القدس- مثل زيتونة فلسطينية ضاربة جذورها في عمق الأرض بينما تلاعب الريح أغصانها يمنة ويسرة وتعجز عن كسرها، تقف المقدسية نسرين أبو غربية وأم الأسير فادي، مع الاحتلال الإسرائيلي الذي ما انفك يقتحم منزلها ويعتقل أبناءها ويهددها بكسر شوكتها، فتأبى وترد قائلة: "فشروا".
ووسط مدينة البيرة قرب رام الله بالضفة الغربية، حيث اعتصام أهالي الأسرى تواظب نسرين على الحضور وترفع صورة نجلها الأسير فادي، المعتقل منذ أكثر من 3 سنوات، لتحكي للعالم قصتها مع جيش الاحتلال الذي يواصل اقتحام منزلها واستدعاء أبنائها للتحقيق، وما يتخلل ذلك من تدمير وتخريب في البيت واعتداءات تطال الجميع دون استثناء.
تقول نسرين المنحدرة من بلدة الرام شمالي مدينة القدس، للجزيرة نت إن جنود الاحتلال "يقتحمون المنزل بطريقة همجية، تبدأ بتكسير الأبواب وتتواصل بالتفتيش والإهانات والإذلال وشتمنا بألفاظ بذيئة، وتنتهي باعتقال أولادي والتحقيق معهم ميدانيا ثم الإفراج عنهم".
وكل ذلك، باتت نسرين تدركه جيدا، لا سيما أن الضابط الإسرائيلي أخبرها مرارا متوعدا "لن ندعكِ ترتاحين وسنواصل اقتحام المنزل واعتقالهم والتحقيق معهم". لكنها ترد مؤكدة "لن نذل أو نخضع حتى لو اعتقلوا أولادي كل يوم".
وسبق أن اعتقل الاحتلال ابنيها مجد وأحمد وأفرج عنهما بعد التحقيق معهما، ما ضاعف من قلق الأم والعائلة. لكن الخشية الأشد الآن على الأسير فادي الذي يتعرض لقمع متواصل داخل سجنه كبقية الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي في الأعوام الأخيرة.
وأخطر من القمع اليومي الذي يعيشه الأسرى صباح مساء، تقول نسرين، إصدار "قانون الإعدام" بحقهم، وهو ما تتظاهر مع أهالي الأسرى باستمرار ضده. وتقول "طبعا نرفض القانون محليا ودوليا وشعبيا، ليس فقط قانون الإعدام، بل كل القوانين التي تضطهد الأسرى وحقوقهم، وباتت ما أكثرها".
وما يعيشه الأسرى داخل السجون يؤكد نية الاحتلال إسقاط الإعدام واقعا قبل أن يكون قانونا، فممارسة سياسات التجويع والإذلال واقتحام غرفهم يوميا وتنفيذ "القمعات" (اعتداءات ممنهجة من سلطات السجون قد تُنفذ عدة مرات يوميا) باستخدام الكلاب البوليسية، ليست إلا دليلا على ذلك.
كما أن الاحتلال -تؤكد نسرين- يستخدم القتل البطيء برفضه تقديم العلاج للأسرى، "وأمام مرض عضال كالسرطان يُعطى الأسير حبة (قرص) أكامول كمسكن فقط، وكأنهم يقولون اذهب للموت".
ومع استمرار مسلسل الاعتقال والقمع لأبنائها وللأسرى، يتواصل خوف وقلق نسرين على نجلها فادي، الذي عُرض 27 مرة على محاكم الاحتلال ولم يصدر الحكم بحقه بعد، وهذا وحده كافٍ بأن يجعلها تعيش صراعا مستمرا مع الهواجس حول مصير ابنها الذي تتلقف أخباره من الأسرى المفرج عنهم دون أن تراه بفعل منع الاحتلال زيارات الأهالي منذ اندلاع الحرب على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وهو ما يجعلها أيضا، مثل باقي الأهالي، تطلق أسئلتها التي تحمل في طياتها العتب واللوم أكثر من الاستفسار ذاته: إلى متى هذا التخاذل بحق الأسرى وقضيتهم؟
وتشير معطيات نادي الأسير إلى أن إجمالي عدد الأسرى الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال بلغ حتى بداية أبريل/نيسان 2026 أكثر من 9600 أسير وأسيرة، وهو ما يعكس ارتفاعا بنسبة 83% مقارنة بعددهم قبل حرب الإبادة على غزة، والذي بلغ حينها 5250 أسيرا.
من جهته، يؤكد نادي الأسير الفلسطيني (شبه حكومي) أن واقع الأسرى لم يعد مجرّد امتداد لسياسات احتلال "تقليدية"، بل تحوّل، في أعقاب جريمة الإبادة الجماعية في غزة، إلى جزء لا يتجزأ من منظومة عنف شاملة تستهدف الوجود الفلسطيني في مختلف تجلّياته.
وأكد النادي، في بيان، أن المؤسسات الحقوقية المعنية بشؤون الأسرى جمعت رصيدا واسعا من الشهادات والأدلة الموثقة التي تكشف طبيعة الجرائم المرتكبة بحقّ الأسرى والمعتقلين، ضمن بنية قمعية ممنهجة تقوم على التعذيب، والتجويع، والحرمان من العلاج، إلى جانب أشكال متعددة من الاعتداءات الجسدية والجنسية، بما فيها الاغتصاب.
وتشير هذه المعطيات، في مجملها، إلى أنّ السجون والمعسكرات الإسرائيلية لم تعد مجرّد أماكن احتجاز، بل غدت زنازين تُمارس فيها أنماط متكاملة من الإبادة، تعكس وجها آخر لهذه الجريمة.
وقتلت إسرائيل -وفق إفادة نادي الأسير للجزيرة نت- أكثر من 100 معتقل وأسير فلسطيني، أُعلن عن هويات 89 منهم، منذ حرب الإبادة قبل أكثر من 30 شهرا، فيما بقي العشرات من أسرى قطاع غزة الشهداء رهن الإخفاء القسري.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة