "صومعة" موسمه الأول بتعريف المتفرجين بطبيعة الحياة في الصومعة، ذلك المكان تحت الأرض الذي يسكن فيه 10 آلاف شخص منذ قرون دون أن يعرفوا كنه الخطر في الخارج الذي يؤكده المؤسسون، ويؤمن سكانها بأنهم الناجون الوحيدون بعد كارثة ما حدثت في الماضي.
تقوم بطلة المسلسل جوليت (ريبيكا فيرغسون) بمغامرات خطرة تتحدى فيها السلطة رغما عنها في محاولة لسبر كنه لغز موت حبيبها جورج، وقادتها هذه المغامرة إلى طردها من الصومعة في نهاية الموسم الأول، لتعود إليها مرة أخرى في نهاية الموسم الثاني بعدما كشفت الكثير عن طبيعة عالم الصومعة والعالم خارجها.
يغيّر الموسم الثالث من المسلسل اتجاهه تماما، وأصبح الأهم الآن معرفة كيف وصل العالم إلى النقطة التي احتاج فيها البشر إلى بناء الصوامع؟ ولهذا السبب على وجه الخصوص، يفتح المسلسل خطا زمنيا جديدا يعود قبل 352 عاما من الزمن الحالي للأحداث، أي "الأزمنة السابقة" (Before Times)، حيث يعيش عضو الكونغرس دانيال كين الذي يؤدي دوره آشلي زوكيرمان، والصحفية هيلين درو التي تؤدي دورها جيسيكا هينويك، في واشنطن أقرب إلى عالمنا المعاصر من العالم المغلق الذي اعتاد المشاهد رؤيته داخل الصوامع.
في هذا الماضي نتعرف على واشنطن المشتعلة نتيجة لحرب ضد إيران يحيط بها الغموض والأسرار، وتحاول الصحفية هيلين ودانيال بعلاقاته السياسية معرفة الحقيقة، التي تقودنا مباشرة إلى سبب إنشاء الصوامع.
يغيّر الموسم الثالث الطريقة التي نفهم بها كل ما شاهدناه من قبل في الموسمين الأول والثاني، والنظام الذي عرفناه حقيقة قديمة لا يمكن الوصول إلى بدايتها، هنا نتعرف على تاريخ هذه القواعد، وأن الإجراءات الغامضة داخل الصومعة كانت في مرحلة ما قرارا بشريا اتخذه أشخاص لديهم دوافع ومصالح ومخاوف.
هذه العودة إلى الماضي ليس الهدف منها إعادة بناء تاريخ الصوامع فقط، بل هي في الحقيقة تمنح المسلسل بعدا سياسيا أكثر مباشرة، خصوصا أن الأحداث التي سبقت الكارثة التي أدت إلى حبس البشر في الصوامع تدور في عالم يشبه عالمنا بدرجة لافتة، فالحرب مع إيران هي عنصر أساسي في الخط الذي يجمع بين دانيال وهيلين، وتبدأ قصتهما في أعقاب هجوم مزمع بقنبلة إشعاعية على الأراضي الأمريكية، والبحث عن حقيقة هذه القنبلة، والهجوم الذي تنوي الولايات المتحدة شنه على إيران. يقود هذا البحث دانيال وهيلين إلى عالم سياسي تحكمه المعلومات المخفية والمضللة والتكهنات، قبل أن يتضح تدريجيا أن ما يبدو مجرد أزمة عسكرية يرتبط بمشروع أكبر بكثير.
وتزداد المفارقة السياسية حدة عند العودة إلى رواية "التحول" (Shift) التي صدرت عام 2013، أي قبل أكثر من عقد من إنتاج الموسم الثالث، والتي وضعت الحرب مع إيران أساسا للخلفية السياسية التي تقود إلى الكارثة. ومن ثم، فإن العلاقة بين "صومعة" والواقع السياسي لا تبدأ مع المسلسل، وإنما تعود إلى النص الأدبي نفسه.
تخيل هيو هاوي عالما تبدأ فيه مواجهة أمريكية مع إيران سلسلة الأحداث التي ستقود لاحقا إلى انهيار العالم وبناء الصوامع. لكن هاوي لم يتنبأ بحرب محددة يعرف أنها ستقع بعد سنوات، بقدر ما استند إلى احتمال "جيوسياسي" كان حاضرا بالفعل في السياسة الأمريكية والخيال السياسي في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.
الجديد هو أن المسلسل وجد نفسه يعرض هذه الفكرة في لحظة تاريخية مختلفة تماما، بعدما أصبحت المواجهة الأمريكية مع إيران واقعا سياسيا وعسكريا، لا مجرد احتمال تخيلي.
تظهر هنا مصادفة أكثر غرابة، وهي أن العملية العسكرية التي تتحدث عنها شخصيات "صومعة" في خط "الأزمنة السابقة" حملت في السيناريو الأصلي اسم Righteous Hammer، لكن الاسم أصبح شديد الشبه بعملية Midnight Hammer الحقيقية التي استهدفت إيران في يونيو/حزيران 2025، إلى درجة دفعت فريق الإنتاج إلى تغييره. وصرّح يوست بأن التشابه لم يكن مقصودا، وأن القصة كانت مكتوبة قبل العملية الحقيقية، لكن الواقع السياسي سبق الخيال هذه المرة، واضطر المسلسل إلى تعديل أحد تفاصيل عالمه حتى لا يبدو وكأنه يستعير اسم حدث حقيقي.
يتعدى هدف الصوامع في "صومعة" مجرد عزل البشر عن العالم الخارجي، حيث تتمثل وظيفتها الأهم في عزلهم عن تاريخهم أيضا، وينجح النظام في قمع احتمالية الثورة قبل أن تبدأ، ليس بالقوة وحدها، وإنما بمنع السكان من امتلاك الذاكرة التي يمكن أن تدفعهم إلى التمرد. فمحو تاريخ التمردات السابقة، وتقييد الوصول إلى المعلومات، وتحويل قواعد الصومعة إلى حقائق تبدو أزلية، كلها وسائل تجعل كل جيل يبدأ من النقطة نفسها، من دون أن يعرف أن أجيالا سابقة حاولت كسر النظام.
وهنا ينجح الجانب السياسي في المسلسل في تقديم تصور شديد القسوة للحياة تحت هذا النوع من القمع، فالمجتمع لا يحتاج إلى شرطي يقف خلف كل شخص، ما دام أفراده فقدوا القدرة على تخيل أن النظام يمكن أن يكون مختلفا.
يواصل المسلسل في موسمه الثالث الاحتفاظ بأبرز عناصر قوته الفنية، من جماليات بصرية تنجح في بناء عالمه المغلق وتكريس الإحساس بالاختناق والعزلة، إلى أداء تمثيلي قوي من ريبيكا فيرغسون التي تظل قادرة على تقديم جوليت بكل تحولاتها. لكن الموسم الجديد يضيف إلى هذه العناصر قدرا واضحا من النضج السياسي، وهو ما يجعل جماليات الصورة وقوة الأداء أحيانا أقل ما يلفت الانتباه.
لم يعد "صومعة" يعتمد على تصميم عالمه الديستوبي أو غموضه وحدهما لجذب المشاهد، وإنما أصبح أكثر اهتماما بما يعنيه أن يعيش البشر داخل نظام صُمم للتحكم في خوفهم وذاكرتهم ومعرفتهم.
المصدر:
الجزيرة