هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجلتميز الأسبوع الأوكراني بديناميكيتين متكاملتين: تعزيز الدعم الدولي لكييف، وتصاعد وتيرة الضربات الأوكرانية العميقة ضد البنى التحتية الروسية.
في 24 أوت، تزامنًا مع عيد استقلال أوكرانيا، استضافت كييف اجتماعًا جديدًا لـ”تحالف الراغبين” (Coalition of the Willing). وفي اليوم التالي، نفذت القوات الأوكرانية عملية جوية استهدفت عدة مواقع مهمة داخل الأراضي الروسية وفي المناطق الأوكرانية المحتلة مؤقتًا.
الرسالة السياسية والعسكرية واضحة: كان الكرملين يأمل في إنهاك أوكرانيا وإضعاف الدعم الغربي لها، لكنه يواجه اليوم أوكرانيا صامدة، مبتكرة، قادرة على الإنتاج، وتنفيذ ضربات بعيدة المدى، ومدعومة بشركاء ما زالوا ملتزمين.
في 24 أوت، انعقد الاجتماع السابع عشر لـ”تحالف الراغبين” في كييف، بمشاركة ممثلين عن نحو ثلاثين دولة ومنظمة شريكة، من بينها الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وأستراليا، ونيوزيلندا، وكندا، وتركيا، واليابان.
ولم يكن اختيار كييف مجرد خطوة رمزية، بل حمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن الدعم المقدم لأوكرانيا لا يقتصر على التصريحات فقط. فمن خلال اجتماعهم في العاصمة الأوكرانية يوم عيد الاستقلال، وجه شركاء كييف رسالة مباشرة إلى موسكو: أوكرانيا لن تُترك وحيدة.
كل اجتماع لهذا التحالف يفنّد حسابًا ثابتًا للكرملين يقوم على الرهان على تعب الديمقراطيات، والانقسامات الأوروبية، والتردد الأمريكي، والاعتقاد بأن مرور الوقت سيؤدي إلى عزلة كييف.
لكن هذا الرهان لم يتحقق.
أثمر الاجتماع الإعلان عن حزم جديدة من الدعم العسكري والطاقي، خاصة في مجالات الدفاع المضاد للصواريخ والإنتاج المشترك للأسلحة.
وبالنسبة لأوكرانيا، تمثل هاتان الأولويتان مسألة حيوية.
فالدفاع الجوي يحمي المدن، ومحطات الطاقة، والمدارس، والمستشفيات، والبنية التحتية للسكك الحديدية، والمنشآت الصناعية. وفي مواجهة الصواريخ الباليستية، وطائرات “شاهد” المسيّرة، والهجمات الروسية المتكررة ضد المدنيين، فإن كل بطارية دفاعية وكل رادار وكل صاروخ اعتراض يمكن أن ينقذ الأرواح.
أما الإنتاج المشترك للأسلحة، فيستجيب لحاجة أخرى تتمثل في تقليص الاعتماد على عمليات التسليم الظرفية، وتمكين أوكرانيا من تصنيع المزيد من المعدات داخل أراضيها، بدعم تكنولوجي من حلفائها.
ويمثل ذلك تحولًا مهمًا، إذ لم تعد أوكرانيا مجرد دولة تتلقى المساعدات، بل أصبحت شريكًا عسكريًا وتكنولوجيًا قادرًا أيضًا على تعزيز أمن أوروبا.
تعتمد كييف أيضًا على شركائها لتكثيف الضغوط الاقتصادية على موسكو.
وتتمثل إحدى الأولويات في مكافحة ما يسمى بـ”الأسطول الخفي” الروسي، وهي سفن تستخدم للالتفاف على العقوبات الدولية ومواصلة تمويل الحرب عبر عائدات النفط.
وفي هذا السياق، رحبت أوكرانيا بمبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لتنظيم اجتماع وزاري مخصص لهذا الأسطول. ولا يقتصر رهان هذه الخطوة على البحر الأسود فقط، بل يشمل شبكات تجارة النفط الروسي العالمية، وشركات التأمين البحري، والشركات الوهمية، وأعلام الدول التي توفر غطاءً قانونيًا، والعائدات التي تسمح للكرملين بمواصلة حربه.
وهكذا، أصبحت الحرب تدور أيضًا في الموانئ، والبنوك، وشركات التأمين، ومسارات الطاقة.
وبالنسبة لكييف، فإن تقليص الإيرادات الروسية يعني تقليص قدرة موسكو على إنتاج الصواريخ، وشراء المكونات، ودفع أجور الجنود، والحفاظ على اقتصادها الحربي.
لقد حوّلت الحرب التي فرضتها روسيا على أوكرانيا هذا البلد إلى مختبر حقيقي للحرب الحديثة.
فالطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والاستخبارات في الوقت الحقيقي، والمدفعية المرتبطة بالشبكات، وأجهزة الاستشعار، وبرمجيات تحديد الأهداف، والدفاع الجوي، والصواريخ بعيدة المدى، كلها مجالات تقوم فيها القوات الأوكرانية بالتجربة والتطوير والتكيف بشكل مستمر.
وتحظى هذه التجربة باهتمام مباشر من حلف شمال الأطلسي (الناتو).
فالتكنولوجيات الأوكرانية لا تخدم فقط الدفاع عن كييف، بل يمكنها أيضًا تعزيز قدرة الحلف على الصمود، وتحسين جاهزيته في مواجهة التهديدات الروسية، وتسريع إدماج الذكاء الاصطناعي في العقائد العسكرية الغربية.
وهنا يكمن أحد مفارقات هذه الحرب: فروسيا، بمحاولتها تدمير أوكرانيا، ساهمت في بروز جيش أوكراني أكثر خبرة، وأكثر ابتكارًا، وأكثر أهمية بالنسبة إلى الأمن الأوروبي.
أكدت المملكة المتحدة كذلك استعدادها لدعم قدرات أوكرانيا في مجال الضربات بعيدة المدى والدفاع المضاد للصواريخ بشكل أكثر مباشرة.
وأعربت كييف عن تقديرها للندن بشأن استعدادها لتوفير تقنيات مرتبطة بصواريخ Storm Shadow، إضافة إلى دعمها لمشروع الدفاع الأوروبي المضاد للصواريخ FREYJA.
وتكتسي هذه النقطة أهمية كبيرة.
فروسيا تستخدم بشكل مكثف الصواريخ الباليستية والهجمات الجوية ضد المدن الأوكرانية. لذلك تحتاج أوكرانيا إلى قدرات متكاملة تقوم على محورين: حماية مجالها الجوي، وضرب المواقع التي تغذي آلة الحرب الروسية.
فالدفاع المضاد للصواريخ يحمي المدنيين، بينما تقلّص الضربات العميقة قدرة روسيا على إنتاج أسلحتها وتخزينها ونقلها وإطلاقها.
وهذا المزيج هو الذي يمكن أن يغير موازين القوى.
في 25 أوت، نفذت قوات الدفاع الأوكرانية عملية جوية استهدفت 16 موقعًا مهمًا داخل الأراضي الروسية وفي المناطق الأوكرانية المحتلة مؤقتًا.
ومن بين الأهداف التي تم استهدافها، مصفاة نفط في منطقة نيجني نوفغورود ومركز لوجستي تابع لشركة Wildberries في منطقة تامبوف.
وتعد مصفاة Lukoil-Nizhegorodskiy الواقعة في مقاطعة نيجني نوفغورود من بين كبرى منشآت التكرير الروسية. وتقدر طاقتها بحوالي 17 مليون طن من المواد الخام سنويًا، وفق المعطيات التي قدمها الجانب الأوكراني.
وتنتج هذه المنشأة البنزين، والديزل، ووقود الطائرات، والفيول، والإسفلت، ومنتجات نفطية أخرى.
وبالنسبة لموسكو، فإن هذا النوع من المنشآت يمثل هدفًا استراتيجيًا. فالأمر لا يتعلق فقط بمنشأة اقتصادية، بل إن الوقود يغذي أيضًا الآلة العسكرية: الدبابات، والشاحنات، والطيران، واللوجستيات، والمولدات، والقواعد، ووسائل النقل.
وضرب هذا النوع من الأهداف يعني استهداف أحد الشرايين الأساسية للحرب الروسية.
أما الهدف الآخر الذي أشارت إليه كييف فهو مركز لوجستي تابع لشركة Wildberries في منطقة تامبوف.
وتتهم أوكرانيا بعض المسارات المرتبطة بهذه المنصة بالمساهمة في توفير مكونات للطائرات المسيّرة، وأنظمة الملاحة العسكرية، والسلع ذات الاستخدام المزدوج.
في المقابل، تقدم موسكو هذه المواقع باعتبارها منشآت مدنية. لكن في ظل اقتصاد روسي يتحول بشكل متزايد نحو خدمة المجهود الحربي، أصبحت الشبكات التجارية تُستخدم لنقل مكونات إلكترونية، وبطاريات، وتجهيزات اتصال، أو معدات يمكن للجيش الاستفادة منها.
وبالتالي، تستهدف أوكرانيا منطقة رمادية فرضتها الحرب نفسها: فعندما يتم تسخير الاقتصاد المدني لخدمة العدوان، تصبح البنى التحتية اللوجستية أهدافًا استراتيجية.
تغير مدى الضربات الأوكرانية من طبيعة الصراع النفسية.
فلفترة طويلة، حاولت موسكو الإيحاء بأن الحرب يمكن أن تبقى محصورة داخل أوكرانيا، بينما تظل المنشآت الروسية بعيدة عن الخطر. غير أن هذا التصور بدأ يتلاشى تدريجيًا.
وتظهر كييف اليوم قدرتها على ضرب مصافي النفط، والمطارات العسكرية، ووحدات الصواريخ، ومنظومات الدفاع الجوي، ومراكز القيادة، ومنشآت النفط والغاز في عمق الأراضي الروسية.
والرسالة واضحة: المواقع التي تمكن روسيا من مواصلة الحرب وتمويلها لم تعد بمنأى عن الاستهداف.
روسيا تضرب المدنيين الأوكرانيين بهدف بث الرعب واستنزاف المجتمع، بينما تستهدف أوكرانيا الوسائل التي تمكن موسكو من مواصلة عدوانها.
والفرق بين النهجين جوهري.
تستند الضربات الأوكرانية العميقة إلى منطق عسكري محدد: تقليص قدرة روسيا على خوض الحرب.
فكل مصفاة يتم استهدافها تعقد عمليات الإمداد. وكل مستودع يتم ضربه يقلل المخزونات. وكل مطار يتم استهدافه يعرقل الهجمات الجوية. وكل رادار يتم تدميره يضعف الدفاعات الروسية. وكل مركز لوجستي يتم تعطيله يبطئ تدفق المكونات والمعدات والذخائر.
ولا تسعى أوكرانيا إلى خوض حرب توسعية داخل الأراضي الروسية، بل إلى تحييد الأدوات التي تستخدمها موسكو لشن حرب عدوانية ضدها.
ولهذا تؤكد كييف حقها في الدفاع عن النفس.
فلا يمكن بناء سلام دائم إذا احتفظت روسيا بقدرتها على قصف المدن الأوكرانية، بينما تحمي في الوقت نفسه البنى التحتية التي تجعل هذه الهجمات ممكنة.
يبقى التناقض صارخًا.
ففي الوقت الذي تستهدف فيه أوكرانيا القدرات العسكرية والطاقية واللوجستية المرتبطة بالمجهود الحربي الروسي، تواصل موسكو جعل إرهاب المدنيين عنصرًا مركزيًا في استراتيجيتها.
فالهجمات على المباني السكنية، واستهداف المدارس، والأضرار التي لحقت بالمستشفيات، واستخدام الطائرات المسيّرة ضد المدن، وإطلاق الصواريخ الباليستية على الأحياء السكنية، كلها تهدف إلى كسر إرادة الأوكرانيين عبر بث الخوف والرعب.
لكن هذا الرهان فشل منذ عام 2022.
فالأوكرانيون لم يقبلوا الخضوع، بل عززوا جيشهم، ورسخوا هويتهم الوطنية، وطوّروا قدراتهم التكنولوجية، وحصلوا على دعم دولي أكثر تنظيمًا وهيكلة.
وكل اجتماع لـ”تحالف الراغبين” يؤكد هذه الحقيقة: روسيا لم تنجح في عزل أوكرانيا.
يلخص أسبوع 24 أوت المرحلة الجديدة التي دخلتها الحرب.
فعلى المستوى الدبلوماسي، تنجح أوكرانيا في جمع تحالف واسع حولها، حضر إلى كييف في يوم استقلالها. وعلى المستوى التكنولوجي، تعمّق شراكتها مع المملكة المتحدة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والصواريخ بعيدة المدى، والدفاع المضاد للصواريخ. أما عسكريًا، فتثبت قدرتها على استهداف مواقع مهمة على مسافات بعيدة داخل العمق الروسي.
كان الكرملين يراهن على أوكرانيا معزولة، منهكة، وتعتمد بالكامل على الآخرين. لكنه يواجه اليوم بلدًا يصمد، ويتعلم، وينتج، ويبتكر، ويستهدف البنى التحتية التي تمكن روسيا من مواصلة عدوانها.
وتؤكد أحداث هذا الأسبوع أن الحرب لم تعد تُحسم فقط على خطوط الجبهة.
بل أصبحت تُخاض أيضًا في مختبرات الذكاء الاصطناعي، وسلاسل إنتاج الأسلحة، ومصافي النفط الروسية، والعقوبات المفروضة على الأسطول الخفي، ومشاريع الدفاع الأوروبي المضاد للصواريخ، والقرارات السياسية لحلفاء كييف.
لم تعد أوكرانيا تكتفي بالبقاء والصمود.
بل تعمل، بالتعاون مع شركائها، على بناء القدرات التي تمكنها من الاستمرار، والدفاع عن نفسها، وجعل روسيا تدفع ثمن عدوانها.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية