ابتلعت أمواج البحر المتوسط أحلام 38 مهاجرا غير نظامي، بينهم مصريون وسودانيون وإثيوبيون، بعدما انقلب قاربهم قبالة سواحل مدينة طبرق الليبية، في حادثة جديدة تسلط الضوء على المخاطر المتصاعدة لرحلات الهجرة غير النظامية عبر هذا المسار البحري الخطير.
وتعيد هذه المأساة إلى الواجهة حجم المخاطر التي يواجهها المهاجرون الذين يغامرون بحياتهم عبر قوارب متهالكة، هربا من ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة في بلدانهم، على أمل الوصول إلى الضفة الأوروبية، في رحلة كثيرا ما تنتهي بالموت في عرض البحر.
وفي سياق متصل، أعلن مكتب النائب العام في ليبيا، عبر صفحته على "فيسبوك"، أن النيابة العامة تواصل ملاحقة جماعة إجرامية متورطة في تهريب المهاجرين، عقب الحادثة التي أودت بحياة 38 مهاجرا غير نظامي قبالة سواحل طبرق.
وأوضح البيان أن التشكيل العصابي قام بتهريب مهاجرين غير نظاميين من شواطئ مدينة طبرق باتجاه شمال البحر المتوسط، على متن قارب متهالك وغير آمن، فشل في إيصالهم إلى وجهتهم، ما أدى إلى مصرعهم جميعا، بينهم سودانيون ومصريون وإثيوبيون.
وأضاف أن وكيل النيابة في طبرق باشر تحقيقا في الحادثة، أسفر عن تحديد عدد من الضالعين في تنسيق عملية التهريب عبر البحر، إلى جانب ضبط نحو 300 ألف دينار متحصلة من أنشطة إجرامية مرتبطة بالواقعة، وكشف شبكات مالية غير مرخصة يُشتبه في استخدامها لتمويل عمليات التهريب، مع إصدار أوامر بضبط وإحضار أفراد التشكيل العصابي ومواصلة التحقق من هويات الضحايا.
وفي تطور ميداني متصل، تمكنت فرق خفر السواحل التابعة للقوات البحرية الليبية من انتشال جثث 17 مهاجرا، فيما فُقدت جثث 9 آخرين، في واحدة من أصعب عمليات الإنقاذ التي شهدتها السواحل الليبية.
كما أعلنت جمعية الهلال الأحمر الليبي ومصادر أمنية إنقاذ 7 مهاجرين آخرين بعد تعطل قاربهم وتقطع السبل بهم في عرض البحر لمدة 8 أيام، في ظروف وُصفت بالقاسية والمعقدة.
وأوضحت الجمعية أن فرقها، بالتعاون مع القوات البحرية وحرس السواحل، نفذت عمليات إنقاذ وانتشال الجثامين قبالة مدينة طبرق، واستمرت العملية نحو 8 ساعات متواصلة في ظروف صعبة. كما جرى تقديم الإسعافات الأولية والدعم الإنساني للناجين فور وصولهم إلى نقطة الإنزال، ضمن شراكة مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.
وأفادت بيانات جديدة صادرة عن المنظمة الدولية للهجرة بوجود مخاوف من وفاة أو فقدان أكثر من 180 شخصا في أحدث حوادث غرق السفن في البحر الأبيض المتوسط، ما يرفع إجمالي الوفيات في عام 2026 إلى ما يقرب من 1000 حالة حتى الآن.
وقد أثار تكرار حوادث غرق المهاجرين في البحر المتوسط، وآخرها قبالة سواحل طبرق، حالة من الغضب والاستياء الواسع، وسط انتقادات متصاعدة لغياب حلول جذرية لوقف شبكات التهريب التي تدفع بالمهاجرين إلى رحلات محفوفة بالموت.
وعبّر ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي عن صدمتهم من استمرار هذه المآسي، معتبرين أن ما يجري لم يعد حوادث فردية بل "كارثة إنسانية متكررة"، مطالبين بتشديد الرقابة على شبكات التهريب وتعزيز التعاون الدولي لإنقاذ الأرواح في عرض البحر، بدلا من الاكتفاء بعمليات الإنقاذ بعد وقوع الفجائع.
كما دعا آخرون إلى تشديد العقوبات على مهربي البشر والمتورطين في عمليات التهريب، مطالبين بأن تصل إلى أقصى العقوبات بما فيها الإعدام، معتبرين أن هذه الجرائم لم تعد تُصنف كقضايا عادية، بل تمس الأمن الوطني وترقى إلى مستوى "الخيانة العظمى".
وأكدت هذه الدعوات أن تفشي شبكات التهريب وتحولها إلى تنظيمات عابرة للحدود يستدعي التعامل معها بمنظور أمني وقضائي أكثر صرامة يضع حدا لعمليات الاستغلال التي تودي بحياة مئات المهاجرين سنويا في عرض البحر.
كما شدد أصحاب هذه المطالب على ضرورة إنشاء نيابة ومحكمة متخصصة للنظر في قضايا تهريب البشر، بما يضمن تسريع الإجراءات القضائية وملاحقة المتورطين بشكل أكثر فاعلية في ظل تصاعد ما وصفوه بـ"الجرائم البشعة" المرتبطة بهذا الملف.
في المقابل، حذّر حقوقيون من أن استمرار هذه الكوارث يعكس فشلا في إدارة ملف الهجرة غير النظامية على المستويين الإقليمي والدولي، مطالبين بوضع آليات أكثر فاعلية لحماية المهاجرين، وتعزيز مسارات الهجرة الآمنة والشرعية لتقليل خسائر الأرواح في البحر المتوسط.
وتُعد ليبيا نقطة عبور رئيسية للمهاجرين، إذ ينحدر كثير منهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء، ويخاطرون بحياتهم للوصول إلى أوروبا عبر الصحراء والبحر، هربا من النزاعات والفقر والأزمات الاقتصادية المتفاقمة.
المصدر:
الجزيرة