آخر الأخبار

عنف منظم وتهجير متدرج.. الضفة الغربية أمام أخطر منعطف

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم تعد الضفة الغربية، في القراءة التي تقدمها الصحافة الإسرائيلية خلال الأيام الأخيرة، أمام موجة جديدة من عنف المستوطنين فحسب، بل أمام مسار تتداخل فيه الضغوط الاقتصادية والعسكرية والاستيطانية مع عنف منظم يهدف إلى دفع الفلسطينيين خارج أراضيهم، في حين يزداد خطر تحول الاحتكاك إلى مواجهة أوسع تبرر مزيدا من القتل والتهجير.

وتكشف التقارير العبرية أن حادثة قصرة جنوب نابلس ليست حدثا منفصلا، بل نموذج لبيئة تتسع فيها حرية عمل مجموعات المستوطنين، مقابل تردد الجيش والشرطة والشاباك في كبحها، بينما تقترب إسرائيل من انتخابات الكنيست وتتصاعد داخل اليمين دعوات إلى تغيير الواقع السياسي والجغرافي في الضفة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 معركة الحجاب مجددا.. لوبان تفتح الجبهة وفرنسا تنقسم
* list 2 of 2 حملة ترمب لترحيل المهاجرين تتسع وتقيّد حقوق الكثيرين end of list

وترى عميرة هيس، مراسلة هآرتس المخضرمة للشؤون الفلسطينية، في مقالها المنشور في 30 أغسطس/آب، أن النقاش بشأن دولة فلسطينية أو حل سياسي أصبح ثانويا أمام سؤال أشد خطورة وهو بقاء الفلسطينيين أنفسهم بين النهر والبحر، وكتبت أن السياسة الإسرائيلية تتجه إلى "جعل حياة الفلسطينيين بائسة" بحيث تبدو الهجرة لاحقا وكأنها قرار طوعي.

مصدر الصورة يؤسس "الإرهاب الاستيطاني" بدعم الحكومة بنية لتهجير جماعي جديد للفلسطينيين (الجزيرة)

وتربط هيس بين عنف المستوطنين وبين منظومة أوسع عبر الغارات العسكرية، والحواجز والقيود البيروقراطية، ومنع الزراعة وتطوير الأرض، والضغط المالي على السلطة الفلسطينية ونحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة، وفي تقديرها تتجمع هذه الأدوات لتكوين بنية مادية وأيديولوجية ونفسية تسمح بتهجير جماعي جديد، قد يصاحبه قتل واسع إذا نشأت الذريعة الأمنية المناسبة.

نموذج منظم

وتمنح المعطيات الميدانية هذا التحذير بعدا عمليا، حيث كتب إليشع بن كيمون، مراسل يديعوت أحرنوت لشؤون الضفة والاستيطان، أن الهدف الغالب لمثيري الشغب اليهود هو "تنغيص حياة الفلسطينيين"، مشيرا إلى أن تجمعات بدوية تركت بالفعل أماكن سكنها خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت قرى أيضا عرضة للهجوم.

إعلان

وبحسب المؤسسة الأمنية التي نقل عنها، تقود العنف نواة من 70 إلى 100 ناشط، يدور حولها نحو 300 شاب، والهدف المعلن، وفق مصدر أمني، هو طمس الخطوط بين المنطقة "ج" والمنطقتين "أ" و"ب"، أي نقل مناطق البؤر والمزارع الاستيطانية إلى عمق المجال الفلسطيني.

مصدر الصورة مع اقتراب الانتخابات، يصبح احتمال توظيف الانفجار الأمني بالضفة جزءا من المعركة (مواقع التواصع الاجتماعي)

وقد أظهرت حادثة قصرة مستوى التنظيم، فقد أفاد نير دفوري، المراسل العسكري للقناة الـ12، بأن أكثر من 70 مستوطنا شاركوا في مداهمة مخططة شملت مركبات وتمويلا ومساعدة قانونية محتملة، ووصلت القوة العسكرية الأولى بستة جنود احتياط فقط، بينما كان عشرات الملثمين يقتحمون منزلا فلسطينيا.

ولا تقف دلالة الأرقام عند حجم المجموعة، فبن كيمون يشير إلى أن معظم المواجهات تقع في المنطقة "ب"، بالقرب من بؤر أُقيمت في عمق الأرض الفلسطينية، وهو ما يعني أن العنف لا يعمل فقط لحماية مستوطنة قائمة، بل لدفع حدود السيطرة الفعلية إلى مناطق يفترض، وفقا لاتفاق أوسلو، أن تكون إدارتها المدنية فلسطينية.

وفي المقابل، بدت الإدانة الرسمية منفصلة عن الأداء الميداني، فقد وصف رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مهاجمي قصرة بأنهم "حفنة من مثيري الشغب"، لكن القناة الـ12 نقلت عن جهات أمنية أن العملية كانت منظمة ومدعومة ببنية تحتية، وأن خمسين مستوطنا شوهدوا يقتحمون المنزل أمام القوة الأولى.

وهذه الفجوة بين خطاب "الحفنة" وبين التنظيم والتمويل وقدرة المشاركين على الانسحاب دون اعتقال تعزز السؤال الذي تطرحه التقارير، فهل المشكلة في ضعف الدولة أمامهم، أم في حدود الرغبة السياسية في مواجهتهم؟

قانونان في الضفة

وهنا ينتقل النقاش من عجز أمني إلى اتهام بازدواجية متعمدة، فقد كتب آفي أشكينازي، المراسل والمعلق العسكري في صحيفة "معاريف"، أن الجيش والشرطة والشاباك "فشلوا فشلا ذريعا" في مواجهة ما وصفه بالإرهاب اليهودي، لكنه ذهب أبعد حين تحدث عن نظام أوامر مختلف لليهود والفلسطينيين.

مصدر الصورة شعارات عنصرية خطها المستوطنون على جدران مسجد أحرقوه في قصرة (الجزيرة)

وبحسب أشكينازي، تمنع القيادة الوسطى الجنود من مطاردة ناشطي اليمين الفارين بسياراتهم، ولا تطبق القيود نفسها على الفلسطينيين، كما تختلف إجراءات إطلاق النار، ويُستخدم الاعتقال الإداري ضد الفلسطينيين دون ناشطي الإرهاب اليهودي بقرار من وزير الدفاع.

كما قال مراسل القناة الـ13 يوسي إيلي إن قصرة عاشت نحو عشرين يوما من حصار واعتداءات قبل الاقتحام الأخير، من دون أن تتمكن أجهزة الأمن من إنهاء الظاهرة، وهكذا تتحول الهجمات المتكررة إلى وسيلة استنزاف يومي من خلال الاعتداء على البيوت والحقول والحركة، ثم غياب الردع، بما يرفع كلفة البقاء على الفلسطينيين.

وهذه الحلقة هي جوهر ما تصفه هيس بـ"الهجرة الطوعية" المصنوعة بالقوة؛ فالتهجير لا يحتاج دائما إلى شاحنات تنقل السكان دفعة واحدة، بل يمكن أن ينتج عن تراكم الخوف، وفقدان مصادر الرزق، والاستيلاء على المجال الزراعي، وانعدام الحماية، إلى أن يصبح الرحيل خيار النجاة الوحيد.

إعلان

الانتخابات تشعل الضفة

لكن أخطر ما في المشهد هو انتقال الضفة إلى قلب الحساب الانتخابي، فقد كتب عاموس هرئيل، المحلل العسكري في هآرتس، أن بعض ضباط الجيش يشتبهون في أن نتنياهو يمهد لتدهور متعمد يحول جدول أعمال الانتخابات بعيدا عن إخفاقات 7 أكتوبر، وقد طلب نتنياهو من الجيش خطة لسيناريو "انقلاب البنادق "، أي مشاركة أجهزة أمن السلطة في مواجهة الجيش الإسرائيلي.

مصدر الصورة عضو كنيست برفقة مستوطنين يحطمون نصباً تذكارياً للشهداء في نابلس بحماية الجيش (مواقع التواصل الاجتماعي)

ويرى هرئيل أن شخصيات في اليمين، بينها سموتريتش وقيادات استيطانية، لا تخفي رغبتها في اشتباك أشد، فالتصعيد، إذا وقع، قد يوفر ذريعة لعملية عسكرية تستهدف إسقاط السلطة، وإعادة احتلال مناطق، ثم تهجير أوسع للسكان.

ولهذا وضع رئيس الأركان إيال زامير مقر الفرقة 98 في حالة تأهب، محذرا، وفق مراسلة القناة الـ13 السياسية موريا أساروف من أن الضفة بدأت تستنزف اهتمام هيئة الأركان والموارد والقوات على حساب جبهات أخرى.

من الاحتكاك إلى الحرب

وفي المحصلة يبدو أن الخطر ليس في عدد الناشطين وحده، بل في البيئة التي تسمح لعشرات من المستوطنين المنظمين بتحريك مئات آخرين من المستوطنين، واختراق القرى، ثم تحويل الرد الفلسطيني المتوقع إلى مبرر لمرحلة أشد، وتلفت هيس إلى أن الاستفزازات اليومية قد تكون تبحث تحديدا عن رد فلسطيني "ناجح" يشعل حربا جديدة؛ بينما يحذر هرئيل من أن دوامة كهذه قد تلتقي مع مصلحة انتخابية ومشروع استيطاني في اللحظة نفسها.

والخلاصة أن الفلسطيني في الضفة يواجه مسارا متدرجا لا خيارين منفصلين: ضغط يدفع إلى الرحيل، وعنف قد ينتهي بالقتل إذا رفض الرحيل أو قاومه، ومع اقتراب الانتخابات، يصبح احتمال توظيف الانفجار الأمني جزءا من المعركة السياسية الإسرائيلية، لا مجرد سيناريو عسكري. وبذلك تتقاطع المليشيات الاستيطانية والاستيطان وأجهزة الدولة في واقع يجعل البقاء نفسه معركة يومية للفلسطيني على الأرض والوجود.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا