لم تمرّ لحظات على صدور بيان حزب الله ، فجر الثاني من آذار/مارس الجاري عن إطلاق صلية صاروخية باتجاه مدينة حيفا، بعد نحو 72 ساعة من اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، حتى غصّت شوارع المدن اللبنانية بآلاف النازحين من الجنوب، الذين هاموا على وجوههم في جوف الليل، تحت وطأة الخوف من "الغضب" الذي توعّدت به تل أبيب.
وسرعان ما تحوّل الخوف إلى هلع جماعي، مع تلقي المدنيين اتصالات آلية من أرقام مجهولة تأمرهم بإخلاء منازلهم فورًا. وبعدها بساعات، أصدَر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي ، بيانًا يأمر بإخلاء كافة الأراضي جنوب نهر الليطاني، التي تمثل نحو 25% من مساحة لبنان، تاركًا لدى سكان الجنوب أسئلة ملحّة مثل: كيف نغادر؟ وإلى أين نتوجّه؟
وبحسب صندوق الأمم المتحدة للأطفال (اليونسيف)، دفع الذعر حوالي 700 ألف شخص، بينهم حوالي 200 ألف طفل، على ترك منازلهم دون حمل احتياجاتهم الأساسية، خشية تكرار سيناريو 23 أيلول/سبتمبر 2024، حين أطلقت إسرائيل عملية "سهام الشمال" بموجة غير مسبوقة من 1600 غارة جوية، دكّت فيها الجنوب والضاحية والبقاع، معاقل حزب الله، وأوقعت أكثر من 500 قتيل مدني، وفق إحصاءات لبنانية رسمية.
لكن نزوح مارس 2026 كان أكثر قسوة على الناس هذه المرة. فخلال بضع ساعات، تحولت الطرقات إلى سجون مفتوحة بسبب الازدحام الخانق في حركة السير والذي استمر لأكثر من يومين. فمن اختار الهرب، حوصر في سيارته على الطرقات، أما من آثر البقاء فقد حوصر هو أيضا تحت الغارات.
فجر الخميس، تعالت صرخات النازحين مطالبةً الحكومة اللبنانية بالتدخل ومحمِّلةً إياها مسؤولية تركهم في الطرقات، بعدما استهدفت إسرائيل سيارةً مركونةً على كورنيش الرملة البيضاء في بيروت، ما أسفر عن سقوط 7 قتلى وإصابة 21 شخصًا، بينهم أطفال، بحسب الإحصاء الأوّلي لوزارة الصحة اللبنانية.
"لم ترسل الدولة أي عناصر لتنظيم المرور يوم خرج الناس مذعورين، ولم تُعلن عن حالة طوارئ لتسهيل حركتنا أو ضمان سلامتنا"، يقول النازحون، مضيفين: "حكومة نواف سلام لم تفرق بين رفضها لتدخل حزب الله في الحرب وبين مسؤوليتها تجاه المواطنين الذين لا ذنب لهم". ويعبر الكثيرون عن شعورهم بأن السلطات الرسمية تخلّت عنهم وتركتهُم يواجهون الأزمة بمفردهم.
ورغم إعلان السلطات اللبنانية، بعد أسبوع من بدء الحرب، عن توزيع وجبات ساخنة يوميًا وصرف مساعدات مالية محدودة، إلا أن هذه الإجراءات تبقى غير كافية لمواجهة حجم الأزمة الإنسانية في ظل الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد منذ 2019.
كما أن عدد النازحين الفعليين في مراكز الإيواء يتجاوز 120 ألف شخص، في حين أن المساعدات المعلنة لا تغطي إلا جزءًا من الاحتياجات الأساسية، مثل الغذاء والإيجار والرعاية الصحية.
ويوم الأربعاء، أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية عن تسلمها أول طائرة مساعدات ضمن الجسر الجوي الإنساني، بدعم من الاتحاد الأوروبي عبر اليونيسف، وتضم الطائرة 45 طنًا من الإمدادات الطارئة لمساندة 400 ألف شخص من المتضررين من النزوح. وتشمل الشحنة مستلزمات أساسية للأطفال والعائلات النازحة، ومنها مواد إسعافات أولية ومستلزمات خاصة بالأطفال.
من جانب آخر، كشف الشارع اللبناني عن انقسامات في الاستجابة للأزمة الإنسانية. فقد بادرت بعض الفئات إلى تقديم المساعدات وفتح منازلهم أمام النازحين، بينما استغلت جهاتٌ أخرى الأزمة ورفعت أسعار الإيجارات إلى مستويات كبيرة وصلت إلى 2000 دولار شهريًا، مع اشتراط دفع عدة أشهر مقدمًا. كما سُجّلت حالات تمت الدعوة فيها لطرد النازحين، الذين يشكل أغلبهم البيئة الحاضنة لحزب الله، في خطوة تسعى لتحميلهم مسؤولية "القرارات الخاطئة" للحزب وإقحام لبنان في حرب جديدة "لا قدرة له على الانتصار فيها" حسب رأي تلك الفئة.
وفي ظل هذه الضغوط الاقتصادية، اضطر العديد من النازحين إلى التوجّه إلى المدارس كملاجئ مؤقتة، أو البقاء في سياراتهم، أو على قارعة الطريق، مع غياب حلول بديلة تلبي احتياجاتهم الأساسية.
كما ظهرت بعض المواقف التي وُصفت بالعنصرية، منها تصريحٌ نُسب إلى رئيس بلدية بيروت، الذي احتج على تواجد النازحين على الرصيف في منطقة الروشة، واجهة بيروت البحرية، قائلاً: "اشترينا الشقق بملايين الدولارات لنُطلّ على البحر، لا على خيام النازحين".
بتول، 26 عامًا، وهي نازحة من بلدة الشعيتية جنوب لبنان، على بعد نحو 5 كيلومترات من الحدود مع إسرائيل، تقول لـ" يورونيوز" إن الشعور بالخوف لم يفارقها منذ لحظة إعلان دخول لبنان الحرب. فهي أم لطفلين، وكان أول همّها حماية فلذة كبدها.
"قضينا 12 ساعة كاملة على الطريق لنقطع مسافة لا تتجاوز 85 كيلومترًا حتى وصلنا إلى بلدة كيفون في قضاء عاليه بجبل لبنان،" تقول بتول، والقلق يعتري صوتها، "كل لحظة شعرت فيها بالعجز عن طمأنة طفليّ، وكل حركة على الطريق كانت كأنها امتحان لصبرنا على الخوف والجوع والتعب".
وعند الوصول، اصطدمت بتول بوجه آخر للمعاناة: لقد طلب أصحاب المنازل إيجارًا خياليًا يبلغ 1500 دولار لمنزل صغير لا يتجاوز ثلاث غرف، مع عمولات إضافية، بينما كانوا أربع عائلات تتقاسم المكان. "لم نجد خيارًا سوى البقاء في سياراتنا أو افتراش الطرقات،" تضيف بتول "اضطررننا لقبول العقد مع أن المنزل كان لا يستحق المبلغ الذي طلبه صاحبه فيه حتى لا نبقى في الشارع".
على ضوء الأزمة الإنسانية، وفي ظل قصور الدولة أو تقصيرها، بادرت مجموعة من الشبان إلى التطوع وتشكيل خلايا لتوزيع الطعام والاحتياجات الأساسية على النازحين. تقول المتطوعة ولاء طالب، 23 عامًا، إن مبادرتها بدأت مع مجموعة من المؤثرين الذين تعرفت عليهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي: "بدأنا نجمع التبرعات بشكل عفوي عبر حساباتنا الشخصية، ونزلنا إلى الشارع للاستماع لاحتياجات الناس ومحاولة تأمينها".
وتضيف ولاء: : "ليست الحرب وحدها التي اضطرت الناس إلى افتراش الطرقات، بل هناك سبب آخر أيضًا وهو رفض بعض اللبنانيين استقبال النازحين في مناطقهم، وارتفاع إيجارات الغرف إلى مستويات تتجاوز بكثير متوسط الرواتب في لبنان". وتشرح الشابة أن "تعامل بلدية بيروت مع النازحين كان مجحفًا، إذ طُردوا من بعض الأماكن بحجة الحفاظ على 'الإطلالة البحرية'، ما دفع الكثير منهم للعودة إلى الضاحية الجنوبية والبقاع والجلوس تحت الخطر".
وحول المدارس التي فتحت أبوابها، تقول ولاء: "تستقبل هذه المدارس أعدادًا تفوق طاقتها الاستيعابية؛ ففي بعض الحالات، 500 شخص يتوزعون على 28 غرفة فقط، يفصل بين كل عائلة شادر بلاستيكي، ويعانون من غياب الخصوصية. ومع ذلك، يظل وضعهم أفضل من الذين اضطروا للبقاء في الشوارع، حيث لا تتوفر أي مرافق، بينما هناك بعض الأنشطة والدورات للأطفال والنساء في المدارس".
وتشير ولاء إلى أنها ترى نفس مشاهد الحرب السابقة فتقول: "أغلب النازحين لجأوا إلى نفس المدارس التي قصدوها في حرب 2024. في المعركة السابقة تعرّفتُ على سيدة حامل، واليوم رأيتها في نفس المدرسة لكن مع طفلتها".
وتتابع: "نحن نعمل الآن على توزيع وجبات من مطابخ خيرية بفضل التبرعات، لكننا نخشى أن يخفّ زخم الدعم إذا طال أمد الحرب. بعض المدارس، مثل مدرسة الحريري في بيروت، تستوعب أكثر من 1,200 شخص، وتحتاج لإشراك حوالي ست جمعيات يوميًا لتأمين وجبات الطعام، فماذا لو توقفت التبرعات؟".
في النزوح، لا يحمل اللبنانيون فقط حقائبهم وأطفالهم المذعورين، بل يحملون أيضًا مرارة انقساماتهم السياسية والطائفية، التي تحوّل الأزمات إلى سكين ينكأ الجراح وفرصة لتسجيل النقاط.
فبين خيمة نُصبت على قارعة الطريق بإحدى المناطق "الراقية" التي يخشى أصحاب البلديات على صورتها، وغرفة مكتظة في مدرسة رسمية، تتعالى الأصوات المتنازعة، لكن صوت الحرب يبقى أعلى من الجميع. وفي ظل تخلّف الدولة اللبنانية عن القيام ببعض واجباتها الأساسية، يظل السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يمكن للمجتمع المدني، بجهود أبنائه التطوعية، أن يخفف من وطأة هذه الكارثة؟
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة