القاهرة – بعد نحو ربع قرن من الأسر في سجون الاحتلال، وقف الأديب والروائي الفلسطيني المحرر كميل أبو حنيش (50 عاما) في معرض القاهرة الدولي للكتاب، محتضنا خمسة من أعماله الأدبية، كما لو كانوا أبناء غاب عنهم طويلا ثم عاد إليهم باشتياق، بينما كانت والدته المقيمة في "نابلس" تحادثه عبر الهاتف قائلة: "أريد أطفالا بلحم ودم" بجملة بسيطة اختصرت العمر المؤجل، وحياة تحت الاحتلال قاومت الأسر، كما قاومها كل أبناء فلسطين المحتلة.
تأتي المشاركة الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الـ57، الذي انطلق يوم 21 يناير/ كانون الثاني الجاري، ويستمر حتى 3 فبراير/ شباط، ببرنامج ثقافي متنوع؛ يشمل ندوات ولقاءات داخل أروقة المعرض، إضافة إلى فعاليات تُنظم بالتعاون مع مؤسسات ثقافية مصرية، وفي مقر المركز الثقافي التابع للسفارة الفلسطينية بالقاهرة، مع اهتمام خاص بالإرث الأدبي للشعراء والكتاب الفلسطينيين، لا سيما أبناء قطاع غزة، سواء المقيمين داخل القطاع أو في مصر، أو ممن ارتقوا شهداء وبقيت كلماتهم حية.
هنا القاهرة، حيث يلتقي رفاق التجربة الثقافية الفلسطينية في ساحة المعرض بزواره، حاملين "أدب المقاومة" بوصفه ذاكرة حيةً لوطن كامل جاء بجرحه وصوته وذاكرته، أدب فرض وجوده شاهدا لا يُستدعى؛ لأن القضايا العادلة، حين تنزف، تكتب نفسها بنفسها.
كلمات التقطتها "الجزيرة نت" من على لسان وقلوب كتاب وروائيين فلسطينيين وزوار من مختلف الجنسيات والأعمار، في توقيت تعاني فيه غزة وأبناؤها جرحا نازفا، حيث لا يبدو الحضور الكثيف لـ"أدب المقاومة" في معرض القاهرة الدولي للكتاب، ترفا ثقافيا، بل ضرورة أخلاقية، في زمن تُقصف فيه الذاكرة قبل البيوت، وتُمحى الخرائط بالصمت.
يروي أبو حنيش رحلته مع الكتابة، من عتمة الأسر إلى أروقة المعرض، مؤمنا بأن الأدب سلاح لا يجوز أن يسقط، وبأن أصحاب القلم سيبقون في خندقهم، يقاومون بالكلمة في المنفى، كما تقاوم البندقية على الأرض. فالأدب -في نظره- ليس ترفا مؤجلاً، بل فعل مقاومة موازٍ لكل أشكال النضال.
أمضى أبو حنيش 23 عاما من عمره في سجون الاحتلال، وكانت هذه مشاركته الأولى في معرض للكتاب، وعن هذه اللحظة يقول إنه فوجئ بعرض 9 من كتبه داخل المعرض، من بين أكثر من عشرين مؤلفا كتبها في الأسر.
واعتبر ذلك احتفاءً استثنائياً بأدب السجون والمقاومة، الذي اخترق أسوار الاحتلال رغم القيد والتنكيل، موجها من داخل المعرض، تحية إلى الأسرى، بأن الحضور الثقافي انتصار يُسجل رغم أنف السجّان.
وبروايته الجديدة "تعويذة الجليلة"، التي شهدت إقبالا لافتا من الزوار، يشارك أبو حنيش في معركة يراها امتدادا لأخرى طويلة لم تتوقف بخروجه من الأسر، موضحا: "هناك في غزة نضال بالسلاح، هنا نناضل في المنفى بالكلمة.. سنبقى في هذا الطريق حتى تحرير الأرض والإنسان".
وفي هذه الرواية، يقدم شهادة إنسانية على التجربة الفلسطينية، أعاد فيها سرد الحكاية عبر سيرة امرأة استثنائية "الجليلة"، هي في مخياله صورة مكثفة للمرأة الفلسطينية، التي واجهت النكبة والتهجير والاحتلال دون انكسار.
أما "التعويذة"، فهي الذاكرة المتوارثة، وأمانة الأرض التي لا تسقط.
وعن تجربة الكتابة من داخل الأسر، يلخص أبو حنيش في كتابه "الكتابة والسجن"، الذي صدر قبيل حرب "طوفان الأقصى"، تجربته في تأليف أكثر من عشرين كتابا، وعشرات الدراسات والقصائد الشعرية، راويا تفاصيل المعاناة اليومية مع الكتابة، إذ كان كل إصدار معركة خاضها بحد ذاته، حسب تعبيره.
في خندق أدب المقاومة، يقدم أيضا الأسير المحرر الروائي ناصر أبو سرور (57 عاما) إلى معرض القاهرة للكتاب حضورا استثنائيا، جاء به "التحرر" وخططت له الصدفة.
يعرف نفسه باعتزاز منسوبا إلى أمه: "ناصر نظيمة أبو سرور"، ابن المرأة الفلسطينية التي يراها الأجمل والأقرب إلى روحه، ومنها يستمد انتماءه الأول.
يشارك أبو سرور في المعرض بكتابين كتبهما بسجون الاحتلال "على سرير الكتابة" و"حكايا الجدار"؛ والأخير يسرد رحلته من مخيم اللاجئين في بيت لحم إلى الأسر، حيث أمضى الرجل 33 عاما في السجون الإسرائيلية، وصولا إلى لحظة التحرر بعد حرب "الطوفان"، مؤكدا أن خروجه كان إحدى نتائج تلك الحرب، وأن الأثمان، على قسوتها، كانت مستحقة.
يقول أبو سرور إنه كان يرى مصر من خلف القضبان، واليوم يراها من فسحتها الواسعة، حيث المشاركة في المعرض، وتفاعل القراء مع رواياته، تعني له الكثير؛ وقد فاجأه الإقبال الكثيف والتنظيم اللافت وجمهور لا يزال شغوفا بالقراءة والكتابة الإبداعية، خلاف ما كان يظنه، في زمن وسائل التواصل الاجتماعي.
وعن حضور أدب المقاومة في المعرض يؤكد أنه يحمل دلالة عميقة، خاصة مع الإقبال الكبير على الأدب الفلسطيني وكتابات الأسرى.
لأن الكلمات التي كُتبت في الأسر كانت، وفق قوله، صوتا مخنوقا، لكنه ظل عاليا، مشيرا إلى أن المعرض يفتح الطريق لهذا الصوت، كما أن اهتمام القراء، برأيه، دليل على أن القضية الفلسطينية ما تزال حاضرة في الوجدان العربي.
ورغم التحرر، يقول إنه لم يكتب بعد، عاجزا عن تفسير هذا التوقف، على عكس الكتابة في الأسر التي كانت وعرة لكنها ضرورة حياة، داعيا القارئ العربي، إلى "قراءة وعرة" متورطة في الوجع والتضامن؛ لأن الأسير يريد أن يُرى ويُسمع في أدبه، وأن يستعيد صوته الذي ظل مخروسا لعقود.
بدورها، ترى الأكاديمية والشاعرة الفلسطينية زينات أبو شاويش، حضور الأدب الفلسطيني في معرض الكتاب، لم يكن حضور عناوين على أرفف، بل حضور وطنٍ كامل جاء بجرحه وذاكرته وصوته، فالنصوص، كما تصفها، لم تُعرض لتُقرأ فقط، بل حضرت لتوقظ الوعي، متحولة إلى ضميرٍ مفتوح تُقاس به حرارة المعرض، ودليلٍ على أن الكلمة قد تكون أصدق من الرصاصة وأبقى من الخبر العاجل.
أبو شاويش تؤكد أن كثافة حضور أدب المقاومة ليست ترفا ثقافيا، بل ضرورة أخلاقية في زمنٍ تُقصف فيه الذاكرة قبل البيوت، وتُمحى فيه الخرائط بالصمت، فالأدب هنا لا يقاوم ليغلب، بل ليمنع الهزيمة من أن تصبح اعتيادا.
وتشارك أبو شاويش في المعرض بخمسة دواوين شعرية، بوصفها محطات عمرية لا مجرد مجموعات قصائد، إضافة إلى مجموعتها القصصية "أطفال يحرسون الضوء"، التي تصفها بأنها شهادة قلب آمن بأن الطفولة موقف قبل أن تكون عمرا، كتبت فيها عن أطفال كبروا قبل أوانهم، صاروا حراسا للنور في عالمٍ شديد العتمة، حيث تهمس القصص أكثر مما تصرخ، مخاطبة مستقبل الأمة عبر مخاطبة الطفل.
أما روايتها المشاركة بالمعرض "مقامات القلوب"، فتعدها خلاصة الرحلة وباطنها؛ مقاما يُعاش لا كتابا يُقرأ، محاولةً إعادة الاعتبار للقلب في زمن ازدحم بالعقل، عبر تجارب إنسانية في الحب والعفو والرضا.
"الأدب الفلسطيني، يحمل وجع الضمير الإنساني"، كلمات للكاتب والروائي عمار الزبن، الذي اعتبر الحضور الفلسطيني في معرض الكتاب قد فرض نفسه بوضوح، لا من حيث الكم، بل من حيث النوع والخصوصية، مؤكدا أن الكلمة الحرة ما زالت تقف جنبا إلى جنب مع البندقية، في معركة واحدة متعددة الأدوات.
ويقول الزبن، الذي سبق أن شارك قبل 10 سنوات بمعرض الكتاب برواية "من خلف الخطوط" التي كتبها في الأسر، إن أدب المقاومة يكتسب حضوره في هذا التوقيت دلالة أعمق، بوصفه رسالة واضحة بأن الحرف الذي كُتب بدم الفلسطينيين وجُبل بعرق المقاومين في الأنفاق لا يزال حاضرا في مواجهة الاحتلال، ومصمما على التمسك بالسقف السياسي الذي رسمه فدائيو غزة للقضية الفلسطينية.
كما اعتبر مشاركة أدباء الحركة الأسيرة المحررين بعد "طوفان الأحرار"، تمثل تحديا مباشرا لمحاولات طمس الكلمة المقاتلة، ورسالة إلى عالمٍ حاول ولا يزال الانقضاض على الشعب الفلسطيني ومقاومته بعد صمودٍ ملحمي أربك سردية الاحتلال، محملاً الأدباء مسؤولية تطوير أدواتهم؛ كي تبقى الكلمة منسجمة مع نبض المقاومة.
ولا يرى الزبن مستقبلا للأدب الفلسطيني؛ إذا انفصل عن ضمير الأمة العربية، وهو ما يلمسه في إقبال الشباب على أدب المقاومة من داخل معرض الكتاب، معتبرا أدب السجون يشكل قلب أدب المقاومة؛ لأن كاتبه، بحسب قوله، هو ذاته المقاوم الذي دفع ثمن كلمته سلفا، مانحا هذا الأدب صدقيته العميقة في الوعي الفلسطيني، دون أن ينتقص ذلك، وفق رأيه، من دور أدباء المنفى الذين كان لبعضهم، مثل غسان كنفاني، نصيب الشهادة.
عن حالة الإقبال على الجناح الفلسطيني بالمعرض، يصفها عبد الرحمن الهباش، أحد القائمين على الجناح بـ"لحظة فرح صادقة"، لامسها في عيون الزائرين قبل كلماتهم، من شباب وفتيات كبار وصغار، يمرون من الجناح بدافع المحبة والتضامن، في مشهد يعكس معنى الوحدة العربية ومدى حب الشعب المصري لفلسطين.
هذا الاهتمام والإقبال لم يقتصر على الجناح الفلسطيني الرسمي، بل امتد إلى دور النشر العربية التي اختارت أن تجعل من فلسطين محورا رئيسيا لإصداراتها هذا العام، فعلى مقربة من الجناح الفلسطيني، ترى رائدة إدريس، صاحبة دار الأدب اللبنانية، في معرض الكتاب فرصة بالغة الدلالة؛ إذ جاء التركيز على توثيق الرواية الفلسطينية، خصوصا ما يتعلق بحرب غزة، بوصفه فعلا ثقافيا مقاوما، يهدف إلى حفظ الذاكرة العربية من النسيان.
ويضم جناح "دار الأدب" عناوين عديدة تتناول التجربة الفلسطينية من زوايا أدبية وتوثيقية، بينها "الناجية الوحيدة" لغادة الخوري، و"لا بريد إلى غزة" لمحمد جبعيتي، وكذلك أعمال اللبناني الراحل إلياس خوري، وأعمال إدوارد سعيد، وغيرها من دراسات وترجمات معنية بهموم القضية الفلسطينية.
أما المشهد الأوسع، فيرسمه الكاتب والباحث المصري باسم الجنوبي، الذي يلفت إلى أن القضية الفلسطينية حضرت هذا العام في عشرات الأجنحة، فلسطينية ومصرية وعربية، حتى بدا المعرض كله وكأنه جناح فلسطيني مفتوح، مشيرا إلى ما كُتب عن غزة، وعما بعد السابع من أكتوبر، وعن المجازر والبطولات، وعن المقاومة والصمود، والحاضنة الشعبية، وجميعها احتلت وفق قوله مساحات واسعة من رفوف المعرض.
المصدر:
الجزيرة