آخر الأخبار

مباحثات جنيف.. رقصة تانغو نووية أم تمهيد لضربة عسكرية خاطفة؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تنتهي جولات جنيف بتصريحات متفائلة عن إمكان الاتفاق، لكنها تجري تحت مظلة ضغط عسكري معلن، إذ توظّف واشنطن التهديد بضربة تكتيكية كورقة تفاوضية لانتزاع صفقة نووية سريعة، في اختبار حاسم لحدود الدبلوماسية بين الطرفين.

هذا الإطار يضع المباحثات في سياق إستراتيجية يمكن وصفها بـ"التفاوض تحت النار"، حيث لا تُفصل الطاولة السياسية عن الحشد العسكري، بل يُستخدم الأخير لتعزيز شروط الأول وتسريع إيقاعه.

وفي قراءة طرحها الأكاديمي والخبير في سياسات الشرق الأوسط الدكتور محجوب الزويري خلال برنامج "مسار الأحداث"، تبدو العملية التفاوضية أقرب إلى مسار أحادي السقف، تحدده واشنطن بمطالب واضحة، بينما يُطلب من طهران تقديم إجابات سريعة ومحددة.

فالمطالب الأمريكية تركز على خفض مستويات التخصيب، والتعامل مع مخزون اليورانيوم عالي النسبة، وضبط مسار البرنامج على مدى طويل، من دون مؤشرات موازية لجدولة واضحة لرفع العقوبات.

هذا الاختلال في توازن الطرح -وفق الزويري- يعزز انطباعا بأن واشنطن تلوّح بخيار عسكري ليس فقط كملاذ أخير، بل كأداة ضغط مرحلية يمكن استخدامها حتى أثناء التفاوض لفرض تنازلات إضافية.

السيناريو الأكثر حساسية يتمثل في احتمال تنفيذ ضربة محدودة تستهدف قدرات معينة، ثم العودة إلى الطاولة بشروط أكثر تشددا، بما يضع طهران أمام معادلة صعبة بين الرد والاستمرار في المسار التفاوضي.

تنازل إيراني مشروط

ومن طهران، قدّم ساسان كريمي -المساعد السابق لنائب الرئيس الإيراني- مقاربة تقوم على استعداد بلاده لمناقشة مستويات التخصيب والمخزون، شريطة أن يقابل ذلك رفع ملموس للعقوبات واحترام متبادل للمصالح الوطنية.

فالتنازل -بحسب هذا التصور- ليس مسألة تقنية بحتة بل هو قرار سيادي يرتبط بحسابات أوسع تشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والبيئة الأمنية، وهو ما يجعل أي اتفاق بلا مقابل واضح عرضة للرفض داخليا.

إعلان

أما في واشنطن، فيشير مايكل مولروي -نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق- إلى أن الرئيس دونالد ترمب يقارب الملف ضمن اعتبارات سياسية داخلية، أبرزها تجنب الانخراط في حرب مفتوحة مع عدم التراجع عن إظهار الحزم.

هذا التوازن بين وعود تجنب الحروب والرغبة في إظهار القوة يفسر الإصرار على مهلة زمنية قصيرة وعلى مسودة اتفاق مفصلة، بما يعكس توجها نحو صفقة سريعة قابلة للتسويق سياسيا.

غير أن طبيعة الملف النووي -بتعقيداته الفنية والرقابية- لا تنسجم بسهولة مع منطق الصفقات السريعة، إذ تحتاج ترتيبات التفتيش وخفض التخصيب وإعادة هيكلة المخزون إلى مسارات تحقُّق طويلة ودقيقة.

هنا يبرز دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أشار رئيس مجموعة الاستشارات النووية في معهد بينيت الدكتور بول دورفمان إلى قدرتها التقنية على التحقق من خفض النسب إلى حدود الاستخدام المدني.

لكن دورفمان حذّر -في الوقت نفسه- من أن أي استهداف عسكري لمنشآت نووية -خاصة الساحلية منها- قد يخلّف مخاطر بيئية جسيمة في الخليج، حيث تعتمد دول عدة على تحلية مياه البحر لتأمين مياه الشرب.

طبقة تعقيد جديدة

هذا البعد البيئي يضيف طبقة جديدة من التعقيد، إذ إن ضربة محدودة قد تتحول إلى أزمة إقليمية تتجاوز أطراف النزاع، وتشمل أمن الطاقة والممرات البحرية ومصالح دول الخليج.

في ضوء ذلك، تبدو جنيف ساحة اختبار مزدوجة، اختبار لمدى استعداد طهران لتقديم تنازلات محسوبة واختبار لمدى استعداد واشنطن للانتقال من منطق الضغط إلى منطق التوازن في الصفقة.

فالاستمرار في التهديد قد يدفع إيران إلى مزيد من التشدد، في حين أن سحب الخيار العسكري بالكامل قد يُقرأ في الداخل الأمريكي كتنازل مجاني، مما يضع الإدارة أمام حسابات دقيقة.

وبين هذين الحدين تتحرك المفاوضات على إيقاع حساس، حيث يمكن لأي سوء تقدير أن يحول "الضغط التكتيكي" إلى مواجهة أوسع، يصعب احتواؤها أو ضبط مساراتها.

المحصلة أن المباحثات لم تعد مجرد نقاش تقني حول نسب تخصيب وأجهزة طرد مركزي، بل صارت ساحة لإعادة تعريف ميزان الردع بين واشنطن وطهران.

فإما أن تُترجم الضغوط إلى اتفاق متوازن يخفف التوتر ويؤسس لمسار مستدام، أو تتحول إلى شرارة تدفع المنطقة نحو فصل جديد من التصعيد، عنوانه الأبرز أن التفاوض تحت النار قد يحرق أوراق الجميع.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا