تجاوزات كثيرة تقع تحت طائلة القانون.
المحامي السابق آرنو كلارسفيلد يفترض أن يكون الأدرى بالخطوط الحمراء والضوابط، لكنه اختار أن يدوسها بلا تردد، ظنًّا منه أن الأمر يمكن أن يذوب في هذا السيل من الألفاظ المشينة ضد «العرب» والجزائريين والمسلمين والأجانب عمومًا.
غير أن حساباته أخطأت: فبعد أن اقترح تنظيم «مداهمات» ضخمة للأجانب الصادرة في حقهم قرارات OQTF (إلزام بمغادرة التراب الفرنسي)، استجلب غضب مجلس الدولة. وما يزيد الأمر خطورة أنه يشغل بنفسه منصب مستشار داخل أعلى هيئة قضائية إدارية في البلاد.
استيراد شرطة ترامب إلى فرنسا… شرطة تقتل بلا هوادة
هو مجلس الدولة نفسه الذي سبق أن وضع الرئيس إيمانويل ماكرون أمام حدود صلاحياته في ملف فلسطين، وهو الذي سيتولى الآن ملف كلارسفيلد بسبب ما قاله على قناة «سي نيوز» CNews، التي تُطرح فيها، وفق منتقديها، أسوأ التصريحات الممكنة والمتخيلة: «إذا أردنا التخلص من قرارات OQTF، فعلينا تنظيم ما يفعله ترامب مع ICE [شرطة الهجرة الأمريكية]، أي نوعًا من المداهمات الكبيرة هنا وهناك. لكن بتنظيم مداهمات كبيرة، أي بمحاولة اصطياد أكبر عدد من الأجانب في وضعية غير نظامية، نرتكب أيضًا مظالم».
و شرطة ترامب التي تمارس العنف وتقتل بلا هوادة، وفق ما يذكّر به منتقدوها. بل إن الرئيس الأمريكي انتهى إلى الإقرار بأن شرطته تتجاوز الحدود، بعد أن نزل أحد مستشاريه إلى الميدان للتحقيق. وهي الوحدة التي يهاجمها كثير من الأمريكيين، كما سبق أن ندّد بها الرئيسان السابقان بيل كلينتون وباراك أوباما، يريد كلارسفيلد «استيرادها» إلى فرنسا.
و كان المحامي السابق قد شارك، مساء السبت الماضي، في نقاش على قناة الملياردير المحافظ فنسنت بولوري، حيث جرى التطرق إلى قضية اغتصاب امرأة تبلغ 90 عامًا في نيس، ويُشتبه في أن مرتكبها تونسي في وضعية غير نظامية. وقال كلارسفيلد حينها: «من الصعب التخلص من كل اللاأسوياء الذين صدرت ضدهم OQTF (…). انظروا إلى ما يفعله ترامب في الولايات المتحدة: إنه يفعله، أي قرر سياسة، سياسة صارمة، بإرسال قوات صارمة أيضًا وترتكب أحيانًا أخطاء».
و عقب هذه التصريحات الصادمة، باشر مجلس الدولة أمس الثلاثاء 27 جانفي إجراءات تأديبية، وفق مصدر قريب من الملف، مؤكدًا ما نشرته «لو فيغارو» و«فرانس إنفو». وقد أحال رئيس أعلى هيئة قضائية إدارية، الذي يحمل لقب «نائب الرئيس»، ديدييه-رولان تابوتو، الملف إلى اللجنة العليا للمؤسسة بسبب «الإخلال بواجبات وأخلاقيات المهنة»، وهي إجراءات «نادرة».
و تجدر الإشارة إلى أن هذه اللجنة تتكوّن من مكتب مجلس الدولة (ولا يشارك فيها رئيس قسم المنازعات ولا نائب الرئيس)، ومن مستشاري دولة منتخبين، إضافة إلى ثلاث شخصيات مؤهلة يعيّنها مجلس الشيوخ والجمعية الوطنية ورئيس الدولة. وبعبارة أخرى، فإن كلارسفيلد يواجه ثِقلًا مؤسسيًا كبيرًا. وهو مهدد بعقوبة قد تتراوح بين التنبيه والعزل النهائي، مرورًا بالتوبيخ أو الإقصاء المؤقت من مجلس الدولة، حيث يشغل منصبًا منذ سنة 2010.
زمور جرّب بدوره «التحريض على الكراهية العنصرية»…
كان من الصعب على كلارسفيلد الإفلات من عقاب بعد العاصفة التي أثارها تصريحه. فقد علّق زعيم الحزب الاشتراكي، أوليفييه فور، الذي يتمتع بنفوذ وازن داخل البرلمان، قائلًا: «قانون 24 جويلية 1881 سيسمح بإدانة تحريضه على التمييز والكراهية والعنف، وكذلك تبرير الجريمة»…
و أضاف فور، في السياق نفسه، أنه سيتوجه إلى مدعية الجمهورية، في خطوة سبقه إليها نواب حركة «فرنسا الأبية» (LFI)، ومن بينهم توماس بورت، الذي قال إنه سيتحرك أيضًا لدى «أركوم» (Arcom)، الهيئة الناظمة للإعلام.
و تساءلت ماتيلد بانو، رئيسة الكتلة النيابية لـ(LFI): «آرنو كلارسفيلد، المنحدر من أشخاص تم اعتقالهم وترحيلهم قسرًا، يدعو مباشرة على الهواء إلى “مداهمات” وإلى القبض على أجانب موجودين على التراب الفرنسي. إلى أي حالة من الجنون ينزلق هذا البلد؟».
و أحسّ كلارسفيلد بأنه انزلق انزلاقًا خطيرًا، فحاول التراجع يوم الأحد الماضي عبر منصة «إكس»، قائلًا: «بخصوص كلمة “مداهمة/حملة اعتقال”، يكفي الرجوع إلى القاموس. وليس الأمر نفسه توقيف أجانب ارتكبوا جرائم وإعادتهم ربما إلى بلدانهم، وبين انتزاع أطفال يهود وإرسالهم إلى أوشفيتز حيث جرى قتلهم»…
حاول قطع الطريق على منتقديه باستحضار فظائع أدولف هتلر، لكن المناورة لم تنجح. نجل أشهر “صيّادي النازيين” سيرج وبيات كلارسفيلد ظن أنه يستطيع أن يصرخ مع الذئاب، مع العنصريين وكارهِي الأجانب الذين باتوا أكثر جرأة لأن القانون لا يعاقب، أو يعاقب قليلًا. ويبدو أن كلارسفيلد نسي متاعب إيريك زمور القضائية، الذي أُدين نهائيًا بتهمة «التحريض على الكراهية العنصرية».
حتى حزب «التجمع الوطني» بقيادة مارين لوبان، وتحت ضغط مسار “تبييض الصورة”، اضطر إلى تعلم الإبحار في هذه المياه العكرة، عبر تلميع الخطاب، وهو ما يفسّر على الأرجح “الترقية” التي تؤكدها استطلاعات الرأي الجيدة لليمين المتطرف، في أفق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
و مع ذلك، فإن المحامي السابق، الذي كان قبل سنوات يجوب منصات التلفزة للدفاع عن مواقف صادمة بشأن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، بدا أنه هدأ منذ التحاقه بمجلس الدولة. وكان عليه أن يلزم جانبًا وأن يلتزم بواجب التحفظ الذي تقتضيه وظيفته الرفيعة. فحتى المبالغة لها حدود، حتى لرجل في مقامه… بل خصوصًا لرجل في مقامه.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية